قراءات

علي الزويك .. القائل بالروح عند عتبة عيادته

-1-

[أيها الشاعر لا تثرثر]..نيتشه, [احذر الشجاعة المتمنية في الآخر], [لا تكترث من أجلهم أو من أجلك منهم حتى لا يستنزفوك], كثيرة هي المترددات الدرسية أو التذكيرية التي ظلّ ينقلها إليّ الفنان علي الزويك المنهمّ أبدا بلغات العالم الحي, كالألمانية أولا والفرنسية ثانيا, ونحن نأكل طرقات الزاوية ليلا جيئة وذهابا, كأننا نتعقب آثارا للأسبان أو ما قبلهم, في مدينةٍ هي مأوٍ ليلي لنا, نراجع فيها اليومي من الثقافة الوطنية والعربية, أنا من خلال تفقداتي للحرف المكتوب والصعلكة وبض الذكريات عن مناوشاتي السابقة مع مدراء الإعلام والثقافة المحليين في المدينة, والزويك بفراره القديم منها إلى أوربا, وما طالعته عيناه من دروس يمنحها لي بطريق الحب. هكذا تشكلت ذاكرتي عن الفنان الزويك, وأخالني أنني مستمسك بعروة فهمه للكثير من الأشياء التي تتحسسه, أو هكذا أزعم!.
فالزويك حالة ثقافة دائمة لا تنفك حتى تطرح الأسئلة على ذاتها, وموقعها فيه بأداء قلّ نظيره، أحيانا يتهيأ لي في عجمة مخيفة وسط محيط جائر, وأحيانا العكس, ولا سيما عندما يتخبطني سؤال الكتابة, فيبدو المكان أعجميا خالصا لوجه النتوءات المحروقة.
علي الزويك – بالنسبة لي – أقرأه الفنان الذي له مبرراته حول ممارساته الإبداعية والإنسانية معل, وعلى طول الخط له المبرر.

ZWIK_02

-2-

ما يشد انتباهي له أيضا, وما يدعم قولي بثقافته اشتغاله على الرمز, وهذا جلي من عناوين لوحاته التي تشكل مائيات [شجون القرية] المرسومة عام 1995, والمتخذة من البياض أرضية لتشكيلاتها الخلوية الرخوة-أو فن الخلية- هذه المرحلة تعد وكأنها مرحلة ثالثة في مسيرة الفنان, هذا إذا ما قلنا بمرحلة الواقعية التي من أهم اجتراحاته فيها لوحة [القرية البيضاء]- يقول الزويك عن هذه المرحلة: بدايتي في التشكيل أرسم بيوت الطين والبلح- ومرحلة أخرى ظلت تبحث في التشكيل اللوني.
قلت: في مائيات [شجون القرية], أو بورتريه الزويك في عالم اللون, نطالع لوحات تحت المسميات التالية:
الشهقة-البكة – السنوات العجاف-السنوات السمان – مدينة السيوف- أبو نواس في حانة عصرية-قارب ترفرف عليه الشهوة- رجل تمضغه السعادة- أرني جسدك الأبيض النقي أعلمك الرسم المائي- انظروا بعيون جديدة وبوجدانكم- أنا غدا مختلف عن أمسي.
لغة تنضح باستزادات معرفية في شكل وقدات عنيفة التكثيف والرؤية, فالبرغم من أن الشهقة والبكة تعد من الكلمات الصوتية, إلا أن الزويك حاول تجسيد تشكيلا لهما, وهو يكشف عن بحثه العفوي في مناهج العرفان والاستسرار الروحي ولطالما يقع الفنان الحقيقي في مغبة إضاءة محيطه بالسماوي وبالمتخيل.ويمكن لي قراءة هذه اللوحات سسيولوجيا وتاريخيا من منظور أن السنوات العجاف والسنوات السمان اصطلاحان قرآنيان يدلنا على تعاقب الأزمنة في خذلانها وفي ألقها, ومدينة السيوف يمكن قراءة إيحاءها على خلفية ثقافة مجتمع تقول بالاحتكاك المباشر والصدامي بين شرائحه, وأبو نواس تحول للتو من شاعر يدمن الخمرة والنساء إلى رمز له تذكرة الدخول في الحانات المعاصرة, وقارب ترفرف عليه الشهوة, والشهوة هنا بـ أل التعريف تؤكد معنى الشهوة في معناها التقليدي, والقارب دلالة على صغر المكون الاجتماعي أو المستهدف في تطلع الفنان, ورجل تمضغه السعادة, يجعل الزويك للسعادة أسنانا, والسؤال متى كانت للسعادة أسنانا, اللهم إلا إذا فرضت قضمها لعشاقها, وهم في منأى عن التطلع إليها, وبالتالي تشرع الأسئلة في إطلاق استفهاماتها عن شرعية لسعادة إجبارية. انظروا بعيون جديدة وبوجدانكم, دعوة لتكوين لغة أخرى لقراءة الفن بوصفه المكون الوجودي الذي يتشكل حول الناس والحياة. أنا غدا مختلف عن أمسي, استشراف ذاتي لنبذ المراحل الأولى من المخاض-أي طموح التجاوز- تلك المراحل التي ترتسم أول ما ترتسم بمحاذاة القواعد والأصول المتعارف عليها, والغد سؤال الخصوصية للذات والجماعة عندما يتصير لها ملامحها العابقة بها.

-3-

الجديد الذي يقدمه الزويك هذه السنة بعد توقف طال عشرة سنوات هي مجموعة مائيات تحت مسمى [عتبة العيادة] ومت خلال تأملي لها أجدها –وهذه قراءتي الخاصة- حالة تشخيصية دقيقة للواقع الليبي عبر التقاطات حادة وخاطفة وهامشية أحيانا, والزويك في هذه المائيات يقف عند دور الطبيب الذي يقدم تشخيصه ويترك العلاجات للصيادلة والمداوين وبقية المعالجين, هذا إن كان ثمة من فريق طبي يقوم بأدوار علاجية, والجدير بالذكر في هذه المجموعة أن الزويك على غير عادته يترك كامل لوحات المجموعة دون تسميات خاصة بكل لوحة, ربما هدف من وراء ذلك عدم إرباك متلقيه في البحث في أسماءها على حسابها هي في ذاتها, طارد بذلك غواية التظليل التي تحدثها أسماء لوحات من فنان يتسلح بثقافة من طراز ثقافة الشعراء النثريين العظام.

-4-

هامش:
المؤسف أن هذا الفنان, ورغم تجربته المديدة تقف المؤسسة الثقافية بمنأى عن الاهتمام بفنه, إذ لا كتاب يضم مجموعات مائياته, ولا يقف هذا عند الزويك فقط, بل يمتد إلى زملائه أيضا في غياب صارخ لمؤسسة أو هيئة تهتم برعاية هذا الجنس الإبداعي العظيم, ماذا للمرء عساه أن يقول, فالثقافة الليبية تفتقر جدا إلى كتب في التشكيل كما هو فقرها إلى الدوريات والمجلات النقدية والإخبارية المتخصصة في هذا الجانب, وهذا ما يذبح القلب, حقيقة لا أذكر أنه ثمة كتاب لفنان تشكيلي ليبي يضم إحدى مجموعاته, إلا كتابا يتيما للفنان علي العباني يضم إحدى مجموعاته الأولى فقط, العباني والزويك منهلا تشكيلٍ, وخبيئتا فن, ومدرسان لا يقفان عند سبورة ويكتبان بالطبشورة لتلاميذ, بل يقفان معلمان بتجربتهما الزاخرتين, غير أن ما نلحظه من بؤس يحيط بالفنان المحترف والهاوي على حد السواء لأمر يحزن القلب حقا.
والسؤال هل المجتمع الليبي بحاجة إلى الثقافة بروافدها المختلفة؟ أم هي مجرد ترف مناسباتي لعيد مئوي!!

مقالات ذات علاقة

ليبيا بعد الثورة.. قراءة جديدة لـ«بن شتوان»

محمد الأصفر

عبدالمنعم المحجوب يناهض الكهنوت الإسلامي

المشرف العام

الكوني والمرأة.. عدوانية وكره أم عشق وتوق

المشرف العام

2 تعليقان

علي المنتصر 7 فبراير, 2016 at 20:26

تحية طيبة لكل المبدعين والمجتهدين في كل أوجه الحياة …

حول العمل الفني المعروض في أعلى الصفحة والذي نسب خطا للفنان المبدع علي الزويك ، هذا العمل من مجموعة خاصة للفنان علي المنتصر رسمت عام 1994 ضمن مجموعة لوحات تحت اسم ” موسيقى الجسد والروح ” نرجوا التصحيح وذلك لضمان الحق الأدبي للفنان .

رد
المشرف العام 8 فبراير, 2016 at 05:29

شكراً لك، وبارك الله فيك، وسيتم التعديل.

رد

اترك تعليق