حوارات

عنفوان فؤاد…نحن المكان الخطأ في جسد اللغة

الشاعرة والمترجمة الجزائرية “عنفوان فؤاد”

حاورها / مهنّد شريفة

تُلهم ذاتها على طريقة صوفيّ صدّق ألوهية الصخور فتُعكّر بالتبعيّة مِزاج الريح وهي تمضي دونما حذر، القلم بين الإبهام والسبّابة يتعرّض لعدوى قصيدها فلا يبرء حتى يرحل منكسرًا كما تخضع الأرض لأوامر الزلزال …
إنها عنفوان فؤاد شاعرة تضخ المعاني في حروف الكلِم ومترجمة تُطرّز المسافات على قياس مسام خارطتها.ومترجمة تدأب على نشر عدوى اللغة…تخوض عُباب الطيران بهمّة محارب وتلعق لذة سقوطها كطفل يلعب بجديّة مطلقة …إننا في أثناء اقتفائها لا ننجو غالبًا بقدر ما نُراقِص الغرق ونطئمن لحضوره كعنصر متحرك يطعن مخالب القسوة ويُربّت على أكتافنا …وتماهيًا مع العصافير وهي تحط على سطح بيتنا امتطينا بدورنا صهوة الحلم وجرعنا آخر ثمالة للنبيذ وفككنا أحجية الفنجان لنكون بين يديّ شاعرتنا فكان هذا الحوار .

هل تعتبرين الكتابة اضافة لكونها ملاذ أو بصقة لابد منها للتخلص من شي ما ؟ كجحيم يتلاطم في ذاتك وتودين الإفتكاك منه بالقلم والورقة ؟
الكتابة أن يخرج الكلام ببساطة،كما ينزل المخاط بذات البساطة الفارق الوحيد أنت، نزلة البرد الدائمة داخل هذه الدماغ ! عبثًا يبجثون عن إبرة جواب،لم تعد تخيط فم الأسئلة فالكتابة ملاذنا الأخير.


برأيك، لماذا نكتب الشِعر يا عنفوان؟
( هذه النون يا صديقي كبيرة عليّ،أما إن قصدت ( أ ) والتي تسند فعل يكتب: أكتب فثمّة فرق … أنا لا أفعل، لا أفتعل، هو من يكتبني.أنا أداة تترجم لغة الشِعر المشفّرة. أنا صوته اللامسموع إنّه كائن غير مرغوب به. أحاول التخفيف من وِحدته، من حِدّته هو أيضًا يقتات منّي عند جوعه.أنا لا أكتب الشِعر.كيف تجرؤ، هذه بحدّ ذاتها تهمة لا أملك حقّ الردّ ولا قيمة الغرامة ولا تكلفة الدفاع. أنا لا أكتب الشِعر فقط أؤجّل موعدًا ينتظرني عند ناصية الهاوية. أتملّص من الوقت. أتخلّص من دهون التفكير.ثمّة لعاب لعاب كثير لابد أن يخرج من أصابعي وإلا تعفّن عقلي الصغير.

ما الغايات التي تثير شهيّتك ؟
لا شيء مثير البتة ولا شيء يثير شهية الشِعر، الكتابة ليست فتاة نسعى لمواعدتها أو اغرائها ليست حيوانًا ننصب له فخاخنا كي يقع ضحية جشعنا، إنما المحرك الحقيقي للكتابة عندي هو الحزن هو اللا جدوى هو الإنسان المضطهد أخلاقيًا واجتماعيًا، ووصلنا لدرجة لم تعد تهمنا سكاكينهم ولا رصاصهم المغشوش ولا قنابل كلماتهم الفخاخ منصوبة في السماء في الأرض في القلب ارتقيت إلى منزلة الصفر، جميل أن تحمل مشاعر ميت أن تصبح جثة بأصابع ولسان ووجه، وجه من عجين يتشكل حسب حجم نفاقهم، نخبك أيها الزمن العالق بحذائك في خراء أورق، كما ترى يا صديقي إما أن تباغت أو تُباغت. مع اللغة والفراغcache cacheلعبة.
مستوحشة كذئبة عضها قمر/ تتكور على شُبهة الليل/ فينسلخ منها النهار/ تاركًا جِلدة الضوء تحت منيّ متفسّخة/ ما أكتبه الآن طازج كعفن حرّكته دودة المعنى.

كيف تطالين الزمن بقبضة يد فارغة ؟
الزمن، الزمن، الزمن…هذه اللّحظة التي تجمعنا الآن أنت وأنا ماذا تعتقدها أو ماهو تصورك عنها ؟ حسنًا سأخبرك، اللحظة قشرة الزمن لا غير فكيف لنا الحصول على النواة ؟ علينا التفرقة بين زمن الكتابة وزمن الحياة التي نحياها الزمن المتداول بين الناس غير المتداول داخل الواحد منا مثلاً الزمن داخل القصيدة بفتك بعظام الوقت هكذا أجده، لهذا يكون الشاعر بشكل خاص متوتر، قلق، يودّ التنفس بشكل صحيح
ولا يكون ذلكَ إلا بانتهائه من النص العالق في حنجرة دماغ وعن نفسي أعيش خلال الزمن لا قبله ولا بعده ولا من أجله، هي اللحظة بكيانها مكنونها مكوكها بمفاصلها وفواصلها أقتحمها كما تقتحمني غير مبالية، وأقول فليكن ما يكون ألا ترى يا صديقي أن الزمن يتقلّص ويتمدّد حسب مواقيت لا يدركها إلا الضليع في رياضايات العدم!؟ إن النهوض من السرير بحدّ ذاته معجزة،فلا يتوقف المنبّه البيولوجي عن إزعاج عضوك الحميم، النهار ينسكب من طاسة الرب فيفيض بالنور ورغوة ما، وكنت ترجمت من قبل هذا المقطع للشاعر الأرجنتيني “خورخي بورخيس” الذي يصب في نهر عطشك، (الزمن مادة منها أنا صُنعت/ الزمن نهر يحملني بعيدًا لكني أنا النهر/الزمن نمر يفترسني لكني أنا النمر/ الزمن نار تأكلني لكني أنا النار).إذن لولانا، الـنحن، لفقد الزمن قيمته، خاصيته، جوهره،لأصبح سائلاً أو اتخذ شكلاً آخر غير الذي تعارفنا عليه.

متى استشعرت بالدود وهو يقشعرّ تحت جلدك ؟
الدود ذلك الكائن الرهيب الذي ينخر الحياة حد العظم، يتكاثر بشكل مريب يظهر لأيام فقط يؤدي مهمته بمهارة حفّار قبور ثم يمضي إلى تصريف مهام العدم، إن دود الشِعر يتكاثر داخل أعيننا وتحت ألسننا ورغم هذا نحن المكان الخطأ في جسد اللغة لهذا كنت أختصر يومياتي في كمشة أسطر كي أجعل المتلقي يقرأ مابين الأسطر، ليتسرب إليه دود الكآبة الذي يتمشى فيما بعد تحت جلد جمجمته…ثمة خطبٌ بي/ صرتُ أنام أنام كأي أحد كأي شيء/ أنا وأدور في رأس الحلم كذبابة تزعج عين جثة فلا تنام وتراني أيضًا / جثة تركض بلا جدوى في طاولة الوجود الذائبة.

هل لأن للقبلة تاريخ منبوذ تُعلّقينها في رقبة القصائد ؟
من قال بأن للقبلة تاريخ منبوذ؟ القبل الخالدة تروي عكس ذلكَ،وقد احتوت كتب الأدب الهندي والهندوسي القديم فصولاً كاملة عن التقبيل كما أظهر ذلكَ “كاماسوترا” وهو أقدم نص هندوسي. لدينا كذلك قُبلة يهوذا التي نصّ عليها إنجيل “ماثيو ومارك” إذ يخون يهوذا المسيح بقُبلة حتى يتمكن المسلحون من التعرف عليه، وتسليمه للرومان الذين صلبوه. أصبحت بذلك قُبلة يهوذا بمثابة رواية شعبية لسرد القصص. ومن ضمن أشهر القُبلات تلك القُبلة التي عاندت الزمن، حيثُ جعلت من الحبيبين يتحدان في أبدية القُبلة للنحات الفرنسي “رودان”. كذلكَ قُبلة النمساوي “كليمت” المطعمة بالذهب والفضة، لكن هذا لا يعني أن القُبلة دائمًا سفير محبة، أو كما وصفتها من قبل، فاصلة بين جسدين، وأكبر مثال على ذلكَ قُبلة “كيلوبترا” أما التمائم يا مهند فتركناها لغير المقبلّين، والأحلام مثل جِلد تميمة لهذا نتقن إحكامها ودسّها في أماكن بعيدة تلك اللصيقة بجِلد الروح القبلة نحات ضرير من ملامح اللّحظة. البركان الضئيل يحاصر تلك الجزيرة في أقاصي أناي أسميتها الوِحدة. هذه الشفاه المتقدة، المتوهجة، المبللة، المتشققة، الصاخبة، الصامتة، الحارسة، الشاهدة، الكاتبة، المرتلة، والمتمتمة بدواوين التقبيل..نحن نملك يدين، قدمين رأس، قلب، وعقل. هل تعتقد أن هذا كافٍ لتحتضن الحياة، لتتبع صوت فرح ضئيل، لتومئ لعطر زهرة، لتغلق عينيك على وجه من تحبّ، ليرتعش قلبك لقصيدة…
هو الفم بوابة البدء بوابة النهاية،
“أيها الفم، إنك فوهة الجحيم.”
القُبْلَة في الأصل فراشة،
وإلا ما تفسير ذاك الاحتراق
عند تبخر العناق من تحت العناق

في نصك غضب خفي أو متوارٍ خلف ستائر وأزقة الشبق ؟
ومن منّا بلا غضب !
لكن ثمّة فرق بين غضب وغضب. ليس الشديد من يملك نفسه ساعة الغضب فحسب،
إنما الشديد ذلك الذي يملك نفسه ساعة الكتابة.
فما يتملكنا لحظتها من توتر، قلق، وغليان علينا إعادة صياغته لينتقل من حديّة المعنى إلى خفّة الكلمة..
علينا تجهيز الكلمات في معمل الدماغ ثم تقديمها كما يجب.
فَلْيَرضَ عنا الشِعر أولاً
قبل أن تتمكن منا كيمياء الكلام
فتدفعنا للمحو.
الكتابة الإيروتيكية، ليست فورة شبق، أو زنا كلمات،هي أسمى وأبعد من مفهومها المدنّس داخل دماغ المرء. فالحبّ في جوهره فوضى و قلبٌ لمعايير المجتمع. مهما حاولنا تدجينه عبر قدسية الزّواج وترويضه بسياط العائلة. تبقى غاية الإيروتيكا أسمى من مدلولها اللفظي، كونها تسعى لحماية المجتمع من عنف الجنس الإيروتيكا هي تلك الكتابة الحريرية التي تلمع في كل الأحوال، ناعمة المنظر والملمس، إلا أنها لا تتحمّل خشونة الأيدي، سريعة التلف تحت وطأة الشدّ هي الطّاقة الحيوية المتجدّدة للقول الشِعري الذي يبقى في أي سجلّ من سجلاّت القول والفهم.
النار اختارت الدخّان لتعبّر عن لوعتها،إذن النار في حالة شبقٍ متواصل كما وصفها باث: “الشِعر إيروتيكا لفظية، والإيروتيكا شِعر جسدي”
ولنتخذ على سبيل المثال أندريه بروتون الذي دافع عن الحبّ، وهذا أحد الأسباب التي تفصل بشدّة بين السريالية والحركات الفنية اللاحقة. كون السريالية كانت الحركة الفنية الوحيدة التي وضعت فكرة الحبّ في مركز الحياة الإنسانية.

إذا حدّقتِ نحو السماء مَن منكما يمطر أولاً ؟
لا تستثمر الكلمة في رصيد الاِنطفاء عليك الاِنتظار فحسبْ فكلّما عبرت المشهد وقعت في ذات الدهشة مثل غَيمةٍ عالقة في فمِ المطر
والسماء قامتها أقصر..عند الأطفال والشاعرات الحزينات، كنت قد كتبتُ نصًا بعنوان “أدسّ السماء بين فخذيّ”، حتّى ألغي المسافة الروحية والكونية والمكانية بيني وبين السماء. أرأيت، هذا ما تفعله الكتابة، تعمل على حصر المسافات اللامحسوبة، تشتغل على تبديل العوالم، إعادة توزيع إحداثيات الأمكنة حسب خارطة الخيال ومناخ الكلمة، إلغاء الزمن من ساعة المجاز. تقريب البعيد وإبعاد المقرب، وضع قبعة شمس على رأس ظل وهكذا…
هندسة الماء
من أعمدة النشوة،
لا نسقط مرتين
من برج القبلة ذاتها.
أدسّ السماء
بين فخذي
تسقط النجوم
كشامات مؤقتة
ألفظ اسمك
مرتين
يطلع بدرا أحمر…
كثيراً ما أتخيل الغيمة طفلة خرجت من البيت قالت لأمها: سألعب بالجوار فشدّها الفضول من يديها وتمادت في اللحاق به.مرّ الوقت سريعًا، لم تنتبه إلى المسافة الفاصلة بينها وبين بيتها فلم تجد سوى البكاء للتعبير عن خوفها، للنداء على أمها أو الصراخ ببحّة مبلّلة. لا يتذكر النهر طريقه فيبكي هو الآخر ويقول: لا أذكر متى زارتني الغيمة الطفلة ولكنني عندما كنتُ صغيراً كثيراً ما دغدغتني بقدميها الصغيرتين ورمت حجارة تلو الحجارة معتقدة أنّني سأجعل منها سمكات فبكتْ طويلاً على سمكاتها الحجرية.


ألأن أنفاسك تشبه الله دنوتِ من الجنة ؟
رفضتُ أن أُشبهني فكيف سأرضى بأن أشبه الله؟ ما أفكّر به الآن هو تبديل هذه الرئة إلى رئة إصطناعية قابلة للتجديد. أو واحدة تصلح للاستعمالين تحت وفوق الماء فهذه عامرة بطحالب ميّتة. تنتظر معجزة كأن تتفتّح زهرة لوتس وسط هذا الغبار اﻷسود
من سيتكفّل بتوزيع الكلام من مستودع التفكير!؟
وها أنا أفسد قلبي بالأسئلة
كما يفعل الدود بحبة القطن.
ستأتي الريح وتُبعثر الأوراق وتُصلح النار ما أفسدته الكتابة.
لا أحب الكمال، لأنّه زيف الحقيقة. وهذا الجسد الذي يأكل ولا يتوقف سيتعطّل يومًا ما ويُأكل. سيكون وجبة دسمة لدودة، غراب أو معدة النار…
أودع أنفاسي في مصرف الشِعر ربما سيتذكرني من يجهل شكلي حتّى. فالصوت بدوره موسيقى تحتجز نوتات قاسية وأخرى نشاز. انكسار نبرة صوت لحزن ما أو حنين قاتل يُعتبر كذلكَ يُطوى الجسد كقميص ويُوضع في درج سريٍّ بخزانة العدم. أما الروح فتنصرف إلى مهام أخرى كتبديل عوالم الشكّ باليقين، الحضور بالغياب، الحلم باليقظة…كل منا جنة بفم جحيم، وجحيم بفم جنة عليك أن تكون مايسترو الصمت، أو (EbE) عصرك كي تتعايش مع أناك أولاً ثم مع الآخر وأناه.الحب وحش كفيف هي حيلة أن تتعايش القسوة بالضعف. وما أسهل دخول جحيم الجنة باسم اليأس .

احذر
من زهرة الحب
سيكلفك العطر ما تبقى منك
ثم
يحملك إلى الذبول
فتتفتح
براعم اللاشيء.

مقالات ذات علاقة

الروائية الليبية عائشة إبراهيم للعمق: احتميت بالكتابة ضد أصوات القذائف واهتزاز الجدران

المشرف العام

الشاعر الليبي ” علي الرحيبي” : لفسانيا … الفن للفن ..منتوج زائف يكرس ثقافة الرأسمال المتوحش

المشرف العام

نجوى بن شتوان لـ”ليبيا المستقبل”: رغم الإنقسام.. المشهد الثقافي الليبي بقي حيا ونابضا

المشرف العام

اترك تعليق