المقالة

على سبيل الملاحظات فقط.

ما يجعلنا نهلل لنشر كتاب عربي، أو مترجم إلى لغتنا العربية، يختص بالدراسات النقدية الحديثة، (الأدبية) منها على وجه الخصوص، هو ذاته في “بعض الأحيان” ما يجعلنا نتأمل مدى سذاجتنا، للأسف الشديد، كوننا قاصرين على التفحص الثاقب لنص قد يعطب أدمغتنا ويصيبنا بلوثة أبستمولوجية عميقة، قد تحتاج إلى سنين بلا عدد حتى تتم معالجتها، ومن يدري قد لا نجد لها دواءًا أو طباً أصلاً.

سأستذكر هنا فقط على سبيل المثال لا الحصر، عقد من الزمن كنا فيه أطفالاً صغاراً جداً، هذا العقد قرأنا ما طبع فيه، بعد انقضائه بسنوات عديدة، وذلك حين بدأنا نعي قراءة الجمل بشكل سليم، لن أقول في الإعدادية أو حتى في الثانوية، وهما المرحلة الأولى التي أغرمت فيها، بشكل شخصي، بالرواية على وجه الدقة، بل كان ذلك في مرحلة الجامعة.

هذا العقد الذي كنت أبلغ في سنواته الأخيرة أربع سنوات فقط، هو عقد الستينيات من القرن المنصرم دونما ريب، ولعل الكثير من أبناء جيلي من مواليد النكسة، أو قبلها بعام، يوافقني في ذلك.

لست هنا بصدد التهليل أو التكبير لمرحلة انقضت، بل سأنوه إلى إدارة مؤسساتية، لن أتحدث فيها عن بلدي الذي بدأ ينهض فعلاً في ذلك العقد، ويميز خطابه الأدبي والصحفي بالخصوص، عن غيره من الدول العربية، حتى أكون منصفاً، لكنني سأتحدث فيها عن مصر، الستينيات، وحتى قبلها، وسأستشهد بعقد الستينيات، كون أن أغلب الكتب اللامعة التي تمت ترجمتها عن اللغات الحية كالإنجليزية أو الفرنسية، أو حتى الإسبانية، والإيطالية، كانت باذخة ورائعة حقاً، سواءاً تلك التي تهتم بالرواية أو بالقصة القصيرة، أو تهتم، (وهذا ما يعنيني) هنا، بالدراسات الأدبية النقدية، تلك التي سبح فيها النقد بلا حدود، وكثرت مدارسه، وتياراته، وآراءه الفلسفية، إضافة إلى كتب أخرى ترجمت في سنوات الستينيات أيضاً تهتم بالنقد السينمائي، والمسرحي، والتشكيلي، والخطاب البصري عموماً، إن جازت التسمية “خطاب بصري”.. غير أنه في عقد السبعينيات بدأ مستوى الترجمة في القاهرة يضمحل، وطارت العقول المثقفة من أغلب الدول العربية، إلى بيروت ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية.

همي هنا هو التنويه إلى ملاحظات صغيرة في ترجمة الإصطلاحات فقط، لا سرد الحقب بالمعنى الأمثل للكلمة.

إصطلاحات كان يجب على عقدنا الحالي تداركها، كانت أكثر جودة حين ترجمت في الفترة المذكورة آنفاً، على الأقل تلك المتعلقة بترجمة الكتب التي لها علاقة بالصورة الأدبية والسينمائية على حدٍ سواء. ولا أدري بالتحديد إن تمت ترجمة خطابات على المستوى السيميولوجي الذي أراه قد بقى رهين لغاته الأم في تلك الفترة، خصوصاً البحوث المتعلقة بتحليل الخطاب النصي والتأويلي للأدب على وجه التحديد.

شاعت في أيامنا البائسة هذه تسميات لاصطلاحات عديدة مترجمة عن لغاتها الأم، والواقع لا أدري بالضبط سبب هذا الانهماك في هذه الاصطلاحات؟.. ربما موضة، ربما تقليعة عقلية، يتبجح بها بعضنا، كنياشين تدلل على ثقافة أو ما شابه، الواقع أنني لا أدري بالضبط.

سأستذكر من هذه الإصطلاحات بعضها، كالتالي:

1ـ بنائية، أو بنيوية
2ـ سيميولوجية
3ـ سيميوتيكا، (سيميوطيقا)
4ـ دال
5ـ مدلول
6ـ تبئير
7ـ تمفصل
8 ـ خطاب
9ـ حكي
10ـ سرد

إصطلاح البنيوية، هو ذاته تماماً “من الناحية اللغوية”، (البنائية)، لا توجد كلمة أخرى، حين نترجم Strutturalismo، التي جئتُ بها هنا بلفظها اللاتيني، الإيطالي حسب معرفتي المتواضعة، لا يوجد إصطلاح ثالث لاتيني لها، هي كما هي، الفارق، أنها كبنية حين تدخل في علم الإجتماع نلصق الكلمة لعلم الإجتماع، وحين تدخل في علم النفس، ندخلها على علم النفس، وحين تدخل لعلم النبات، ندخلها على علم النبات، وكذا على القانون والتاريخ، إلخ ، أما أن ندخل في سجال لكلمة ليست من صنعنا، فهنا يقبع المشكل الذي لا حل له، نقول بنبة النص، حين نريد التحدث عن النص، ونقول البنائية الإجتماعية حين نلصق الكلمة بعلم الإجتماع، الأولى نقول عنها بنيوية والثانية بنائية، (هل هذا الهراء يجوز)؟.. ويمكن أن يدخلك هذا السجال العقيم الأحمق في مشكل حتى مع زميل لك، لسبب أن المترجم، ولا أريد أن أقول، أنه كان منهمكاً في القفز في الفراغ، حين ألصق البنائية لعلم الإجتماع، والبنيوية لعلم النص، في الوقت الذي كانت الكلمة الأصلية في لغتها الأم واحدة فقط Strutturalismo، طالما أنها واحدة لماذا نمسخها إلى عدة أشكال في لغتنا العربية، حين نترجمها إلى بنيوية، وبنائية إذاً؟.. هذا هو العطب العقلي الذي أردت أن أنوه عليه، وهذه هي المشاكل التي أدخلتني في ترهات مع أصدقاء.

لست أنا من يضع الدساتير، ولكن العقل وطريقة التفكير داخله، نحن حين نترجم نتتبع طريقة تفكير، لا أن نتتبع قول ونترجمه حرفياً، الواقع أنه علينا اختيار كلمة واحدة فقط، إما بنيوية أو بنائية، حتى نرتاح من الهراء، يخرج لك أحدهم ليقول، عليك أن تفرق بين البنائية والبنيوية، تقول له لماذا، يقول لك، البنيوية في علم النص، أما البنائية فلها علاقة بعلم الإجتماع فقط، وأحيانا يلصق في تلابيبها أيضاً السياسة والتاريخ، إلخ، هذا هراء ضخم، ومرهق، علينا تلافيه، لأنه لا ينقصنا هراء مزيد عن ما نعيشه، في رأيي.

ــ كلمة سيميولوجية Semiologia، تعني حرفياً، ومنهجياً، في لغتنا (علم العلامة)، لايوجد تسمية ثانية أو ثالثة لها، في لغتنا ترجمها بعضهم بعلم العلامة، وترجمها آخر بعلم الدلالة، الأخيرة خطأ فادح، الكلمة لاتعني أبداً علم الدلالة.

ــ الدلالة حسب رأينا هي Significa، ويقابلها من جهة الدال، Significato، والمدلول، Significanza.

ــ التبئير، Focalizzazione لن أذهب إلى قاموس اللغة، بالقدر الذي سأذهب فيه إلى أصل الإصطلاح من الناحية المعملية، فهو جاء في رأيينا، عن الحسن بن الهيثم في القرن الحادي عشر الميلادي، معززاً لإختراعه للصندوق المظلم الذي جائت منه كل آلات التصوير حتى الرقمية منها في وقتنا الحالي، فالإصطلاح جاء من تسليط الضوء على بؤرة، والبؤرة في علم التصوير الفوتوغرافي هي “نقطة” أو “مركز تجمع الأشعة الضوئية”… تم قطف الكلمة (ولا بأس في ذلك) من مكانها الرئيسي ليتم الإستفادة منها في علم النص أيضاً، والتبئير في النص، هو تسليط الضوء على مكان محدد مؤطر تدور فيه الأحداث، أو الأفعال أو السلوك، فيما بين الشخصيات، وتحركاتهم يساراً أو يميناً، أعلى أو أسفل، وصراعهم الداخلي والخارجي*.. إلخ…

ــ التمفصل، Articolazione، هو التقطيع من حيث توجد مفاصل داخل النص، أو فواصل، أو يمكن أن نقول عنه أنه تجزئة النص لكل جملة، شرط أن تحمل هذه الجملة معنى تام، بحيث إن تم فكها، يمكن لمها فيما بعد، أو تجميعها، وهي طريقة تُعمل لغرض التحليل السليم للنص الأدبي، أو أيضاً للصور السينمائية التي تجمعها لقطة واحدة، أو لنقل مجموعة لقطات متمفصلة، تكون مشهداً واحداً يمكن أيضاً فكها شرط إمكانية إرجاعها لحالتها الطبيعية من خلال عنصر هام آخر داخل الفيلم السينمائي على سبيل المثال، وهو “المونتاج” المكون الرئيسي للغة السينمائية، وهو الكيفية التي تتمفصل من خلالها اللغة المرئية، كل هذا الكلام، هو رأي شخصي أيضاً قابل للتحليل والتفنيد.

ــ أما فيما يخص كلمة خطاب والتي يترجمونها عن Discorso، فهي تُعنى بالحديث من تحدث، ومنها Discutere، ناقش، يناقش، أو حتى جادل يجادل إلخ، لا خاطب يخاطب، فهي أقرب إلى الحديث منها إلى المخاطبة، وهي واضحة جداً في لغتنا العربية، لكنهم ألصقوها بالتحليل الخاص بالصورة بكل أنواعها، الواقع أن الصورة على وجه الدقة قد تتعالق مع الخطاب كونها تحمل دالاً ومدلولاً، كما أشرنا آنفاً، للاصطلاحين، أما أن نقول أو نترجم كلمة من نوع (خطاب بصري)، فهنا تنتابنا ريبة كبيرة بضرورة الحال التي عليها معنى كلمة خطاب في لغتنا العربية، ولكم أن ترجعوا إلى لسان العرب فيما يخص الخطاب، لترون بأنفسكم.

ــ الحكي، Narrazione، هذه الكلمة تختص بالسرد الأدبي، لكنها لا تعني سرد، بل تعني حكي، سواء كان حكياً شفهياً، “حكاية يلقيها شخص ما” على مسامع شخص آخر، أو عدة أشخاص، كأن نقول فلان “حكواتي” في تراثنا الشعبي تحديداً، وهي من الإصطلاحات الأكثر شيوعاً في علم النص الحكائي، أو القصصي. أغلب من ترجموها قالوا أنها سرداً، وهذا أراه مشكل آخر، الكلمة لها علاقة بالسرد، لكنها لا تعني سرداً، بل حكياً.

ــ السرد يترجمه الكثيرون عن كلمة Sequenza، وهي ترجمة صحيحة لكنها ناقصة، فكلمة Sequenza، وحدها فقط، تعني تتابع.. تتابع ماذا؟ . من المفترض أن تكون تتابع لأحداث حكائية أو قصصية، ولكي تميزوا بين الحكاية والقصة، إذهبوا مباشرة إلى كتاب القارئ في الحكاية لـ أمبيرتو إيكو، أو علم النص لـ جوليا كريستيفا، وسيتجلى لكم الفرق، لأن الحديث سيطول هنا.

ــ <<السرد>> إذاً، يمكن أن تدلنا عليه كلمة لاتينية مكونة من شقين لا من شق واحد، وهي: sequenza narrativa، أي تتابع الأحداث الحكائية داخل السرد حتى نكون أكثر دقة.

ــــــــــــــــــــــــــ
* الإصطلاحات وترجماتها وكذلك ما بين الأقواس، جاء من عندنا.

مقالات ذات علاقة

معرض طرابلس للكتاب (دورة 2019)

أحمد الفيتوري

هذا القلب…

يوسف الشريف

خمسون العرّاب

جمعة بوكليب

اترك تعليق