قصة

على حافة الحزن (2)

من أعمال التشكيلية سعاد اللبة
من أعمال التشكيلية سعاد اللبة

مثقل بالهموم، رمى ببزته العسكرية على الأريكة، استل سيف قهره من غمده.. راح ينهال به على أفكاره المتعبة، يضمد جراحه التي ابتدأت تفرز قيح الأيام المرة، التي لم تدعه يبتلع ريق فرحه.

وبينما هو شارد الفكر، ذابل العينين، وضعت أصابع يدها الطرية على خده، متحسسة حرارة جسمه، التي ارتفعت جراء تراكم ترسبات حاول إزاحتها عن كاهله، دون جدوى.

قالت.. لما تبدو متوتراً؟ أجاب أتسألينني؟ وكأنك ال تعلمين السبب؟ وكأنك…..؟ ثم غصت الكلمات في حلقه، ولفظ ما كان يود قوله ابتلع لعابه، وأنطق ال شيء، ال شيء..

توسدت صدره، وقذفت بتنهيدة طويلة، إلى أنفاسه كمن يحمل عبئا ثقيلا.. عادت وسألته: ألم تقل لي ما بك؟

_ ما بي شيء..

ساد صمت لبرهة، استجمعا خيوط حديثهما، وبادرت هي قائلة، لمن تخفي ما يختلج بأعماقك؟

_ ماذا تقصدين؟

_ أعني هل من أنثى أخرى تحتفظ لها بما يدور في خلدك؟

_ ومن تكون هذه الأنثى؟ إذا كانت زوجتي التي هي أقرب إلي من حبل الوريد ال تفهمني؟ وتتصنع الغباء؟

غضبت، وثارت في وجهه، أنت دائما هكذا ال تتوانى عن استفزازي.. كأنك ال تريد التحدث معي فى كل مرة، وكعادتك تكلمني بالألغاز..

_ صدقيني أن ما تقولينه لهو اللغز بعينه.. وأنت تجعلين من الحبة قبة! ومن الأفضل لك ولى أن نخلد للنوم، فأنا متعب وال رغبة لي في الحديث عن أي شيء.

_ قلها من الأول وأرحني..

أدارت وجهها ودست روحها تحت الغطاء، وصالب هو يديه، ينظر إلى سقف الحجرة متوسلا النوم أن ال يجافيه، ظنها نامت.. وإذا بها تزيح الغطاء عن وجهها.

_ انظر إلى الكون بنور الحب، وسترى أن كل الهموم التي تراكمت، ذابت كالجليد.. فالحب قادر على تضميد كل الجراح.

_ أعترف بأنني مجنون وسط عقلاء.. لكنني أرى في جنوني هذا رجاحة العقل!

_ عدنا إلى التفاهات.. لماذا تصر على تغليف الفرح بالحزن؟

_ أصبت.. لأنني كلما أشعلت شمعة لأرى من خلالها ثقوب عقول من هم حولي لأرممها، أجدني كمن يحفر حفرة عميقة ليدفن نفسه فيها، وكأنني أزرع الريح.

_ لم أفهم.

_ أنا إنسان يتلمس طريقه في شوارع تكسوها الأشواك، وسط زحام أناس يقتلون الفرح، قبل أن يولد، ولست أعنيك، إنما أنا أقارع ألامي التي هي جزء من آلام مجتمع، ينظر إليَ من خلال الأصابع، ويستمع إليّ بآذان خرساء.. يخاطبني بلغة لم تكتب أبجديتها بعد يإلهي!! أتخفي كل هذا؟ بالله عليك أنظر إلى مشاكلك، وسط الكم الهائل من آلام ومعاناة غيرك، وستكتشف أنها ال تستحق كل هذه الأحزان.

_ أليس على أهلي أن يقتنعوا بأنني أعاني من مشكلة؟

_ أنظر إلى سقف الحجرة، هناك عناكب صغيرة عالقة بنسيجها، قبل قليل كنت أراقبها تتشاجر على ذبابة صغيرة.. وبعد عراك استمر لبضع ثوان، تقاسمت الوليمة بحكمة، وانتهى الأمر.

_ أجل.. أجل.. ألنها عناكب استطاعت التفاهم واقتسام صيدها.. بينما نحن البشر، ورغم أن الله سبحانه وتعالى اصطفانا بنعمة العقل، إلا أن بعضنا يعبث بخلايا عقل البعض الآخر، فنتحول إلى مجانيين، وصدقيني إنه ال شيء أعظم من الحب، وال عقل أعظم من الجنون.

2009

مقالات ذات علاقة

الـفـراغ الـشاسـع

محمد العريشية

الموجة

سعد الأريل

إسم على الصخر.. !!

زكري العزابي

اترك تعليق