المقالة

علبة فارغة

علب (الصورة: عن الشبكة)

كانت تتدحرج بتثاقل، أحسستُ وكأنها تقول للريح: ادفعي أكثر!، يبدو أنها كانت تكره المكان وتريد أن تغادره إلى مكانٍ آخر ليُعاد تدويرها، ولتعود إلى الدنيا بمظهر جديد، فلا بد أنها تؤمن بتناسخ الأرواح!.

حظها السيء ألقاها في بلدٍ لا يؤمن أهله بتناسخ الأرواح، ولا يعرفون إعادة التدوير إلا لأحاديثهم الممجوجة، وأخطائهم السمجة!.

من يدري؛ ربما لو أُعيد تدويرها فلن تكون علبة معجون طماطم كما هي الآن، فقد تأتي في هيئة علبة فاصولياء، أو علبة مشروب، أو علبة (نَفَّة).

آه.. تذكرت عُلبة النفَّة التي كانت تستعملها جدَّتي، كانت تُعاملها بلطف، فتطرق بأصابها المرتعشة على جانبي العلبة طرقاً خفيفاً حتى لا يتبعثر مسحوق التبغ أثناء فتحها، ثم تأخذ منها قبصة فتستنشقها، فتعطس، ثم تلتفتُ إليَّ وتقول: ماذا قلتَ قبل قليل؟ فأعيد الحكاية من أولها!.

طفل صغير يقاطع خيالي، يركل تلك العلبة لتقترب مني أكثر، أحسست أن ثمة تخاطر حدث في هذه الأثناء بيني وبين العلبة، ولا أدري لِمَ خطر ببالي أنها جاءت لتشكو إليَّ غربتها، ربما لأنها عرفت أنني غريب مثلها، فالغرباء أقرباء، كذلك قال امرؤ القيس:

“أجـارَتَنـا إنّـا غَرِيبَـانِ هَـاهُـنَا … وكُلُّ غَرِيـبٍ للغَريـبِ نَسِيـبُ”.

شاهدتها عن قرب، الغطاء المفتوح بإهمال كان مشرشراً أكثر من اللازم، فلعله فُتح بسكين لا يصلح لمثل هذه المهام، أو من امرأة غاضبة على زوجها، أو من شخص أعزب اضطر لفتح شيئٍ لم يسبق له أن فتحه!

كادت السيارة القادمة أن تدهس العلبة فتسويها بالأرض، لكن الريح الناتجة عن السيارة دحرجت العلبة لتقترب مني أكثر.

الغريب في الأمر أن العلبة كانت من النوع الذي تكرهه زوجتي، فكانت دائماً تقول لي: “لا تُحضر هذا النوع الرديء”، وكنت دائماً أُخطئ وأحضره، فتأخذ مني العلبة بامتعاض، ثم تتمتم: “إذا لم يُعجبك الطعام فلن أُعيد طبخه من جديد!”.

سيارة أخرى تدفع العلبة بضعة إنشات نحوي، بدا لي جلياً بقايا المعجون المتيبس في جوفها، كان أحمرَ قانياً قبل أن يُداهمه السواد، لكنه لا يزال يتشبث بقطعة المعدن هذه، ربما لأنه لم يعرف غيرها موطناً، وربما لأنه يخشى الضياع إذا فكر في الهجرة منها، وهنا يداهمني نفس السؤال القديم، أيهما أجدى؛ أن تبقى في مكان لا جدوى من البقاء فيه؟ أو تغادره إلى مكان لم تنبت فيه؟

أن تبقى متشبثاً بمكانٍ تائه؟ أو تهجره فتتوه عنه؟

أن تبقى في مكانٍ مجهول المصير؟ أو تغادره إلى مصير مجهول؟

لكن العلبة وما التصق بها مصيرهما واحد، وقدرهما واحد، وهو الحرمانُ من حياة جديدة تعيد الاعتبار لرحلتهما الطويلة، والبقاءُ هنا.. في هذا المكان… حيث أشيرُ بإصبعي الآن!.

مقالات ذات علاقة

قصة حب بين البكوش وأم السعد

سالم العوكلي

من خفيف الكلام .. الزمن والزمان

يوسف الشريف

ذاكرة الدم

طارق الشرع

اترك تعليق