طيوب النص

غداً يا خديجة

عيشة بنت الحوات.. من أعمال التشكيلية نجلاء الشفتري.

غداً يا خديجة.. وعندما تنتهي الحرب وتصيرُ لنا بلادٌ حقيقية سأعود إليكِ في نهاية اليوم بمعطفي المبلّل.. وستبتسمين كما لم أركِ من قبل.. ثم ستبكين بحرقةٍ لأننا كبرنا.. كبرنا قبل أن تنتهي هذه الحرب بيومين ويأس طويل.

غداً يا فاتنة القسمات نملأ سلال الحياة بتفاح حديثك الشهي.. تحدثينني عن الشاب الذي أحببته في الثانوية.. كان وسيماً.. وسيماً بالقدر الذي أفقدكِ أمل التفاتهِ صوبك.. لكنه التفت إليك لأنكِ كنتِ أجمل من رصاصةٍ لم تصِب أباً كادحاً.. تخبرينني عن فستانك المزهّر الطويل.. وكيف كنتِ ترتدينه في الأعياد حتى بهُت لونه.. وعن شعرك الذي ينسدلِ على ظهرك مثل ظلال المساءات.. ثم تظفره لكِ جدتكِ بأصابعها النحيلة.

سأرجعُ لك كل يومٍ محملاً بالحب.. الحب الذي ما فتئنا نقذفه في وجه الحرب.. نذكر أيامنا التي هدرت ونحن نرسم أحلاماً كثيرةً تطير فقاعات فقاعات فوق رأسينا.. ثم تصطدم بقذيفة طائشة في الهواء.. نشعل الموقد ثم نلتف حول بعضينا مثل تائهين.. تضحكين لأن ظل قدمي يبدو مثل قدم وحشٍ على جدار الغرفة.. أستمع لك بعمق.. وأبكي لأجلك عندما كنتِ تعبّئين أيامك بأمانيك عن الفساتين القصيرة.. عن الأحذية العالية.. عن العطر المثير.. عن علبة (مكياج) فاخرة.. عن الفقر وهو يخمش وجهكِ في الليل ثم تبصقين عليه في الصباح بابتسامة ساحرة.

غداً يا خديجة.. وعندما يصير لنا بيت واسع.. في بلاد كادت تضيق على قلبينا.. سنجري فيه.. وستختبئين خلف الأبواب مثل طفل صغير.. سأناديك بعد انتهاء الحرب بأسمائك التي دسستها تحت لساني كي لا تموت.. وستركضين نحوي مثل أم وحيدة.. سنعُد أطفالنا كل نهاية يوم ونبتهل.. نبتهل لأن الحرب أبقتهم لنا.. ستسألينني: هل أبدو كمقبرة؟

سأنظر لوجهك قليلاً.. ثم أتذكر أن كل الذين قتلتهم الحرب تكدسوا بذاكرتنا.. ثم أخبركِ أنه لا يجبُ الآن إلا أن تفرحي.. واتركيني أتفاهم مع حزنك.

عندما تنتهي الحرب.. وفي ليالي الشتاء الطويلة.. سأقول الشعر كله فيك.. سترقصين بينما أردد مع رعشة قدميك:

باردة ليالي الشتاء

في بلادنا..

باردة دون وجهك الذي

يشبه الدفء..

باردة هذه الليالي

حقاً..

دون روحكِ التي تمسّد

القلب

بيدين ناعمتين مثل فروٍ

أصيل..

امنحيني ذقنكِ لأنظر لانعكاس

الضوء عليه بعين لامعة

ثم أضع عليه قبلةً كانت تائهة

في العتمة..

لأصبح وقد استحلتُ وإياها

ابتسامة واسعة رغم

كل هذا البؤس.

ستنتهي.. هذه الحربُ ستتوقف.. وسنجمع أيامنا التي تساقطت من جراب العمر على قارعة الطريق.. ولا أحد توقف لـ يلتقطها معنا لوجه الله.. ستنقطع أنفاسها.. وسنلتقط أنا وأنتِ أنفاسنا.. وسنمشي في شوارع البلاد حافيين نلتمس الطرق المعبدةَ بأحذية الجنود وخوذهم.

لا تغيبي يا خديجة.. إلى ذلك اليوم لا تغيبي.. والسلام عليكِ يوم ولدتِ ويوم أحببتكِ ويوم جعل قلبكِ ممراً آمناً لروحي المحاصرة.

مقالات ذات علاقة

كيف لي أن أقفز

نعمة الفيتوري

وحيد

أمل بنود

اشـتـكـاء

سليمان زيدان

اترك تعليق