المقالة

عندما يحكم المثقف

 

دعونا نتخيل وصول أحد المثقفين إلى الحكم!!!، وأعني بالمثقف هنا، وبشكل خاص، المثقف الممارس للعمل الثقافي من خلال أحد أشكال الإبداع، وإمعاناً في التخيل، ماذا لو كان هذا المثقف روائياً.

نعم، روائي يحكم البلاد!!!، وليس المقصود ليبيا، بقدر ما هي محاولة للتخيل!!!.

أعتقد إن الأمر لن يكون سهلاً، فستأخذنا لحظة تفكير، نحاول خلالها أن نبحث فيها عن مرجعية، للبدء في ممارسة عملية التخيل، كون عقولنا لن تسعفنا مباشرة بمفتاح الدخول لهذه الرحلة، فهل سمعتم مرة؛ بروائي يحكم؟

-لا!!!

لقد جربت عقولنا بعض الأنظمة، فهي إن لم تعشها، فقد كونت خبرة مما يصلها من معلومات، لأن أول ما سيحاوله الجزء المسئول عن التخيل في أدمغتنا، محاولة تصنيف هذا الحاكم؛ سياسياً وعقائدياً، حتى يمكنه توفير ما يحتاج من أدوات لرسم الصورة التي سيتم تنصيبها للقيام بهذا الدور، على خشبة مسرح الخيال.

مع المثقف، أو الروائي الذي اخترنا، سيكون الأمر مختلف، لماذا؟

لأن المثقف الروائي شخص بعيد عن اللعبة السياسية، ولا يتقنها، ولا ينجرف بسهولة في تيارها، لعلمه بقدرتها على تسخيره لتسويق شعاراتها والهتاف باسمها. وهو بذا يسخر إبداعه، يخسر ذاته.

لسبب ما عندما بدأت عملية التخيل هذه، قفزت صورة “نجيب محفوظ” إلى المنصة مبتسماً، وهو يدعو أبناء الوطن للعمل والبناء، وتأكيده الحفاظ على قوة ترابطه الاجتماعي، والاعتزاز بالإرث الثقافي له، لازالت جملته ترن:

– لو سبنا بعضينا نتوه.

ثم داهمتني صورة “حنا مينا” في مقهى قريب من شاطئ البحر، بلا حرس، يسامر الصيادين، ويبتسم وهم يخبرونه عن قصصهم، ثم يقف، ويحتضن الريس الكبير، الذي التحق بالجلسة متأخراً، وهو مازال يعبق بملح البحر.

ركزت لكن، باباً آخر فتح، لأرى “ميلان كونديرا” يسير وحيداً في الشارع، محاولاً البحث عن حلٍ لأزمة ما، ورغم اقتراحات الوزراء، أصر على أنه يمكنه حل المسألة لو ترك لرجليه الفرصة لأن تجوبان الشوارع حتى الصباح.

اللعبة أعجبتني، خاصة وإني لم أخطط لها مسبقاً، إنما أغمض عيني، وأتنفس بهدوء، تاركاً لدماغي الحرية في التخيل والتخييل كما يشاء.

ويبدو إن دماغي ديمقراطياً، لينصب “إيزابيل إليندي” حاكماً بصلاحيات مطلقة، فتعلن إنه لا مقر ثابت للحكم، وأن على الحكومة أن تتوزع في البلاد، وأنها ستقيم كل مرة في مدينة، أو قرية، أو بلدة.

“أليف شافاق” كانت مختلفة، فقد كان أولى قراراتها، إعادة تسمية الشوارع، والمراكز، والأحياء، والمؤسسات، وقالت في خطابها الرئاسي الأول: على الشعب أن يمارس اليوجا، ساعة كل صباح، وأن يذهب للنوم باكراً.

“صالح السنوسي” أعاد رسم العلاقات بين الدولة والمواطن، كلها علاقات ثنائية قصيرة، أما أغرب قراراته فكان إلزامه الوزراء بحفظ سيرة بني هلال، وحجب الجراية عن القضاء، مقابل تلبية حاجاتهم، واحتياجاتهم.

يبدو إن دماغي قد شطح، لذا لن أخبركم كيف تخيل؛ ماركيز، وكوهيلو، هيمنجواي، وحيدر، أو كيف قلب “دان براون” البلاد رأساً على عقب، أو كيف حولت “جي.كي.رولينغ” العالم كله إلى ميدان للعب.

قد تكون الصورة التي رسمها دماغي، للمثقف الروائي مثالية بعض الشيء، أو بشكلٍ كبير، وربما لعلمي إن المثقف، المبدع، شخص يعيش لنصه ولقارئه، وهي الصورة التي أراها أقرب للمثالية، والتي تجعل منه شخصاً بعيداً عن مكائد السياسة وألعابها الخبيثة.

في ظني إن المثقف، أبعد ما يكون عن السياسة، لأنه يبحث عن حريته ليمارس إبداعه، وينطلق، والمناصب ستجعل منه شخصاً مقيد إلى ضوابط، وبروتوكولات، تحدد حركاته، وتحصيها عليه، وتصبه في قالب الشخصية المفترض لها أن يكونها؛ حيث الحسابات تختلف، والتجربة أيضاً.

وخارج قائمة الاستثناء، لم أسمع عن مثقف، يمارس الإبداع، نجح في إدارة منصب سياسي أو قيادي، وظل محافظاً على تألقه كمبدع، إذ لابد أن يخسر، إحداهما، وفي الغالب، سيجبر على خسران إبداعه.

الآن، أكرر دعوتي لممارسة هذه اللعبة، والتخيل، لكن هذه المرة، أن يكون المتخيل، شاعراً!!!، وماذا لو كان الشاعر “أمل دنقل”، كيف تراه يحكم؟.

مقالات ذات علاقة

طبيعة السجن كمكان

عمر الككلي

عبقري الموسيقى الليبية يوسف العالم… وداعا

أحمد إبراهيم الفقيه

أين ليبيا التي عرفت؟ (28)

المشرف العام

اترك تعليق