شعر

عن العزلة وأشياء أخرى

العزلة

العزلة في صوت بائع ذرة يلاحق أحلامه الهاربة، في التفاتة صبية عند تقاطع طرق، في انزياح شال حرير من على رقبة عالية، في رفرفة اجنحة طائر خضير ينظر إلى الدنيا للمرة الأولى، في تلعثم ماء فوق صخور عطشى، في يقظة حلمة نفرت لتوها، في دخول شتاء ساحة العابدين، في برار لم تعد تحسب السنين، في ضجعة الشيخ باسما على قمة الجبل.

هكذا تجيء العزلة و تتدلّى الدهشة من خاصرة الكتاب.

كأنك تحدّق في الفراغ،

كأن الروح صارت بيتا للعناكب القرمزية،

وسادة لأفعى الجلجلة، و نار التنين المخاتل.

كبير القوم لم يتكلم،

كان يقلّب التراب بين إصبعين شاحبين

و نظرات عينيه تجوب واديك الذي خبأته عميقا.

الآن تصعد الشمس سجادة الوقت،

و أنت تسير مع نهر يكاد يغيب،

طائر أمام تنور مشتعل، من جناحيه تتساقط أحلام التين الناضج أرى وعلا بقرنين مذهبين يدحرج أمامه رؤاه

وزفرات الخائفين مطويات على ظهره. أرى حقلا ترتع فيه موجات بحر عاشق. أرى سكون النخل وقلق الفتنة الخائنة

أرى دنيا واقفة على ساقين في انتظار بخورها المقدس.

أرى ما لا ترون.

إذن هي الزلزلة على لام وميم

أم هو الألف ممددا على الصراط المستقيم

(امرأة بلا شهوة

فخمة ورداتها الحجرية

نهداها نهران مالحان

وجهها قساوة غامضة

وبطنها سهول و خيول وثيران

وفي حجرها ينام النهار أبيض كالشمس

أبيض كالشمس

كالشمس

أبيض)

عميق وغامض كالنقطة

يفكر بالاختباء!

“قالت السمكتان اللصيقتان بجنبيه”

هو في انتظار احتفال الخصب ونكاح المطر

هو بارع في التخفي، مسالم، عربيد، رقيق الهمس، سريع الخطو، مائل الرقبة، أشيب الحاجبين، ذليل بلا خوف، غائب

في شبق القرنفل ، ساكن ومتوتر كانزلاق ضحكة على الجليد

عميق وغامض كالنقطة.

هو

ما يتجلى في البرية

ساعة العتمة القاسية

لم تكن جلسة العقرب مبتغاه

ولا قراءة النقوش في السراديب الرطبة العفنة

و لا أن يمنح الساجدين ضحكاته الخافتة

فقط يريد النوم وحيدا في غرفته العالية

بلا أحلام

هكذا قال وهو يعبر الردهة سريعا

وراءه كلبه.

فرعون

ليكن تاجك الخشبي بثلاثة اهرامات

لكي توهب الحكمة والعدل و طول العمر

بهذا نصحتك الساحرات الجنوبيات

المطرقة القصيرة امسكها بيدك اليمنى ليستقيم

امرك و تخضع لك الرقاب

بهذا نصحك عجوز أعمى من أرض الكمأ المنثور

على صدرك علّق عناقيد عنب أسود ناضج وحول عنقك

قلادة من ذرة السنة الفائتة

بهذا نصحك حارس البوابة الشرقية المخلص

اصنعوا لي عرشي من أخشاب السرول، من غابات الأركان الأربعة، انقعوها طويلا بزيت الزيتون،

و لا تدقوا مسمار فيها أبدا، و أوقفوها أمام البحر أربعين ليلة وليكن عليها أربعون حارسا لا تمس أنفاسهم سطوحها أبدا وضمخوها بطمث أربعين عذراء و لا يخبر أحدكم أحدا

من العالمين

بهذا نَصحْتَ رجالَك في عامِ حكمك الأوّل

هروب و ضفائر حريرية

المرأة العارية في مرآة الصورة تقلب كآبتها،

تريد الخروج من العتمة و رتابة النغمة الواحدة .

تَهْربُ الكلمات التي في الرأس!

تهرب الحروف الصائتة و المتحركة،

تهرب الأحاسيس (اللعنة على الأحاسيس)،

تهرب المعاني من الصمت،

تهرب ظواهر الأشياء من أشيائها،

تهرب الفكرة و الفكرة الأخرى من جيب الحلاق ساعة القيلولة،

تهرب الأنفاس الكريهة من فم الجنرال العجوز و هو يقف خائفا، ذليلا وحيدا أمام البحر،

تهرب الأرض إلى حوار قديم في خزانة رطبة مظلمة،

تهرب السماء إلى ذاتها،

تهرب البنات الصغيرات إلى الشرفة الظليلة،

تهرب العجائز إلى القصيدة الشفاهية الطويلة.

الفارس لا يعطي ظهره للنهر

صيادو الشمس دخلوا غابة النسيان، لم يعرفوا

أن الوشاة وضعوا الفخاخ و غطوها بالطحالب و طحين الشعير المحمص. فتحتَ كتاب الطيرِ، قرأتَ:

مجّدْ اللحم الذي جئت منه فمنك تكثر الأسماء و تتباعد الأقدام و تحلّق القلوب على الأودية و الغابات

و الأنهار.

يأخذ بالأشياء إلى مستقرها فلا تهتز أوتار الكون

خذ بيده فلا تمشي قدماه

خذ بقدميه فيصيح لسانه بالعصيان

خذ بقلبه فيهدأ ليختار

خذ به فلا يعرف أوله من آخره ولا ضوء يرى و لا صوت يسمع و لا شهوة ترهقه.

هل هذا هو الموت؟!

أنت تسأل عن ماذا و أسألُ أنا عن كيف

يحدث ما يحدث

ولا يحدث ما لا يحدث

بسيطة هي الحياة حين تغلق عينيك

العين تكتم و لا تبوح إلا بما يفيض من المشهد

الرؤية حجاب الكلي

فمن يسأل العتمة عن دبيب الأرض؟

مراجعة الفارس لنفسه

تخافُ من فقد الروح، تخاف من عتمة الطريق،

تخاف من تحطم سلالم السماء،

تخاف من رفرفة في غير مكانها

و تخاف وقتا يأتي خارج الوقت !

ماذا يهم إن كنتَ النقطة أو كنتَ السابح في أطراف الكون؟

مثلما يتدحرج حجر على منحدر تتدحرج كلمات الناس، وتتقلب قلوبهم في البراري و المحيطات.

أرى كوكبي كبيرا يسير على قوسه في وقت معلوم

و أرى الشموس أزرارا في فستانها

في غياب الطريق لا يصل المسافر و إن وصل!

في وجود الطريق، يصل المسافر و إن لم يصل!

كل شيء يأتي و يمضي إلى شيء لا قبله شيء.

محنة الفارس قبل عبور النهر

على أركان تابوته تدور الكواكب و في الطريق إليه تسقط الأشجار ثمارها فرحا

من يخالف الصوت الغامض القادم من وراء الغيوم؟

من يقلّب صفحات الغيب على كفّ طفولة الكون؟

لماذا أغلقوا عينيّ و تركوني أسبح في نهر بلا ماء؟

لماذا أغلقوا باب بيتي و وضعوا الليل سريرا لي؟

قالوا: لا صواب إلا في كلمة واضحة

ولا وضوح إلا في خط مستقيم كالشعرة

لا تعبره إلا بعين القلب

لا تعبره إلا من نارٍ لا تترك شيئا حيّا

فهل لك من سبيل؟

مقالات ذات علاقة

ثــلاث حــالات

عاشور الطويبي

ساحر

محي الدين محجوب

أكاذيب

المشرف العام

اترك تعليق