من أعمال الفنان التشكيلي عادل جربوع
قصة

فاكس

 Adel_Jarbo3_01

“وأنه إذ تنتابنا مشاعر الأسى والحزن لما أصاب تمثالكم العزيز الغالي الذي هدمته الطغمة الحاكمة الجديدة التي أمسكت بزمام الأمور منذ فجر الأمس، وهو التمثال الذي لم يكن يزين الميدان الرئيسي للعاصمة فقط، بل كان يزين القارة بأكملها، كما كان جوهرة عقد جيد المسكونة بأسرها، وأجمل وأنبل ما وجد من تماثيل على وجه الأرض، إلا أن عزاءنا هو أنكم كنتم خارج البلاد في زيارة رسمية عند حدوث الانقلام المشئوم، وهو دليل لا يترك ثغرة واحدة يتسرب منها أي شك، في محبة الله ومحبة الشعب لكم، ومحبة الله ومحبة الشعب وجهان لعملة واحدة. وأننا متأكدون أن هؤلاء الرعاع لا يؤمن جانبهم ولا يقدّرون أو يوفرون أحدا، وقد نجاكم الله بفضله ومنته مما هو أسوأ، والحمد لله أولا وأخيرا، فهو الوحيد الذي لا يحمد على الكوارث سواه”.

طوى الورقة التي كتبها للتو، وسكب ما تبقى من الكأس في جوفه الملتهب ووضعها على السرير، قائلا لنفسه بصوت مسموع وغير مسموع معا:

ـ غدا نرسلها على الفاكس.

*     *     *

في اليوم التالي منعه الصداع من الخروج والبحث عن مكتب للفاكس لإرسال خطاب التعزية، ولم يتمكن من ذلك إلا في اليوم الثالث. وصلت الرسالة إلى العنوان المدرج أعلاها، ولكنها لم تصل إلى المرسل إليه في أول الأمر، ولكنها وصلت حتى إلى المرسل إليه في نهاية المطاف، فأدت نفس الغرض مرتين.

*     *     *

وفي طريقه إلى البيت والصداع ينتقم منه، التقاه شخص يعرفه، أظهر له دهشته من الوتيرة المسارعة التي تتوالى بها الأحداث ـ فسحب تنهيدة عميقة ثم أطلقها، فرفرفت في الفضاء فوق رأسه المصدوع وانطلقت في حال سبيلها ـ وما عتم صاحبه أن قال له:

ـ لقد أقيم على وجه السرعة تمثال للحاكم الجديد في نفس مكان تمثال الحاكم السابق، غير أن انقلابا آخر وقع في اليوم الثالث للإنقلاب الثاني، وأزال التمثال ليقيم تمثالا لقائد الانقلاب الأخير، ليتغير اسم التمثال الذي أرسل بشأنه الفاكس قبل أقل من نصف ساعة، من تمثال القائد السابق إلى تمثال الزعيم الأسبق.

*     *     *

أطلع الأسبق السابق على الفاكس الذي وصل للتو، واتفقا على أن يردا عليه ببرقية شكر على ما طفح به من مشاعر رقيقة ومرهفة، وما حمله من دفقات المحبة الدافئة.

*     *     *

قبل أن يفترق عن رفيقه، كان الناس يتسابقون لرؤية التمثال الجديد، الذي كانت مجموعة من العمال تجره على مجموعة من الحمير لنصبه في ميدان الحرية، الميدان الرئيسي للعاصمة، وكان أحد الحمير يحمل لوحة رخامية كبيرة لتثبت على قاعدة التمثال، كتب عليها بخط جميل وبحروف من الذهب ـ وكان من الواضح أنها قد كلفت مبالغ كبيرة، وأن أحدا ما قد بذل جهدا لإنجازها ـ ما يلي:

ـ “إلى الأبد”.

*     *     *

بعد أقل من أسبوعين، أزيل التمثال مع لوحته الرخامية ووضع آخر مكانه.. على نفس القاعدة.

جلس إلى نفس الطاولة، وقد وضع أمامه هذه المرة ورقتين، في أعلى كل منهما عنوان نفس الفاكس الذي حملته الورقة الأولى، وشرع يكتب:

ـ “وأنه إذ تنتابنا مشاعر الأسى والحزن لما أصاب تمثالكم العزيز الغالي الذي هدمته الطغمة الحاكمة الجديدة التي أمسكت بزمام الأمور منذ فجر الأمس… “.

مقالات ذات علاقة

صناعة محلية

عمر الككلي

فتات الخبز

خيرية فتحي عبدالجليل

موجة حب إلى غرناطة

رضوان أبوشويشة

اترك تعليق