طيوب النص

على أَعْتابِ السّنين

من أعمال التشكيلي الأردني وليد الجعفري
من أعمال التشكيلي الأردني وليد الجعفري


بلغتُ العشْرَ من السّنين..
تَتَوعدنِي الأصواتُ
تُحاصِرُني أَشيائي
يُفْلتُ قلمي المتُضائلُ بين أصَابِعي النَّحيلة
يمْتلئُ كُرَّاسي المُهْترِئ بخطوط ٍمُتعرجة
يَغْفو ضوءُ المِصباح
أحيانًا يَقْرِصني الجوعُ
وتَنْتابني الأَحلامُ الصَّغيرة
أبْنيها على شوارعِ التُّرابِ الملتوية
تتجاوزُ البيوتَ المُتشقّقة
والمـآذِنَ المائلِة
تُعانقُ الزَّوابعَ على أطْرافِ المدينة
…..
بَلغْتُ العشرين
أعشقُ كَلماتِ الحبّ
على لسانِ أَرْهقه الكبْتُ والحِرْمان
أعير الآخرين تَمرُّدِي
ولا يكْتَرِثون
أجتازُ المَدَى مُتحفِّزًا
يقولون: ما بَالُ هذا الغِّر أضْحى مَجْنونًا
أِحْتَضنُ مُخيِّلتي ليلا
أصافحُ الأماني بروحٍ مُتوقّدة
وعنْدما أَصْحو
لا أَرى إلا أفقًا لبَّدته الغُيوم
ورُوحًا نَزِقة حتى الثمَالة
تَغُوصُ في بحْرِ الأَلَم
وتَبْتلعُها الحَسَراتْ
…..
بلغتُ الثلاثين
تزْرَعُ الأَماني نَبْتةٌ
يزْهُو بها الفؤادُ حينًا
وحينًا يتوهج بأَشْواكِها جَسَدِي
يَحْتويني الحَماسُ
أقفزُ على المَراحِلْ
تَحْتَرِقُ بها أُمْنِياتي
أعودُ تَسْتَهويني المسافات
يَسْجو بحرُها حِينا
غير أَني..
أسْبحُ عكْسَ الرَغباتْ
…..
بَلغْتُ الأرْبعين
تَمْتزجُ الألحانُ في سَمْعي
وتطيركحَمَائمٍ تنْتَشي بها رُوحِي
وأنام حالمًا محتظنَا نفسَا تُؤْنِسُني
في الليَالي المُقْمِرة
تتوقَّدُ الذَّاكرة قَليلًا
وأَرَى صُورةً من كُوةِ الماضِي
تَنْظرُ إليّ بِغَضب
وتَهْمِسُ في أُذُنٍ أَصَابَها التَّبلّد
ها أَنت تُطِيلُ المُكُوثِ مُسهّدًا
وتَرْجُو مِنّي الوِصَال
وفي الأَرْضِ متَّسعٌ
وفي السَّماءِ ابْتِهالْ
…..
بلغتُ الخَمْسين
تَجْتَرُّ الذّكْرى ذَاتَها
تَتَناسلُ الأيامُ على مَهْلْ
وترْكبُ المفاجآتُ أَفْراسَها
وتُمْسِككُ أَعنّتَها بإحْكَام
وأتَحيّنُ المُواجَهةَ
تلك السَّافياتُ العَابِثات
ليْتَها تَحْمِلني بَعيدًا
إلى تُرابٍ آخر
لا تَرْويه الدّماءُ
أقبله
أَحْتَضِنه وَطَنْ..
…..
على أَعْتابِ الستّين
يُصْبحُ الجّرابُ فَارِغًا
تَتَوسلُ الكلماتُ ثم تَتَبعثر
بزَفَراتٍ وحَسَراتٍ
وقليلٍ من الضّحَكات
تَتَثاقلُ الخُطُوات
علها تجدَ مُتَّكًأ
الجَّمْعُ هنا وهناك
بعْضُهم يموجُ في بعض
يَخْتَرقهم السفّودُ من الخَاصِرة
والنَّاُر يزْدادً أوَارُها
يغذّيها حِقدٌ عتَّقته سِنينُ الجهلْ
تذْكِيها عُقولٌ حمْقى تَتَراكمُ رويدًا.. رويدا
الجِراءُ تأكلُ أطْرافَها
والذّئَابُ تَلْعقُ بألْسِنَتِها دماءً تخثرتْ
فوق أطْرافِ أنْيابِها المُشْرَعة
الكلابُ يَعْلو نباحَها في المَجْهول
تُطاردُ شَبَحا ابْتلعه الظلام..
على أعْتابِ الستّين
الحزْنُ رَفِيقي
يُغْرِقُ صَدْرِي
بجَميعِ صُنوفِ الأسَى
فتلك الفتاةُ السَّمْراء
بضَفَائِرها السًّوداء
هَتَكَ اسْتَارَها الحُقَراء
اسْتَباَحَها الغَجَر
وتحوّلتْ إلى نَخْلةٍ مُحْتَرِقةٍ
وسَطَ الصحْراء


21/6/2020م..

مقالات ذات علاقة

خربشات ملونة – 25

محمد ناجي

يا سيدي الشعاب ..

حواء القمودي

ضمة يبدأ مشواره بغياهب القصة الليبية

المشرف العام

اترك تعليق