المقالة

عـلى الـهامـش

 

ثلث الصفحة للهامش، هناك كنا نضع بدايات الحلول، نشطب، نخربش، نمحو، ثم نعيد الصياغة بالشكل الذي يروق للمعلم وصولا إلى الأفضل، كان الهامش أوسع صدرا من سواه وكان يحيلنا فيما بعد إلى اصح الحلول، كان الهامش على الورق فقط أما الواقع فكان ” لا يصح إلا الصحيح”.

أما اليوم فقد اختفي الهامش تماما من كشاكيل المتعلمين، وتحول إلى بحر يبتلع كل شيء من حولنا، سلوكا، فكرا، ومكانا، بكل ما يعرف عنه من أخطاء، وبشاعة، حياتنا اختفى عنها الجمال تحولت إلى صور (مكربنة) للبشاعة، الأسوار تحيط ببيوتنا، والمجاري الموحلة تغرق الأحياء من حولنا، والطرق المعطوبة تنتهك أجساد سياراتنا المعطوبة وتخلخل ما استقر من مفاصلنا، والأحياء الهامشية تنمو من حولنا في تحدى سافر لحقيقة أن السكن الصحي والأمن حق للجميع، وأولادنا يتعرضون للمخاطر جراء انعدام الأمان الناتج عن حاجتهم للتنقل واختفاء وسائل المواصلات الآمنة من طرقاتنا، فماذا علينا أن نفعل؟ عشوائيون أيها القلب المتعطش للجمال، تحيط بك البشاعة، فليس انعدام المساحات الخضراء وزحف الخرسان الأسود، ولا غياب الهندسة المعمارية للأحياء والميادين والطرق، ولا غياب مرافق الخدمات المعينة للعاملين والعاملات فقط ما يرسم قتامه حولك، و لكن ما يزيد من القتام حولك حال الناس، فكل ما ذكرناه يمكن أن يطبب، يبلسم بالهدم وإعادة البناء وتلوينه بالطلاء، أما حال الناس فذاك هو المؤلم، لان تطبيبه يعنى استئصال ما علق بها من أورام، فانتشار الجريمة والعنف، والقسوة على الأبناء وعلى الآباء ، يدل على ضيق النفوس الناتج عن ضيق الأفق الناتج عن ضيق هامش الأحلام والآمال، فما العمل؟ العشوائيات تتسع من حولنا وتعيد ترتيب أنماطها، لها قوانينها الخاصة التي يغلب فيها حسابات القوة، ولغتها الخاصة التي ترفض الذوق والأدب، وأسلوب معيشتها الخاص، فمواصلاتها عشوائية وخدماتها عشوائية، وعاداتها وتقاليدها تصاغ كل يوم ووفقا للحاجة وبحسب الظروف، الأعمال عشوائية يغلب عليها طابع الارتزاق والبطالة المقنعة، فما العمل ؟ وأين نحن من كل هذا الذي يحيط بنا، هل مازال الهامش يتسع لنا، أم أن الشطب هو أخر المطاف؟ هكذا تداهمني الأسئلة، أسبح فيها وأنا البدوية التي لا تجيد السباحة في شبر ماء، والتي مازالت تغمض عينها في الظلمة خوفا من العفاريت، ولكنها لا تمل الأسئلة العصية عن الجواب، تطلقها كيفما اتفق حجارة متعثرة تلطم وجه الركود، وتدق الأجراس لعل الغد القادم يحمل ملفات الأحلام وينثر بخورها ليطهر جنبات الهوامش ويفك اسر الرابضين بها.

عن موقع ليبيا اليوم

مقالات ذات علاقة

لم ينتهي الفكر عند الديمقراطية الرأسمالية أو غيرها من النظريات الفكرية الإنسانية

علي بوخريص

مابعد الحداثة وانعدام الأصل

عمر الككلي

أوراق تحترق.. أنا طفـل

عفاف عبدالمحسن

اترك تعليق