قصة

عوسـجة

من أعمال التشكيلي العراقي سعد علي

1

أنا العمر المهدور فوق عتبات الفصول.. والزمن المرصود للهواجس.. يسمع الليل وقع خطواتي وأنا أحرس الأمكنة جيئة وذهابا.. وترقبي يقتات من سمعي.. من كل نأمة أو صوت أو حركة تصدرها كائنات الليل.. أصوات سكارى من البعد تأتيني.. زغاريد ليلة حناء.. هدير محرك سيارة تمر مسرعة على الطريق.. عواء ذئب بعيد.. أو صوت علبة فارغة  تدحرجها الرياح الموسمية.

يقولون أن العالم الآخر الغير مرئي يتحرك في الليل.. ثمة كائنات لا نراها.. مخلوقة من النار.. تعيش في أماكن الخلاء ..أتعوذ منها وأتحصن وأتلو ما تيسر من الآيات.. كي لا تؤذيني.. وإذا مرت لا تقترب مني.. ولا تخرج إلي بجسد ليس له رأس.. أو في صورة أخرى لوحش مخيف .

يهدأ العالم من حولي.. تنام الشوارع.. تغرق البيوت في الظلمة.. يطرد الأزواج الصقيع خارج الحجرات.. يغط المسنون وتحلم العذراوات بالحب.. ينام الخلق إلا أنا.. أظل أحرس المكان.. رفيقتي بندقيتي.. أحملها فوق كتفي فأشعر أنني في حمايتها.. البندقية رفيقة حميمة.. كائن ينبض.. قلبها زناد.. وأمعاؤها ذخيرة.

الوقت يمر بطيئا.. عيناي ترقبان المكان بحذر.. وقلبي متيقظ لكل خشخشة.. وكلما علا نباح كلاب الليل السائبة أنظر حولي.. وأتخيل أن أحدا ما قادم نحوي.. فتزداد حواسي ترقبا.. ثم لا يلبث النباح أن يهدأ.. وتهدأ معه حواسي .

أدور حول مخزن السلاح.. ومخزن المهمات.. والعنابر.. ومبنى الإدارة.. الليل في حياتي حراسة الأماكن.. وخوف من قادم لا أعرفه.. أمرني رؤسائي أن أترصده.. وأستوقفه.. وإذا استدعى الأمر أستعين ببندقيتي.. فينبض قلبها وتخرج ما في أمعائها.

أنا الحارس في جوف الليل.. والعمر المشطور بين الظلمة والبندقية.. تعودت أن أرصد الخيط الأبيض حين يتسلل عبر الظلمة.. وفي سمعي صياح ديكة الفجر.

قضيت نوبات حراستي وعلى ذراعي معلق خط أبيض.. فأسموني جندي أول.. ازددت نوبات حراسة.. مرت سنوات..

أضافوا إلي خطا ثانيا ثم ثالثا ورابعا.. وأسموني ضابط صف.

في أيام الصقيع أرتدي معطفي الواقي من المطر.. يلفحني البرد على وجهي فأحس أنه قد تحول إلى قطعة ثلج.. وأن أنفي قد تيبس.. وأستنشق صقيعا ينخر جيوبي الأنفية.. فيملأ رأسي صداع لا يتوقف.. وفي لزوجة الصيف أسبح في العرق.. يطاردني البعوض.. يقرص وجهي.. يقرص يدي.. ويتلذذ بامتصاص دمي .

2

 في غفلة من الزمن .. مر كل شيء.. وجئت بملف فيه أوراق مليئة بالأختام والتوقيعات.. كنت أتنقل من مبنى لآخر.. ومن مكتب لآخر .. حتى انتهيت من ختم آخر معاملة.. وقالوا عني متقاعد.

كل شيء يمر.. كل شيء يزول .. والعمر أكذوبة في فيلم سينمائي .. ودعت العنابر ومخزن السلاح ومبنى الإدارة.. تركت الظلمة لعواء الذئاب وكائنات الليل.. أصبح العمر عوسجة جافة.. ودفتري مسطور بانحناء ظهر.. وبياض شعر.. وروماتيزم في المفاصل.. ونظارة طبية.. أنا الذي يعرفني الليل والبندقية وتذكرني الليالي المقمرة والرياح الموسمية والصقيع والظلمة.. وصياح الديكة عند الفجر .

مقالات ذات علاقة

هـــنا وهـــناك1

حسن أبوقباعة

مـوت جـــمل !!

الصديق بودوارة

مدينة السبع دمعات [الملح والماء]

سالم العبار

اترك تعليق