المقالة

عندما حنطنا الملك الصالح

عشية عطلة نهاية اسبوع لندنية، غائمة، ضبابية، ممطرة، فرضت البقاء في مقر اقامتنا. كنت رفقة صديقي مفتاح سعد الفرجاني، عندما زاره صديقاه المرحوم يوسف الهدار، والمرحوم رشاد الهوني، وكان المرحوم الصالحين الهوني معهما. فقد كانا يؤسسا صحيفة العرب، التي كانت أول الصحف العربية التي صدرت من اوربا، وتحديدا بعدما أمم القذافي صحيفة الحقيقة الشهيرة. الصالحين الهوني كان يشغل منصب وزير الإعلام في حكومة المرحوم عبد الحميد البكوش، التي اطاح بها نظام القذافي سنة 1969م. في تلك الفترة بانت نوايا النظام الجديد التدميرية، واتضح للناس غي القذافي وتسلطه. وقد انزوى الصالحين الهوني مستلقيا على كنبة غير بعيدة منا يشاهد التلفزيون، مبتعدا على نقاشنا حول وضع ليبيا الذي كان لا يبشر بخير. ولا أدري كيف تطرق أحد الحاضرين إلى إشاعة انتشرت قبيل سقوط النظام الملكي مفادها أن الملك إدريس، رحمه الله، متوفى وأنه محنط، حتى يتولى الشلحي السلطة. فما كان من السيد الصالحين إلاّ نهض وقال لنا: “أهو جاكم واحد مش محنط ! هيا ورونا ايش تبو اديروا؟” ضحكنا، وانقشعت غمة النقاش، وأخذنا نفكر في الخروج. تذكرت ذلك عندما تبسم الدكتور على عتيقه، وهو يحكي لي عن الليلة التي جاء بها جنود القذافي بالمرحوم الصالحين الهوني إلى حيث سُجن بقية الوزراء الذين سبقوه، وكان الدكتور عتيقه احدهم. قال: ” كان مجلس الوزراء قد قرر تشييد مبني للإذاعة والتلفزيون، وكلف الصالحين الهوني، باعتباره وزيرا للإعلام، بتنفيذ خرائط ذلك المبني. جاءنا بعد فترة بالخرائط والرسومات، فكانت مجرد قلعة حصينة! كنت أول المعترضين عليها، مؤكدا له أن المجلس يتطلع إلى مبنى حضاري حديث، بتصميم اسلامي اندلسي مثلا، يتناسب ومهمة الإعلام، فأجابني: الحكمة هي حاجتنا لهذا التصميم، لأن ما تقترحه بمقدور 50 عسكري احتلاله وإعلان ثورة والاستيلاء على البلاد.. أما هذا المبني يصعب على الاسكندر الأكبر اقتحامه! ” وما أن استقر المرحوم الصالحين، وارتاح والتقت عيناي بعينيه، حتى اتسعت ابتسامته وقال لي: “لو انكم وافقتم على مبني الإذاعة الذي اقترحته عليكم لما استطاع العسكر الوصول إلى الميكرفون!.. وقد انتبهت أن بعض الوزراء هزوا رؤوسهم متحسرين!”. اليوم مررت من أمام مبني التلفزيون بشارع النصر بطرابلس وتبسمت، وانا اراقب الفوهات المعدة لإطلاق الرصاص منها! فلقد نفذ القذافي خرائط الصالحين الهوني كما هي، وظل المبني عصيا على دخول غير المرغوب في دخولهم!! ولم يقتحم إلاّ بعد سقوط باب العزيزية! رحم الله الصالحين الهوني، فالذين يعرفونه يتذكرون له نوادر عديدة.

مقالات ذات علاقة

فن القصة و آليات الكتابة

نورالدين الورفلي

الـقـــنـصـل

مفتاح العماري

أين ليبيا التي عرفت؟ (4)

المشرف العام

اترك تعليق