المقالة

عقلنا المتواطئ

نحن بأسرنا، أفكاراً، وتصوراتٍ، وفلسفاتٍ، وإيديولوجيات دينية وعلمانية، وقيماً، وأخلاقاً، وضوابط، ومعايير، وعقائد، وهويات، ومنظوماتٍ أخلاقيةٍ وجزائيةٍ، وحتى آراؤنا، وتحليلاتنا، ونظرياتنا بما فيها العلمية، نحن بأسرناـ وهي أيضاً ـ لسنا أبداً حقيقة، ذلك أن استنتاجاتنا التي نستمدها من استجوابنا للطبيعة، وللظواهر، وللعلاقات بين الظواهر، إنما ننطلق في إجرائها من ذاتيتنا.

إن كل ما نؤمن به من أفكار ومفاهيم وقيم وأحكام، ليست جِماع عمليات موضوعية مستقلة كما نتوهم، فعقلنا أبداً لا يتصف بالإستقلال، لإنه إنما يحاكِم الأشياء من داخل التجربة الحياتية نفسها، من داخل شروط الزمان والمكان، وملابسات البيئة، ومن التعسف والغرور المفرط، أن نصدق للحظة واحدة، أن عقلنا مستقلٌ أو متجردٌ، لأننا من داخل حكمنا على الأشياء، إنما نكون بحالة تصديق لا غير.

نحن في تكويننا الروحي والإبداعي، والثقافيـ مع معضلتنا هذه ـ نكون غير حقيقيين بالمرة، بل حتى في منظومة الأخلاق التي نزعم أننا طورناها بفهمنا، أو استقيناها من كتبٍ نعتقد أنها سماوية، لسنا حقيقيين، لأنه ليس بمقدورنا تشكيل قاعدة مستقلة للصواب، فالأخلاق والقيم والفضائل والأحكام، ينبغي ـ أو هكذا نظن على الأقلـ أن تكون مطلقة، وجديرة بأن تنطبق على أي أحد، وكل أحد وبأي زمان وبكل مكان، وهذا متعذر، لأن منظومة الفضائل والأخلاق التي نقرها، تخضع للتعديل طوال الوقت، وهي عند جماعة منا أخلاقاً وفضائل، لكنها لدى جماعة أخرى رذائل وخساسات، وهي محمودةٌ جداً اليوم، حد أن نتقاتل لأجل المساس بها، لكننا بعد مئة عام، قد نتقاتل لأجل تغييرها فلا نستطيع.

وحتى تلك المنظومة الأخلاقية التي جادت بها السماء علينا، أتت من طرفٍ لا ينتمي إلينا، طرفٍ متعالٍ وسامٍ أيضاً، ويقع على كاهل عقلنا نحن عبء تحليلها، وجعلها منطبقة علينا، لهذا يتلقفها بعضنا ليزيد في وقعها تحسباً، لئلا يُسيء تقديرات ذلك الطرف المتعالي علينا، وقد يتلقفها بعضنا بالتساهل والتخفيف، مغلّباً ما يعتقد أنه سمو وتسامح ذلك الطرف الذي لا ينتمي إلينا.

والمعضلة الأكبر، أنه لن يكون بالوسع حتى التأكد من صلاحية حكم عقلناعلى فكرة بعينها، أو إيديولوجيا بذاتها، أو مبدأ نعتقد بفرادته، كما لن يكون بوسعنا التأكد حتى من فساده، لأنه سيكون علينا التساؤل بأنه بالنسبة لمن يعتبر حكمنا على الأشياء صحيحاً، أو بالنسبة لمن يعد حكمنا نفسه خاطئاً، مادمنا كلنا نحمل ذات العقل اللامستقل، واللامتجرد، والمشروط.

ويصير السؤال هنا مباحاً ومفروغاً من ضرورة طرحه، وهو كيف يمكننا حينها تعريف الحياة بالعقل، إذا كان العقل نفسه مشروطاً بالحياة نفسها وبظروفها، إذ لا أقل من أنه يجب أن يكون العقل خارجها، حتى يأتي حكمه عليها محايداً، والعقل أبداً ليس مُستقلاً، واستنتاجاته مشروطة وظرفية، وهي غالباً تخص تحولاته وحركته، وبهذا فذاتيتنا ذاتها، لا يمكنها أن تحكم فكرنا بحرية، لأنها باختصار نحن.

___________________

المصدر كيكا

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (38)

المشرف العام

كازينو

منصور أبوشناف

نصف مفهوم .. نصف ما صدق

جابر العبيدي

اترك تعليق