تراث

عيشة وطائر السنونو ..

عبدالقادر العرابي

طائر السنونو أو (السمو) كما نسميه في قريتنا وفي مناطق أخرى يسمى بالخطيفة، هو طائر مهاجر خفيف الحركة يتغذى على الحشرات، ويطير في مجموعات بالقرب من المسطحات المائية حيث يتغذى على يرقات البعوض واليعاسيب والزغلال، وغيرها من الحشرات التي تعيش في البرك والمستنقعات.

طائر السنونو (الصورة: من اختيار الكاتب)

ويبني طائر السمو أعشاشه في أسقف البيوت العالية، ولا يوجد هذا الطائر إلا كزوجين ذكر وأنثى، يطيران ويهاجران بصحبة بعضهما ويحافظ هذان الزوجان على العودة إلى نفس العش بعد كل هجرة قارية، تمتد إلى جنوب أفريقيا وجنوب أسيا إلى حوض المتوسط، فيتزاوجان وتضع الأنثى أربع بيضات كحد أعلى، سرعان ما تكبر فراخه وتهاجر مع والديها، ولهذا الطائر حضور في كافة الثقافات الإنسانية عبر التاريخ، بداية من قصته في أساطير الأيزدية والتي تتحدث عن قصة السنونو وطوفان نوح عليه السلام، إلى الفراعنة والبابليين والاشوريين، كل تلك الأمم قدست هذا الطائر ونهت عن اصطياده وحرم أكله واعتبر طائرا مباركا أينما حل تحل معه البركة والخير والخصب، وفي أحاديث جداتنا عنه كن يقلن لنا عندما نفتقد وجوده بأنه يحج الى بيت الله الحرام ..كما أن هناك حجر نادر يصعب الحصول عليه ولا يعرف مكان ذلك الحجر المبارك إلا طائر السنونو (السمو ) الذي يحمله في منقاره ويرمي به لأحد المحظوظين، فيستطيع من يحصل على هذا الحجر ان يتجاوز إلى بوابات علوية ونورانية خفية.

وفي المعتقد أن هذا الطائر ونظرا لوفائه الزوجي، كانت النساء في قريتنا والقرى المجاورة بشكل متزوجات أو أرامل أو مطلقات أو من اللواتي ينتظرن الزواج، يبجلنه كثيرا لوفائه فقد انتقل هذا الموروث التاريخي إلى قريتنا فمن ارادت أن تتمسك بزوج لا يتزوج عليها أو ترد إلى زوج طلقها أو من الباحثات عن الزواج، ما عليهن إلا الإمساك بطائر السمو وقص ريشة من جناحه الأيمن تتبخر بها وأخرى من جناحه الأيسر تضعها في وسادتها أو ملابسها وتكحل له عينيه وتربط خيط أحمر في ساقه الايمن وتطلقه ..

ذات يوم كنا ستة أو سبعة صبية نلعب كرة القدم في حد أزقة القرية، وكانت الكرة عبارة عن جورب به كتلة من الصوف، وكانت هناك امرأة في القرية أرادت أن تجلب حبيبا للزواج، نادتنا وقالت لنا: من يستطيع ان يجلب لي طائر (سمو) فستعطيه عشرة قروش، على ان يبقى الأمر سرا لا نقوله لأحد.. فانطلقنا للقبض عليه.

ونحن نعلم أين نجده فقد كان يطير بأعداد كبيرة فوق مستنقع كبير يقع إلى الشرق مباشرة من القرية كنا نسميه (السقط) ليس بينه وبين بعض البيوت سوى طريق ترابي ضيق. ووصلنا وبدأنا في قذف تلك الطيور بالحجارة أملا في إصابة احدها إصابة غير قاتلة، كنا نتوقف عن ذلك عند مرور رجل كبير أو امرأة يحاولون منعنا من قذف الطائر.

وعندما قارب النهار على الانتهاء والشمس بدأت تميل للغروب، بدأت تلك الطيور تتناقص وتعود إلى أعشاشها ولم نستطع القبض على أي طائر. وبدأنا بالعودة إلى بيوتنا على أمل أن نواصل المحاولة في الصباح.

في الصباح استيقظت ومباشرة خرجت من البيت إلى (السقط)، وهناك وجدت اثنين من الرفاق يحاولون الإمساك بالطائر وبينما نحن كذلك جاء أحد الرفاق وقال بانه قد قبض مع رفيق آخر على الطائر في بيت مهجور منذ الأمس وقد قدماه الى المرأة، فقامت بقطع ريشه وتكحيله وربطت في ساقه خيط أحمر وأطلقته وقد نالا الجائزة واقتسماها. فاسقط في يدنا وأنهينا محاولة القبض على الطائر ليبدأ مشروع آخر وهو ابتزاز المرأة لتعطينا بضعة قروش او سنشيع الأمر فلم تمتثل فأشعنا الخبر بين النساء واخذن يتناقلن الخبر، وفي كل مرة نجد امرأتين أو ثلاثة يسألننا فنبتزهن أيضا لنخبرهن بحقيقة الامر.

بعد مدة وفي أحد الأفراح سمعنا إحداهن تقول شتاوة.. أو كما تسمى في قريتنا (ملزومة) تقول:

 شدت طير وقصت ريشه … طار الطير وبارت عيشة

تلك المرأة لم يكن اسمها “عيشة”، ولكنه كان رمز وهمز ولمز وكيد ومكر ورسالة لتلك المرأة من إحداهن مفادها، بأننا قد عرفنا كل شيء ولا تزال (عيشة) تنتظر الى الآن.

مقالات ذات علاقة

نجـر الخـله

المشرف العام

رقع البياد وضربه

المشرف العام

الإتبَاعُ في اللَّهْجَةِ العامِّيَّةِ اللِّيبيَّةِ.

جمعة الفاخري

اترك تعليق