قصة

عيل على باب الله

من أعمال التشكيلي عمران بشنة
من أعمال التشكيلي عمران بشنة


ركضت القابلة “جازية” نحو عريشة أمنا “بريكة”، ووجهها محمر والعرق يكسوه. أنفاسها اللاهثة تقطع الكلمات كسكين يقطع اللحم. وقفت في باب العريشة واضعة يدها على صدرها مخافة أن يقفز قلبها مع خفقاته العالية، لسانها جمد فجأة وحدقتاها تشاكستا بين الضيق والاتساع، في داخلها ثار شعور غريب تجاه تلك العجوز الجالسة وسط العريشة لا تبدي انتباها لانفعالاتها.

كانت أمنا “بريكة” تفلي التراب بعود وتخربش أشكالا بلا معنى، خمنت “جازية” أن الطرش قد أصابها، لم يكن سوى الاقتراب منها حلا أخيرا و جذبا لها. مدت يدها إلى الركبة العارية تهزها وصوتها العالي يخترق طبلتا أذنيها:

– ألحقينا يا أمنا…. “مقبولة” ولدت ولدها الرابع ميت.

ابتسمت العجوز وهي تنظر لعيني القابلة اللتين تتفرسا وجهها وتفترسه، تبا لهذا الظرف العصيب الذي أوقعها بين يديها. هي الأم والواجب احترامها، ليس بوسعها فعل شيء غير ضرب كف بكف وامتصاص جذوة غضب تبدت، فيما قالت “بريكة” متداركة ابتسامها العفوي:

– عرفت!!

قامت تستند إلى عصاها تسير في تأن مرتعش و”جازية” تسبقها لعريشة الأم المفجوعة ورأسها يغلي بأفكاره، كيف لها العلم وهي تقبع في عريشتها منذ البارحة ولم يزرها غيرها؟! انحسرت غمامة الأفكار بصوتها الضعيف:

– الأحلام تنبئك بما يغيب عنك يا جازية. 

في العريشة كانت الحاضرات يواسين “مقبولة”، وعندما رأين أمهن واقفة بالباب تراكضن إليها يقبلن يديها ويأخذن البركة، ثم ساعدنها في الجلوس قبالة الوالدة التي استقبلتها بانهمار الدموع وشكوى الفقد.

تأملت أمنا الوجه الشاحب والعينين الغائرتين ثم تهز رأسها وتعود للتأمل، كررت فعلها دون ملل كأنما تراجع موقفا قديما أو تنتظر إذنا بالحديث و”مقبولة” لا تنتهي شكواها. في خضم هذا الجو الكئيب تململن النسوة من صمتها الثقيل، بعد برهة من الزمن قالت وهي تربت على كف “مقبولة” المعروق:

– في حملك القادم احملي (قفتك)، وادخلي كل العرائش وقولي (عيل على باب الله). 

بعد بضعة أشهر كانت “مقبولة” حاملا، أخذت بما أشارت به الأم وطافت بالعرائش وكل امرأة تعطيها شيئا. مرت أشهر الحمل في بطء شديد وهي مؤملة نفسها برؤية وليدها يناغي ويبتسم للحياة.

حانت ساعة المخاض التي كانت عسيرة عليها، امتزج فيها الخوف بالألم والرجاء والقلق حتى طرق سمعها بكائه، طربت نفسها وارتاحت، انطلقت الزغاريد من حولها، ركضت “جازية” تبشر أمنا “بريكة”   ابتسمت وقالت:

– جاء “ساسي” أخيرا!!

مقالات ذات علاقة

عساكر سوسة

حسن أبوقباعة

مناشير الموت…

حسين بن قرين درمشاكي

ليلة القدر

سعد الأريل

اترك تعليق