قصة

فاتت جنبنا

من أعمال التشكيلية حميدة صقر


كانت الساعة السادسة صباحاً عندما رن جرس المنبه بجانبي، لم أكن نائمة فقد تعودت أن أصحو قبله وأنتظر صوته المزعج لأقف وأعد نفسي للذهاب إلى المدرسة.

دخلت على أمي في المطبخ، وقبل أن أجلس لأتناول إفطاري طلبت مني إيقاظ أخي “عصام”، فمنذ وفاة أبي لم يعد يلتزم بالذهاب إلى المدرسة، ولا حتى بجلب أغراض البيت ومساعدة أمي. ذهبت مسرعة إلى غرفته، طرقت الباب ودخلت، وجدتها مقلوبة رأساً على عقب ولم يكن بداخلها.

عدت لأخبر أمي، ونظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط وقد اقتربت من السابعة، خرجت مسرعة وأنا أرى في عيني أمي دموعاً على وشك أن تشارك السماء انهمارها، فمنذ البارحة لم يتوقف المطر معلناً بداية خريف رطب ومزاجي.

عندما خرجت من البيت، توقف المطر وبدأت الشمس ترسل بعض الضوء، تجاهد معلنة أنها هنا  رغم الغيوم المكدسة. وأنا في طريقي الى المدرسة، لم يكن ينتظرني كعادته، فمنذ شهر لم يتغيب يوماً عن وقوفه عند نهاية شارعنا هو وصديقة، شعرت ببعض الخيبة عندما وصلت مدرستي ولم أراه، حتى أني لم أنتبه لدروس ذلك اليوم، وشعرت بخيبة أكبر عندما لم أجده أيضاً في طريق عودتي.

استمر ذلك الحال حتى أتت عطلة نصف السنة، مر الأسبوع الأول من العطلة، وقد بدأ أخي يتغيب عن البيت كثيرًا، وأحيانًا لا يعود إلا بعد مرور يومين أو ثلاث.

كنت أرتب غرفتي عندما سمعت صوت رنين الهاتف، خرجت مسرعة لأجد أمي جالسة على كرسي بجوار الهاتف وقد دخلت في نوبة بكاء. كانت أمي أربعينية؛ ذات جمال هادئ، قصيرة القامة، بيضاء، لها شعر قصير، حتى حدود كتفيها، قليلة الكلام، كثيرة الحنان. كانت تعاني الغربة، لأن أهلها يقيمون في مدينة أخرى، ولم يبق منهم سوى أخيها الذي قضى في السجن عمرًا بتهمة أنه يساري، ولم أفهم معنى هذه الكلمة آنذاك، وأنها السبب لدخوله السجن كل تلك السنوات. عرفت أن الهاتف أتاها بخبر وفاة أخيها، وأن علينا أن نسافر من أجل العزاء.

انتهت الإجازة، وأنا كلي لهفة للعودة إلى المدرسة، ومقابلة صديقاتي، ومن ينتظرني في الطريق، فقد كنت بشوق منذ بداية خروجي من البيت وحتى عودتي إليه، ولكن ما كان يقلقني هو غياب أخي، فهذه المرة طال غيابه شهراً كاملاً، حاولت أن أهدئ من روع أمي، ولكن الحقيقة أني كنت خائفة جداً.

يوم الإثنين من شهر أبريل، وأنا في طريقي، أوقفني “وليد”، وكان هذا هو اسمه، ولم يكن صديقه معه هذه المرة، ناولني لفافة من الورق، وغادر مسرعاً، وضعت الرسائل في حقيبتي ويداي ترتجفان، تابعت طريقي وأنا ألتفت خوفًا من أن يكون قد رآنا أحد. هذا اليوم كنت أستعجل العودة للبيت، وكان من عادتي أن أدخل الى المطبخ أولاً بعد أن أرمي حقيبتي في أول مكان، وأذهب لأعرف ما هو غدائنا، فإذا كان يروقني أغير ملابسي على عجل وأقوم بإعداد السفرة، أما اليوم فقد حضنت حقيبتي ودخلت غرفتي وأخرجت الرسائل ووضعتها تحت وسادتي، وخرجت وأنا أشعر بأن أمي ستكتشف كل شيء من خلال تعابير وجهي وارتباكي.

(لقد قرأت كتباً كثيرة لأكتب لكِ كل كلمة وكل سطر، علها تعبّر عن كل ما أشعر به)

كانت هذه أول رسالة، وعندما هممت بمتابعة القراءة كان باب غرفتي قد فتح وأطل منه وجه أخي. لقد مر شهران على غيابه لم نعرف عنه شيئاً، يبدو أمامي الآن أكبر سناً، له ذقن طويل، وشعر مشعث، غارت عيناه، وأصبح نحيلًا جداً، ارتميت بين أحضانه أعانقه بشوق وأعاتبه على غيابه، ولكنه لم يتكلم وخرج وأنا أتبعه.

جلست بقربه، وكل واحد منا يحاول أن يكسر حاجز الصمت ولا يستطيع، لقد ترك غيابه فراغاً كبيرًا وعلامات استفهام، ارتمي على فراش بجانبه وقال بصوت واهن: سأغادر غداً! وغط في نوم عميق…

تلك الليلة طلبت مني أمي أن أعد له حقيبته، وأخرج تلك الملابس التي أتى بها، وأضع له ملابس نظيفة، وفي الصباح وجدته قد تركها على السرير، وأخذ أشياءه القديمة وغادر.

لم أكمل قراءة الرسائل، فقد ترك حضور أخي ورحيله، ألماً شديداً وحزنا يخنقني كلما نظرت في عيني أمي.

انهالت بعد ذلك الرسائل بيننا، وكانت صديقتي “منال” هي الوسيط بيننا، فهي جارتهم وصديقة أخته، وأخبرني إنه قارب على إنهاء دراسته بالمعهد، وأنه كان يغار من صديقه عندما يتحدث عني، وكل واحد منا يعتقد إنه قد نال قلبكِ، وبعث لي مع الرسالة شريط لـ”عبدالحليم”:

فاتت جنبنا أنا وهو

وضحكت لنا .. أنا وهو

رديت وكمان رديت …وفضلت أرد لحد ما فاتت

ونسيت روحي وصحيت …أتاريها خدت الشمس وغابت ….

وجاني الرد جاني .. ولقيتها بتستناني

وقالتلي أنا من الأول .. بضحكلك يا أسمراني

اليوم؛ العشرون من شهر مايو، بداية الامتحانات للشهادة الاعدادية، ولم أعد أرى “وليد” ولا صديقه، وطال غياب أخي “عصام”، ومرت الأيام ثقيلة كالجبال، ودخل الصيف برتابته وأنا وأمي نعاني مُر الانتظار.

لم أعد أرى “وليد”، ولم تعد “منال” تأتيني بالرسائل، وفي يوم من أيام أغسطس، عندما كانت صديقتي على الهاتف لتخبرني أن “وليد” وأخرين قد أخذوهم الى (تشاد).

كنت أسمع أن هناك حرباً في (تشاد) وقد تم تجنيد الكثير من الشباب، والذهاب بهم إلى حرب مجهولة الهوية والسبب. كان الوضع السياسي في تلك الفترة ينبئ بشيء ما سيحدث، ورغم غضب واستياء الأهالي إلا انه لم يجرؤ أحد على الحديث. وفي نفس العام قام النظام ببث مباشر في رمضان، وقد كانت المشانق فزاعة لكل من سولت له نفسه أن يكون له رأي أو اعتراض عما يحدث.

لم أعد أسمع عن “وليد”، الشيء الذي كان مخرج طوارئ لي من كل ما يحيط بي، هي رسائله التي حفظت كل كلمة وكل حرف فيها..

في يناير من العام التالي، كان الشتاء قاسيًا والقلوب حزينة، ولم أفرح بدخولي المرحلة الثانوية، وفك ضفيرتي ولبسي حذاء بكعب، فقد كانت خيام العزاء منتشرة في مديني وكانت إحداها أمام بيت “وليد”. لم أستطيع أن أذهب لأبكي هناك، وكانت غرفتي هي ملجأي ومن شاركتني حزني.

تم حصار مدينتي، وأقفلت منافذها شرقًا وغرباً، وقطعت الاتصالات، وانهالت على مسامعنا أن هناك كلابا ضالة، وسيتم تفتيش كل البيوت والأماكن، تلك الليلة سمعناً طرقاً قوياً على الباب، ولم يكن سوى أخي! دخل وهو يتلفت خلفه وطلب أن أحضر له الماء عانق أمي وعانقني وقال لنا؛ هناك من يلاحقه، وطلب من أمي أن تسامحه، وصعد الدرج المؤدي إلى السطح وأختفى.

وبعد حوالي النصف ساعة، سمعنا طرقًا عنيفاً، وصوت كلاب تزمجر، وإذا بمجموعة من الجنود ومعهم كلاب ضخمة، قد اقتحمت البيت وانتشرت فيه. عندها أدركنا أنا وأمي، أن “عصام” من الكلاب الضالة كما يقولون، وعرفنا سبب تغيره وتغيبه عنا. خرجوا ولم يوجهوا لنا أي سؤال ولكن كل ما في البيت تم نبشه ورميه على الأرض، ولم يكن هناك شيء كان سيزيد من حزننا سوى أن أخي “عصام” هائماً على وجهه في الشوارع طالباً للنجاة.

كان أخي “عصام” يكبرني بعامين، حنون، ذا طباع جميلة، تدعوك للحديث معه والأنس بقربه، فعندما كنا صغارا، كان يقول لي: أتمنى أن اكون طيارًا. فكان يصنع طائرة من ورق ويأخذني إلى السطح، ونقوم معاً بقذفها نحو السماء.

ومازلت حتى الآن، كلما سمعت فيروز تغني: طيري يا طيارة يا ورق وخيطان. تنهال دموعي، فأخي كان لي فرحة وحياة، ولم أعلم بأنه سيأتي اليوم الذي ينفطر فيه قلبي ممن شاركوني نبضه وسعادته، فقدت “وليد”، ولم تبق سوى رسائله، وفقدت أخي عندما سمعنا إنه قتل في السجن، ولم تبق  سوى طائرته الورقية التي أخذتها الريح بعيداً.

مقالات ذات علاقة

طَأطَأة

غالية الذرعاني

قد نلدغ من جحر مرتين

رشاد علوه

روح القهوة

جلال عثمان

اترك تعليق