الفنان علي ماهر
متابعات

علي ماهر.. قصة نجاح

هذه طرابلس التي نحب طرابلس التي نريد وهي تستعيد عافيتها وتستحضر يوم من أيام مجدها طرابلس الفرح طرابلس الجمال، يوم الرابع والعشرون من الشهر الجاري يعد يوماً استثنائيا في ذاكرة طرابلس المكتظة بكل ما هو جميل ورائع، ولا حق لهذا اليوم لكي لا يكون استثنائياً وقد تم في مساءه الأحتفاء بإحدى القامات السامقة التي أثرت الموسيقى الليبية وتركت في تاريخها بصمة واضحة، نقول قامة سامقة ونقصد الموسيقار علي ماهر الذي تم تكريمه من قِبل مُحبيه ومن قِبل طرابلس التي بادلته حبلً بحب وعطاءً بعطاء.

الموعد كان مساء الرابع والعشرون حيث انطلق حفل التكريم بعد أن اكتظ الفناء المفتوح وشرفات الدور الثاني بدار نويجي بالجمهور المُحب للموسيقى المُحب للفن المُحب للتراث الأصيل، كلمة حق كانت يجب أن تُقال فيما يخص مُنجز الموسيقار علي ماهر من قِبل المختصين في هذا المجال، ولهذا تم الأتفاق على أن يقدم كلُ من الناقد الموسيقي مفتاح الفرجاني والباحث في المجال الموسيقيِّ أحمد عزيز أوراق نقدية، وبعد كلمة الأفتتاح المقتضبة التي توجه بها أصدقاء دار حسن الفقيه حسن الذين قاموا بتنظيم هذا المنشط بمساندة من بعض الجهات والأشخاص المؤمنين بجدوى الثقافة، عقب هذه الكلمة التي جاءت على لسان الأستاذ ابراهيم حميدان والتي شكر فيها الحضور والفنان المُحتفى به وكل المتعاونين قدَّمَ الأستاذ مفتاح الفرجاني ورقته التي استعرض فيها بأختصار غير مُخل – مراعاة لضيق الوقت وكثافة البرنامج – استعرض تاريخ الموسيقى في ليبيا الحديثة والذي بدأ مع بعض الشخصيات التي حدد أسمائها أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى جيل الفنان على ماهر ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وبيِّنَ بعض العوامل التي أسهمت في رسم ملامح المشهد الموسيقي والغنائي في ليبيا الذي ارتبط في بداياته بالفرق الصوفية والزوايا وغيره من العوامل. وفي سرد سريع تطرق الباحث إلى الفرق الموسيقية التي تأسست في ليبيا وأكثرها بطرابلس قبل أن يتناول بعضاً من سيرة الفنان علي ماهر وألحانه المختلفة التي رفًدً بها المشهد الموسيقي الليبي.

أحمد عزيز صاحب الورقة الثانية ركَّزَ من جانبه على تجربة علي ماهر بعد كلمة احتفائية وجدانية اعترفت لعلي ماهر بدوره في إثراء الوجدان الليبي وإغناء الذائقة السمعية الجمعية لليبيين بألحانه المتميزة الني اجترحها لتكتسب صفة الخلود والرُقي أتبعها بِجُمل تعريفية بالفنان الذي عرفنا عنهُ أنه مارس الفن التشكيلي ومثلما داعبت أنامله الأوتار داعبت الريشة والألوان، وعرفنا عنه أنه تقلد أدواراً مسرحية ثم تحدت عن علي ماهر الذي يمتلك ذائقة شعرية خوَّلتهُ انتقاء القصائد الجميلة ليقوم بتلحينها مُذكِراً بأن علي ماهر لا يلتفت إلى الأسماء عند اختياره للنصوص المراد تلحينها بقدر ما يهتم  بمضمون القصائد وقابليتها للتلبس بالموسيقى وتقمص الألحان المقترحة، والفنان يعول كثيراً على ذائقته في هذا الشأن ونوَّه الباحث إلى بعض مظاهر التجديد في الموسيقى الليبية التي أضافها علي ماهر مثل تطويع بعض الآلات الموسيقية الإيقاعية كالقيثار والساكسفون لألحانه وأسبغ عليها مسحة ليبية خالصة.

وبحسب الباحث فإن الفنان مر بثلاث مراحل أو محطات مهمة في سيرته المهنية بدأت الأولى مع الفنان الراحل محمود كريم وأسفرت عن مجموعة من الروائع مثل بلد الطيوب وأقبل الصبح، وقادهُ السياق هنا إلى الحديث عن أغنية بلد الطيوب الشهيرة التي بعد أن قام الفنان بتلحينها فكَّرَ في إسنادها إلى الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط إلا أنهٌ وبعد تدقيق في المسألة تراجع عن هذا القرار بسبب أن الأغنية تتحدث عن الوطن وعن ليبيا وبالتالي لا يجوز أن يُغنيها مطرب غير ليبي وسرعان ما تم اختيار المطرب محمود كريم وكان الأختيار موفقاً إلى حد بعيد.

أما المرحلة الثانية بحسب تصنيف الباحث فهي تلك التي تعاون فيها الموسيقار مع الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط وأنتجت أعمالاً مثل غني لي الليلة، وكان لهذا التعاون صدىً في مشرق الوطن العربي ومغربه والتفات إلى خصوصية موسيقية وحساسية جديدة أخذت طريقها وبرزت على يد علي ماهر في ليبيا.

أما المرحلة الثالثة من وجهة نظر الباحث فهي تلك التي تتعلق بتعاون علي ماهر مع علي ماهر أي الأغاني التي أداها بصوته الذي رأى أنهُ قادر على أداء الألحان بمهارة بالأتكاء على الإمكانات التي ينطوي عليها والمساحات الني يمتلكها من ناحية، وبسبب أن الفنان قام بتلحين بعض الأغاني التي أداها بصوته أثناء إقامته في مصر وكان لتعذر الأتصال بمطربي الوطن والبُعد سبباً في تفصيل ألحانها على مقاس صوته.

كل هذه الجوانب الإبداعية التي أضاءت التجربة عند علي ماهر وغيرها من الجوانب الأخرى تناولها الباحث بالتحليل والشرح من خلال مداخلته القيِّمة.

ومع انتهاء قراءة الورقة تم الأنتقال إلى الفقرة الثانية في الحفل وهي فقرة التكريم حيث قام الجمهور ممثلا في أصدقاء دار حسن افقيه حسن بتقديم بعض الهدايا للفنان تمثلت في إهدائه باقة ورد نضِرة وقرص مضغوط يحتوي على أجمل ما غنى ولحَّنَ الفنان، وقد قام الأخوة بإذاعة طرابلس المحلية مشكورين بطباعة هذا القرص وتوزيعه على جمهور الحاضرين، ثم قُدمت شهادة تكريم للفنان وبورتريه أو صورة شخصية للفنان قام أحد التشكيليين برسمها خصيصا لهذه المناسبة كما تحصل على ملف خاص قام بإعداده مجموعة من الكُتاب والمثقفين الذين تناولوا التجربة بالنقد والتحليل في مقالاتهم التي عكست وجهات نظر متعددة، والجمهور أيضا كان له نصيب وتحصل على نسخ من الملف.

كلمة شكر قصيرة توجهت بها الأستاذة فريدة طريبشان مديرة إذاعة طرابلس المحلية للفنان الكبير الذي ألقى بعدها كلمة ضمنها شكره العميق وسعادته الغامرة بهذا التكريم الذي يؤكد ارتباطه بالناس قبل كل شيء وأبدى سروره بلقاء محبيه الذين بمشاعرهم المرهفة تذوقوا فنه وتفاعلوا مع ألحان.

الفقرة الختامية التي خصصت للغناء أعلن عنها الأستاذ عبد النعم سبيطة الذي أدار الأمسية باقتدار وفي مستهل الفقرة عزف الفنان محمد خميس بعض الألحان الشجية بعوده ومن ثم قام بتتويج عزفه بعزف أغنية أحب الربيع وهنا أعطى للجمهور الفرصة للتغني بالكلمات والتفاعل الخلاق مع اللحن المنساب بعذوبة قل نظيرها.

أما المطرب محمد مصطفى من ناحيته تقدم لأداء أغنية “طوالي” التي غناها الراحل خالد سعيد وقد وفق الفنان إلى حد كبير في أداءِها بذات المهارة والعذوبة وأفلح في ذلك، الشيء الذي حرّك مشاعر الجمهور فجعل هذا الأخير يردد بعض المقاطع التي يحفظها عن ظهر قلب ولم يكتفي بالترديد والتصفيق وتمايل الرؤوس مع الألحان فقط بل أن البعض أخذته النشوة حتى صار يرقص طرباً.

في هذا العرس الطرابلسي الذي يبعث ببرقية مفادها أن طرابلس بخير وأن الفن الملتزم والأصيل قادر على التأليف بين القلوب والعبور بالوطن نحو بر الأمان، في هذا العرس الذي تقاطر إليه الجمهور من كل حدب وصوب حيث تم الحديث عن ضيوف تجشموا الصعاب وتحدوا المخاطر وأتوا من بنغازي لحضور هذا المنشط، في هذا العرس الطرابلسي استمر تهاطل العذوبة مع أداء الفنان مصطفى طالب لأغنية “كيف ننسى” المشهورة ليتبعه الفنان القدير لطفي العارف بأغنية “حنيت” والفنان مراد اسكندر بأغنية “ودي نقي” ليعود الفنان محمد مصطفى أبوجراد ليؤدي أغنية بلد الطيوب، وما أدراك ما بلد الطيوب التي أخرجت البعض عن أطواره فخلع وقاره ووجله وجعل يتمايل يمينا ويسارا مرددا مقاطعها العذبة التي تقول بلدي وما بلدي سوى حقق الطيوب وملاعب الأقدام للشمس اللعوب.

وبهذه الأغنية التي جاءت كمسك ختام أُعلن عن انتهاء الأمسية، وبذا تكون مجموعة دار حسن الفقيه حسن قد توجت موسمها الثقافي للنصف الأول من العام بهذا النشاط، على أن يُستأنف النشاط بعون الله عقب شهر رمضان المبارك.

______________________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

تعرف على أول «كوميكس» أمازيغي في ليبيا

جلال عثمان

جائزة الرواد لرئيس جمعية المكتبات الليبية

أسماء الأسطى

فتيات الربيع العربي يكتشفن صوتهن في ليبيا

المشرف العام

اترك تعليق