قصة

فاحت رائحة الجسد

إهداء لشعب العراق

ذات ليلة لم تنم فيها… أطالت التفكير، تنازعها النوم واليقظة من جرَّاء السكون المخيم على المكان بانتظار قرار حاسم.. في هذه اللحظة القصيرة أحست كأن حمّى تمكنت منها، إذ ثقلت أطرافها ولهيبا غزا جسدها.. ذاكرتها… اندست تحت غطاء الليل.. لفها إحساس بحب جارف وحنان كبير لديار أقسمت بأنها ستكون نارا مستعمرة، وفخا كبيرا لمن يعبث بها… ومن يدنو منها سيتربصه الموت…بين هذا وذاك تثاقلت أجفانها… انسدلت.. وما عادت تشعر بالزمان ولا المكان… في ذات الوقت كانت فلول النهار قد بدأت تطارد جحافل الليل.

ليلتها التي قضتها فريسة للقلق والأرق أرهقتها.. حزن ألم.. دمع.. يملؤ مآقيها، وهي جالسة تتفرس في شاشة التلفزيون التي تنقل أحداث العدوان على شعب عانى وأطفال جاعوا.. قصف قوي.. دخان كثيف.. يخلف بغداد.. البصرة.. الموصل.. كربلاء ويحول مصابيحها لأشباح ألت إلا أن تبقى مضيئة براقة، لتصارع النيران الهوجاء التي تحرق كل شيء تصل إليه..

فرّت من الزمان بأفكارها المتعثرة, ذات الدروب الملتوية، سعيا للهدوء.. لكن أنياب القصف… فحيح الطيران… كانت أقوى منها فراحت تنهشها دون رحمة.. أمعنت النظر لمواكبة أحداث الحرب فهالها ما رأت.. لجم نظرها منظرا لطفل شهيد.. راعها ما حدث له.. كان جسدا بلا روح.. عينان كأن النوم ملأ جفونهما. ثغر أبى إلا أن عناقيد القنابل، ومعلنا الصمود.. رأسا بظلام الليل لونه، بقى عظمه.. سلخ جلده.. ليشكل لنا وردة كان بتلالها نحتت بدقة فائقة.. وقطرات الدم المتلاصقة به مثل الندى تلمع في سواد رأسه كأنها نجوم في كبد السماء..

رغم جنون الموقف بكى قلبها عليه.. انقبضت لرؤيته جسدا بلا روح.. احتضنت نفسها أغمضت عيناها.. حلقت بأجنحة الأخوة.. وعاطفة الأمومة لدار السلام.. ضمت رفات الصبي.. شعرت بهول المكان، وما احتواه من عوالم غريبة.. فاحت روائح ممزوجة بين دماء.. تراب.. دخان.. لكن ما طغى عليها وتحسسته بأنفها كان دماءً لجسد صغير مسجّى.. دماءً حفرت التراب بكلمات تقول:

– لم يدعونا لحرثنا نتأمل….

ومن جهة أخرى ذات الدماء نفسها وعلى عمق أكثر من التراب كتبت:

دماؤنا زهرا ستنتج… نخل باسق، ستثمر.

ما كتب لمس ثنايا روحها فعرفت مبلغ صدق أحرفه.. وما عادت خائفة من شيء..

مقالات ذات علاقة

امرأة من بنغازى

سعد الأريل

العزيزة

محمد النعاس

شيئاً يناغم ما بعده

اترك تعليق