المقالة

عن الكحه والكحاحه في ليبيا !!

.

..وفي الشتاء تكثر نزلات البرد وتكثر معاها الكحاحه ، ويقال فلان ” شداته الكحاحه ” أي استغرقه سعال متواصل ، ويقال “:الكحاحه قريب تمزق صدره ” أي أمسكه سعال شديد قوي . وكثيرا مايسأل الطبيب مريض الكحاحه إن كانت الكحاحه فارغة وإلا مليانة ؟ ثم يحشر ملعقة خشبية إلى أقصى مايمكن الوصول إليه من جوف فم المريض ليستكشف الحلق ومدى التهابه بعد أن يأمره بأن يقول آه .

وأنا لاأدري مغزى هذا السؤال الغريب والمتكررالذي يطرحه الطبيب عن الكحاحة الفارغة والمليانة رغم أن الدواء دائما واحد ، إنه ” شروبوا الحكاحه ” وكلمة “شروبوا” التي تبدو هنا مثل كلمة ايطالية هي اسم الدلع لكلمة ” شراب ” العربية ، وهي لاتقال إلا عن الدواء ، فلا يقال مثلا عن عصير البرتقال ” شروبوا البرتقال ” ..أو ” شروبوا البوخة ” أو “شروبوا الروظاته “…إذن كلمة شروبوا مقتصرة فقط على الدواء وفي الغالب دواء الكحاحه !! والأطفال يحبون ” شروبوا الكحاحه ” لأن شركات الأدوية تجعل طعمه لذيذا مثل العصائر والمشروبات . والآباء والأمهات في ليبيا صاروا خبراء في أمراض أطفالهم ولايحتاجون في كثير من الأحيان إلى الذهاب إلى الطبيب حين يمرض طفل من أطفالهم لأن شروبوا الكحاحه موجود في الثلاجه وكذلك زرابيط الحراره وحبوب وشروبوات أخرى تملأ الثلاجة وهي علب تعفي الأب من الذهاب للطبيب ودفع 15 دينار كشف طبي من أجل أن يكتب له روشيته فيها شروبوا كحاحه وظرابيط تنام جنبا إلى جنب ربطة السفناري .

والليبيون مثل سائر شعوب العالم لهم دواء شعبي لأغلب الأمراض ، وهم يطلقون عليه اسم “دواء عربي ” ودواء الكحاحه العربي هو مزيج الرب وزيت الزيتون وعصير الليمون ( الليم العصري ) . وهناك من برفض الذهاب للطبيب و يعالج الكحاحه بالتغليف بالفيكس والنوم تحت البطاطين إضافة إلى شرب زيت الزيتون صباحاعلى الخواء .

لكن الكحة ليست مرضا فقط ، فلها عدة أدوار فقد يقال “هيا كح ” أي هات الفلوس !! وكحيتهم !! أي عطيت الفلوس !!وزمان حين كان الليبيون يسكنون كل مجموعة عائلات في بيت واحد وكل عائلة لها حجرة واحدة يتعمد أي رجل من سكان هذا البيت أن ” يكح ” حين يكون في السقيفة حتى تنتبه النسوة وتشرع في تغطية رؤوسهن بالردي . وكل زوجة من النسوة اللواتي يعشن في ذلك البيت تعرف كحة زوجها الذي كان حين يريد ان يناديها يخجل من أن أن يذكر اسمها أمام جيرانه الذين يسكنون بقية الغرف فيكح كحتين فتترك زوجته مافي يدها وتركض نحوه ، أما إذا كانت الزوجه مصابه بثقل في السمع فيحناج زوجها حينئذ إلى الدخول في نوبة من السعال كي تنتبه الزوجة إلى النداء الملحاح وحينئذ يقول الجيران : حيه على جارنا الكحاحة شداته رغم أن الكحاحه كانت بريئه تماما واستخدمت قناعا لمواجهة مشكلة الخجل عند الآزواج الليبيين .

ومازال بعض الرجال في بعض المناطق الداخلية من البلاد يستخدمون “الكحة ” في الإعلان عن وجودهم أثناء دخولهم بيوت الآخرين ( في العادة يكون هؤلاء الرجال من العائلة أو القبيلة أو الجيران ) وقد ” يكح ” أحدهم أثناء حديث شخص ما ليسخر منه ، أو لينبه الحاضرين لأكاذيبه ، أو لينبهه ( إن كان صديقه أو مرافقا له ) بأن كذبته أكبر من أن تحتمل ، أو ليعترض على كلامه بطريقة صامته ، أوليقول له : نحن هنا !!

مقالات ذات علاقة

من مكة إلى هنا

أحمد الفيتوري

طحالب!..

أسماء الأسطى

فن الكتابة الملونة

محمد عقيلة العمامي

تعليق واحد

Salma 11 فبراير, 2012 at 09:07

رائع جدا المقال وفعلا الكحة عندها دور إجتماعي لايمكن تجاهله. علي فكره الطبيب يسأل المريض عن نوع الكحة لأن العلاج يفترض أنه يكون مختلف!

رد

اترك تعليق