المقالة

غابات الهُوِّيَّات الثقافية

تشكِّل مسألة الهوية الثقافية موضوعًا متشابكًا ثريًّا (كي لا أقول معقدًا). وبالغوص في عناصر الهُوِّيِّة وتنوعاتها يتضح أنَّ ما كان يبدو محسوما ولا جدال فيه هو محل التباس يقتضي إعادة النظر وتنويع مناهج التحليل وزواياه. فلا يكفي، مثلاً، أن يُـعرِّف شخصٌ نفسه بأنه عربي. ذلك لأنَّ هوية العربي المسلم تتميز عن هوية العربي اليهودي أو المسيحي. وحتى بين المسلمين أنفسهم، تفترق هوية العربي المسلم السني عن هوية العربي المسلم الشيعي. وداخل الطائفة ذاتها تتباين هوية العربي السني الحنبلي مع هوية العربي المسلم الحنفي. وهوية العربي المسلم التونسي، مثلاً، تختلف عن هوية العربي المسلم المصري. هذا إذا اقتصرنا على مستوى القومية والدين والطائفة والمذهب والقُطر

لكنَّ ثمة عواملَ أخرى تفعل فعلها في تشكيل الهُوِّيِّة، وهي تلك المتعلقة بتنوع الطبيعة الجغرافية المحددة لأنماط الإنتاج. فهوية سكان أرياف السهول تختلف عن هوية سكان الجبال، حتى وإن كانوا معتمدين على نشاط زراعي أيضًا وكانوا من نفس العِرق والدين والمذهب، ويتجلى هذا الاختلاف، أبرز ما يتجلى، في نمط المعمار واللباس والحلي والأغاني. وقل الشيء ذاته عن المدن الساحلية والشاطئية والواحات.

ولقد أُتيحت لي، بفضل الصديق الدكتور محمد الجويلي أستاذ الآنثروبولوجيا بالجامعات التونسية والفرنسية، فرصة حضور ندوة انعقدت في جزيرة جربة التونسية بعنوان:«الجُزُرِيِّةُ: لغةً، ذاكرةً وهُوِّيِّةً» في الفترة 26- 28/9/2014 شارك فيها ما يزيد عن أربعين اختصاصيًّا من أنحاء مختلفة من العالم.

كانت الندوة من تنظيم الجامعة التونسية وجامعة روون الفرنسيّة بإشراف الدكتور محمد الجويلي مدير وحدة آنثروبولوجيا الثقافة العربيّة المتوسّطيّة بكلية آداب منوبة والدكتور فؤاد العروسي مدير مخبر الديناميكيات الاجتماعيّة واللغويّة بجامعة روون. ويعد هذا النوع من البحوث توجها بحثيا جديدا بالنسبة إلى الدراسات الأكاديمية العربية وهذه هي الندوة الأولى من نوعها في هذا الحقل البحثي التي تعقد في بلد عربي.

وبسبب عدم معرفتي باللغة الفرنسية وغياب الترجمة إلى العربية أو الإنجليزية فقد فاتتني الاستفادة من المحاضرات التي قدمها أصحابها بالفرنسية. لكنني تمكَّنت من متابعة المحاضرات التي ألقيت بالعربية وعالج معظمها مواضيع وجوانب متعلقة بجزيرة جربة. وقد كانت عناوين المحاضرات العربية كالتالي:
«حلي جزيرة جربة بين الهوية والغيرية» للباحثة منجية عارف منسية، و«الجزرية والأقليات الدينية: إباضية جزيرة جربة نموذجًا« للباحث زهير تغلات المتخصص في الفكر الإباضي، و«أصول السكان بجزيرة جربة في الفترة الوسيطة من خلال دراسة أسماء الأماكن والأسر والأعلام والمعالم» للباحث منصف بربو، و«الجزرية في رحلة شاتوبريان من الإسكندرية إلى تونس(1806)» للباحث طالب ولد العروسي، و«ماذا غنمت جربة من التنوع الديني» للباحث خالد كرونة، و«أثر الجزرية في تشكيل البنية الذهنية والنفسية لسكان جربة عبر التاريخ» للباحث حسين الطبجي، و«الجزرية وتشكيل الهويات الثقافية» للباحث علي السياري.

لقد حرصنا على إيراد عناوين المحاضرات العربية كلها لإيضاح كيف يمكن لجزيرة مثل جربة أن تمثل حقلاً فسيحًا لبحوث متنوعة تركز على جوانب من هوية تجمع بشري صغير العدد يشغل رقعة جغرافية ضيقة.

وهذا يؤكد على مسألة هامة، ينبغي أن تكون مُسَلَّمَةَ، هي أن التنوع والاختلاف هو الأساس وهو القانون الطبيعي وأن هذ الاختلاف والتمايز يكون جليا أحيانا ويكون على مستوى التفاصيل الصغيرة(ولكن الفارقة)، أحيانا أخرى. إن التطابق، حتى على مستوى الأفراد داخل الأسرة الواحدة، لا وجود له، فـ«لن تجد في الغابة ورقتين متماثلتين» كما يقول المثل. أو كما يعبر المثل الليبي «صوابع إيديك مش زي بعضهم». ولذا فإن الموقف الذي ينكر التنوعوالاختلاف داخل المجتمع، أو الشعب الواحد، هو موقف تعسفي غير واقعي، ومحاولة محو هذا التنوع وإزالة الاختلاف عن طريق القوة من أجل فرض نموذج ثقافي محدد في محاولة لـ«تصنيع» الأفراد على غراره هي محاولة تمثل موقفا عبثيا معاديا للإنسانية.

لا بد من الاعتراف بالتنوع الثقافي في جميع جوانبه، أي الاعتراف بالهويات المختلفة، والسعي إلى التعايش و«التناغم» معها، بدلاً من الانغلاق عنها أو محاولة فرض «التجانس».
عالمنا غابات متنوعة من الهويات الثقافية، وفي هذه الغابات لن تجد شخصين متماثلين.

مقالات ذات علاقة

يحـن .. ولا يـرن!!

أم العز الفارسي

بين المدنية والتدين 3/3

علي الخليفي

الحرب وحكايات النزوح والصمت الثقافي المخجل.. وأشياء أخرى

محمد الأصفر

اترك تعليق