من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
قصة

عمران

إلى روح عمران فرج

أحداث هذه القصة مأخوذة من شهادات شفهية لأشخاص مختلفين، في أوقات مختلفة.

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

 

اليوم بتاريخ 22 / 5 / 2017 اصطف جنود في صف مهيب مكون من ست، وأدوا التحية العسكرية المتعارف عليها عند دفن جندي توفي أثناء تأديته الواجب، بإطلاق أعيرة نارية في الهواء. صف مهيب استمد مهابته من الضابط الذي تم دفنه قبل لحظات، الضابط عمران ورفاقه.

في نهاية شهر أغسطس من العام 2011، وصلت أفواج المقاتلين المناصرين لثورة فبراير إلى بلدتنا الغريفة لتحريرها من الطاغية حسب رأيهم. وجدلية أنَّ ما حدث ثورة من عدمها، وأنَّ من ناصبوها العداء هم خدمٌ بلا ضمير للطاغية، لن أتناوله هنا، فغرضي مما أكتب هو رواية ذكرياتي عن بطل هو عمران

يومها قام أنصار الثورة في بلدتنا بالتبليغ عن المناهضين لها، ومن شكَّلوا خطرا عليها.. ومن ضمن من تم التبليغ عنهم عمران بصفته ضابطا مهما وقريبا من عائلة الطاغية. واصطفوا أمام منزله لمشاهدة عرض توقعوه وخشيناه، يهان فيه، وربما يقاد في أغلال إلى أحد المعتقلات.

أصابتهم خيبة مما حدث، وأدركت يومها أنني أمام رجل من طينة الرجال الحقيقيين، ذلك النوع من الرجال الذين يحترمهم القدر.

ما حدث، أنَّ عمران عندما خرج وجد بين المقاتلين القادمين بهدف تحرير البلدة، جنودا عملوا تحت إمرته عندما كان آمرا. ما إن رأوه حتى حيَّوه بإجلال وتقدير مخاطبين إياه بسيدي، وطلبوا منه وهم داخل منزله أن يسلمهم بندقية، لكي يقوموا بتسوية وضعه، وإقفال ملف إدانته.

لم يُهن، ولم يتعرض له أحد بسوء، ولم يترك منزله. في حين أنَّ كثيرين غيره أهينوا أو سجنوا، أو اضطروا لمغادرة البلاد حفاظا على أنفسهم وعائلاتهم من التشفي والتنكيل

ومما أذكره في ذلك اليوم أيضا مؤذن القرية، رجل من الطيبين أصحاب النوايا الصافية، صوفيًا يحب حلقات الذكر، كحب الطير للسماء والنسيم. يومها بقي الرجل مبتسما وهو يقف بين المصطفين أمام منزل عمران.

ظننت حينها أنه من الشامتين فيما سيصيب الرجل، وشعرت بحيرة وغضب، أيعقل أن يكون في قلبه غل، وهو الذي لم يجرح قلبا في حياته ولو بكلمة، ولم يرجع يوما من المسجد إلى بيته، إلا وقد انحنى عشرات المرات ملتقطا لكل حجر قد يؤذي حركة المرور، أو زجاجة مرمية في الطريق ووضعها في سلال القمامة.

 نظر باتجاهي فزادت ابتسامته، كأنه خمن حيرتي، فاتجه ناحيتي وقال لي، ربما أنت في حيرة لما ابتسم، إنني ابتسم لما سيحدث. وكانت كلماته سبقت خروج عمران بلحظات.

ما إن دخل عمران إلى بيته برفقة المقاتلين قال لي، بُني إننا أمام رجل يحترمه القدر. وابتسم مجددا، ومن ثم غادر.

مرت الأيام، وحدث ما يحدث عادة عند غياب قوة أمنية وطنية تعمل على حفظ القانون وأمن الناس، في شعب بين طياته العديد من المجرمين والفاسدين، من ظلم وفساد واغتصاب للأموال والممتلكات وحتى الأعراض. وعند أول بارقة أمل وسط مستنقع الظلمات الذي كنا نعيش خلاله كمجتمع، وقف على قدمين تعرفان طريق العمل الجاد وبدأ المسير.

لشهور طويلة عمل وساهم في تنظيم الصفوف، وإنشاء وتشكيل قوة نظامية حقيقية، تلملم ما تناثر وتسترد ما أغتصب.

بالتأكيد سيقول بعض ممن يقرأون، أو على الأقل هذا ما سأقوله أنا كقارئ، ما هذا الواقع المزرى المتخلف الذي يعيشه هؤلاء الناس في هذا البلد. قوة نظامية حقيقية، تلملم ما تناثر وتسترد ما أُغتصب، في عصر تجاوزت كل الأمم الحضارية مثل هذه الأمور.. ولكن الواقع الذي نعيشه أسوأ بكثير من هذه الكلمات، سيء للدرجة التي تجعلنا نحتاج قوة نظامية حقيقية تدرأ شر جموع المجرمين عن الناس، أكثر من حاجتنا لأي شيء آخر. سيء للدرجة التي جعلت العديد من الناس يفقدون عقولهم.

تشكَّلت القوة وتبلورت للحد الذي أصبحت فيه تمثل مشكلة وتهديدا للمجموعات المسلحة الأقرب ما تكون لعصابات منظمة، وكيانا يستريح تحت ظله المتعبون، أو على الأقل هذا ما خيل لنا حينها.

وفي يوم أسود، كنا نرتاح خلاله في معسكرنا بعد أن عقدنا هدنة مع إحدى المجموعات المسلحة التي كنا نقاتلها ونفاوضها للخروج وتسليم معسكرها للجيش، ومعظم رفاقنا كانوا في يوم عطلة.. هجمت علينا هذه المجموعة المسلحة في غفلة منا وفي نقض وغدر للعهد، وقتلت العشرات منا، حتى وصل عدد المغدورين ما يناهز المئة والأربعين.

يومها هجموا علينا من عدة جهات، وبكثافة نارية عالية. كل من وجدوه أمامهم وصلته نيرانهم.

وصل الأمر لأن أردو رجلا جاء فزِعا عند سماعه لأصوات الأعيرة النارية المختلفة بحثا عن ابنه قتيلا بالقرب من معسكرنا.

وتحت الهجوم المفاجئ ونحن عزل في العنبر الذي كنت فيه حينها أنا وبعض من رفاقي، وأمام الكثافة النارية العالية، لم يكن أمامنا إلا محاولة النجاة ومغادرة المكان بسرعة.

 وفي طريقنا ونحن نهرع للمغادرة، طلبنا من الضابط عمران ركوب السيارة معنا، ولكنه أبى ذلك.. بل وقف وفي يده بندقيته يرد عليهم النيران ويطلب منا أن نبتعد بسرعة. انطلقت السيارة وعيوني معلقة عليه، يطلق النار ويطلب من العُزَّل الآخرين الذهاب بسرعة قبل أن تصلنا نيرانهم

خرجت. وفي اليوم التالي وصلتنا الأنباء من رفيق آخر حالفه الحظ بالنجاة، بأنَّ عمران ظل يرد النيران ويؤمَّن هو ومن معه خروج الشباب الصغير الذين كانوا عزلا ولم تكن لهم خبرة بالمعارك، حتى سقط قتيلا.

بالتأكيد أصابنا الكبد جراء موته هو الرفاق، ولكن ما ظل يشغلني، لماذا لم يقبل أن يغادر وهو الأحق بذلك بحكم رتبته وسنه، ولماذا جازف بالموت وحياته كانت ستنفعنا أكثر بكثير، وهو يعلم ذلك أكثر منا.

وصل بي تفكيري إلى العديد من التخمينات، ولكن أي منها لم يرح فؤادي ويستكن له. حتى قابلت الرجل الطيب الذي أخبرتكم عنه قبلا، وأفضت له بما يشغلني. فأجابني بأنَّ عمران لم يغادر في ذلك اليوم لأنه لن يستطيع أن تلتقي عيناه بعيون الأمهات اللواتي توفي أبناءهم وهي تحمل الملامة والحزن.

كانت أمامه ثواني قليلة للاختيار، وأختار أن ينقذ من يستطيع انقاذه منهم، وأن يموت مدافعا وباحثا عن أمن فقدته الناس.

مقالات ذات علاقة

مـاكياطة بالزعـتر

محمد العنيزي

شفافية

أحمد يوسف عقيلة

حُلم

المشرف العام

2 تعليقان

محمد إبراهيم الهاشمي 27 سبتمبر, 2017 at 10:19 ص

مساء الخير
طلب إلى المشرف العام
الرجاء تعديل الاسم إلى محمد إبراهيم الهاشمي ، فهو الاسم الذي أريد أن تمشر به أعمالي

مع كل المحبة والتقدير

رد
المشرف العام 27 سبتمبر, 2017 at 3:50 م

السلام عليكم
وصلنا النص بدون اسم.
لذا اعتمنا على اسم صاحب الرسالة كما ورد.
تحياتي.

رد

اترك تعليق