من أعمال الفنان التشكيلي بشير حمودة.
شعر

غفوة الياسمين

من أعمال الفنان التشكيلي بشير حمودة.
من أعمال الفنان التشكيلي بشير حمودة.
الصورة: منتدى التشكيل الليبي.

 

مشانق للنور
أسلاك الكهرباء المتدلية،
وتلك السطوح التي
ذبلت ألوان الغسيل فوقها
ما عادت شرفات للحب.
سرب فقط من الدخان
يحلق صوب الجبل
ويختفي في وبر السحاب.
بنادق طويلة تتأرجح
من أكتاف صبية،
صبية وكفى ..
لم يختبروا انتظارا حميما بعد الحصة الأخيرة
لم يختبروا الطمأنينة تهطل
من جيوب الموسيقى في خاصراتهم .
من خلف اللثام
يحدقون في العابرين بقلق
وفي كرات العوسج اليابس
تدحرجها الريح على الطريق المهجورة
***********
لا أحد يزور المدينة المحاصرة
لا أحد يصغي لنحيبها الصامت.
مُرٌّ أنينها
كبكاء طفل تائه في أحراش الديس
ثقيل صمتها المجروح بعواء الريح
في شرفاتها الخالية .
*********
الوقت بداية الليل
بعض قطط تتسكع في الشارع المطفأ
ونباح كلاب خلف سور المقبرة.
ما عادت تسهر مدينتي
التي كم جعلت من ليلها سرير موسيقى
ما عادت تكسر أذنها
سوى لصوت دويٍّ آخرَ الليل ..
أين الانفجار ؟
سؤال تحاول أن تجيب عنه
الشاشات الصغيرة
تغمر بضوئها الشاحب قلق الوجوه.
أرق في كل البيوت..
مدينتي ما عادت تنام
ولا عادت تسهر .
*************
في مقهى النجمة ـ
الرابض قرب وادي درنة العتيق
مجرى السحب وزهور الدفلى الشاردة ـ
ضوءٌ خافت لا يكفي لمطالعة الحزن على الوجوه.
في مقهى النجمة
أتلفتُ كمهاجر يبحث عن وجه أليف
فقط كثير من ذباب الخريف
و”سيّاح” يتسكعون برايات سود.
نزح الأصدقاء إلى غربة البيوت
وارتد الشعر عن طقسه اليومي الخفيف
لا أحد يصل قبل موعده
لا أحد يصل بعد موعده
وجه القهوة مجعدٌ ..
شيب ينمو على حواف أكواب الشاي
وبائع بخور خلف زجاج المقهى
تئن بناديره الخرساء.
بعض ما فيكِ ساكت عن بوحه
والباقي حنين
يحكي سيرته في همس الطوابير.
***********
أين عطرك؟
منارةَ القلوب من كل حدب وشوق
أين قناديل العيد تتبرج على الرصيف ؟
أين ماء الدراويش المنساب في سواقي الضحك؟
على عَجَلٍ .. نزح منك الشعر والتبغ والأصدقاء
ودون عربته القديمة
غاب الحصان الحجري في غبار معركة دون فرسان
ولم يبق تحت إبْطيك
سوى مسك قديم
وخرز ما عاد يحميك من عيون البنادق
**** *********
أطفال في الشرفات
نهضوا الآن من نومهم
يُطيّرون الفقاعات صوب نسيم الوادي.
و الفناجين المقلوبة على رفوف المقهى
المطل على مجرى السحاب ..
تنتظر مثلي .
بعد قليل ستعود الطيور إلى الأشجار
ويلفك الظلام وحيدة كأرملة
ما عادت نوافذها تهمس بالنور.
ليس كحلا
هذا السواد الذي يرفرف فوق أهدابك
لكنه رغوة حزن عابر
ومحض كابوس .
سيمضي حين تستيقظين
******
استيقظي
وتنشقي عطر الصباح الشهي
سيعود الزوار إلى غرف البخور
كأنهم ما غابوا ..
انهضي من غفوة الياسمين
وتأملي ذكرياتك في المرآة
كل هذا الخوف محض كابوس
سيمضي حين تستيقظين
على رائحة القهوة كل صباح
وبحرك العائد من منزحه
يتأهب لقوارب الصيد
وغناء النورس العائد من منفاه

أبريل 2015

_________________________________

كتبت هذه القصيدة بتاريخ 15 أبريل 2015 حين كنت اتردد على درنة وأشاهد كآبتها عن كثب، وكل مرة كنت أعود إلى قريتي كرسة التي تبعد عنها 20 كم حزينا. سميتها “غفوة الياسمين” لأني كنت أعرف أن ما يحدث لدرنة يشبه الغفوة التي ستستيقظ منها، وتعود كما كانت مدينة الفن والجمال والأناقة، سيعود النورس إلى شواطئها وتعود قناديل العيد إلى أرصفتها، والبنادير الخرساء ستغني فيها محبة النبي من جديد . فألف رحمة على شهداء الجيش الوطني الذي قضوا من أجل إيقاظها من الكابوس وألف رحمة على كل من طالتهم سكاكين ورصاصات الإرهاب من أبنائها الذين عكروا صفو الظلام.

مقالات ذات علاقة

أنا .. أنت

رامز النويصري

عن الترفّق في العطر

عاشور الطويبي

نصوص تأبى القفز

مهند شريفة

اترك تعليق