من أعمال الفنان التشكيلي علي الزويك
ترجمات

عشر قصص لليوناني نوداس غوناتاس*

ترجمها/ ز. س. العزابي

 

1ـ تضرّع

أمامي تنهض بشموخ وتكبّر، الشجرة البالغة القدم ذات الأوراق النحاسية الخضراء، فيما تردد صوت أجش في روحي، فوقعت على ركبتيّ، وبينما كنت أصلـّي، رأيت يديّ اللتين كانتا مرفوعتين تضرعا، رأيتهما وهما تنفصلان من الكتفين مثل حمامتين وترتفعان نحو الأعلى، ثم ترفرفان بأجنحتهما، لتغيبا عن ناظري بين الأغصان الكثيفة المتأرجحة.

2ـ الناسك

أزّ الباب الخشبي، وامتدّت لحية ناصعة البياض عند أقدامنا فألقت ضوءا على هيئاتنا وهي تلمع في العتمة. مشينا فوقها حتى وصلنا إلى كوخ. كان جذعا شجر ممدودين على الأرض بمثابة كراسي للجلوس. بعد أن قبـّلنا يد الشيخ، بدأنا نخلع ملابسنا. ودون أن يعيرنا أي اهتمام، تراجع هو نحو زاوية جلس فيها وشرع يضبط أوتار كمانه البالغ القدم، والذي كانت تتساقط منه دموع كبيرة من الشمع.

3ـ الفراشات

ـ مراقب الحدائق قادم.. قال صوت جهوري

فطارت الآف الفراشات عبر الأسيجة، طارت دفعة واحدة فوق الأغصان العارية، وبدأت تتظاهر بأنها مجرّد أزهار ما زالت تنام خالية البال على الأرض.

4ـ الحديقة

بينما كنت أرتقي الطريق الترابي البائس، والذي كان يضيق ويصعد نحو الأعلى كلما تقدمت، ظهرت أمامي الحديقة، وسلـّم يقود إلى الكشك ذي الأزهار الزرقاء، كانت درجات السلم من الحجر الشفاف الذي تعوم داخله أوراق شجر، وألوان بديعة، وبضعة من حروف الهجاء.

5ـ الدبّ

كان القروي محمود جيلان الذي من ملطية يعبر الغابة الكثيفة لقطع الأخشاب، والتي كان يحمّلها على دابته. ولكن حمل الخشب انقلب من فوق الدابة في مكان ما من الغابة، وشرع القروي في تحميل الدابة للمرة الثانية ذلك اليوم.

وفجأة.. ظهر دب بالغ الضخامة، تأمل الدبُ القرويَ قليلا وهو يضع الخشب على ظهر الدابة، ثم إقترب منه وشرع يساعده في جمع الأخشاب المتناثرة. كان يجمع الأخشاب ويسلـّمها للحطاب، والذي كان يتلقاها من الدب ويرتبها على ظهر الدابة. وعندما إنتهت عملية تحميل الدابة، بدأ الدب يبتعد عن محمود التعيس الذي أتخذ له وجهة معاكسة تماما. وقبل أن يبتعد كثيرا، غمره الرعب عندما أحس بأن الدب يجري خلفه، وشعر بأن أجله هو الذي يقترب منه. غير أن الحطاب غمرته الدهشة، عندما رأي الدب يقترب منه ليعطيه غصنا صغيرا كان قد نسيه وهو يحمّل حطبه على دابته.

بعد ذلك.. إبتعد الدب بهدوء كامل.. !!

6ـ على الجسر

كنت مستلقيا على وجهي فوق الجسر الصغير، وتحت الأرضية الزجاجية، كان نبات خبيز أزرق كبير يشع عبر الحقل الأبيض، وكانت الخراف تحني رؤوسها على الجذور وتلعق الثلج الذي كان يغطيها. يمر من أمامي حارس الحقول الذي كان يعتمر قلنسوة ويلبس في قدميه حذائين غليظين، وهو يتمتم نفس الجملة دونما انقطاع، كما لو كانت صلاة من الصلوات: “العصافير هي قشرة شعر الأشجار”.

7ـ دخان

كنت مستلقيا على مقعد صالون قديم وعميق، وفيما كانت يدي تتحسس قماش المقعد، دخلت أصابعي في فتحة بدون سحّاب ولا مسامير، حتى وقعت على شيء لين الملمس.

ـ خضار.. لها أوراق رطبة ـ فكرت.. !

تراجعت إلى زاوية المقعد لأرى ما كنت ممسكا به. لم يكن خضارا مثلما اعتقدت.. ولكن أوراق تبغ جعدة طريّة كما لو كانت قد قطعت لتوها.

ـ عجيب.. كيف وجد هذا التبغ هنا.. ثم أيّ تبغ هو.. يانع الخضرة.. !؟

أخرجت كمية من الأوراق عبقة الرائحة من الفتحة.

ـ منذ كم سنة لم أدخن الغليون ـ فكرت.. ثم تساءلت ـ ترى كيف عنّ لي أن أملأ ركبتيّ بهذا التبغ.. ؟!

الحقيقة أنه يبدو رائعا وبلون لم أره من قبل.. لن أخسر شيئا إذا جربت ودخنتُ منه.

سمّرت عينيّ على الباب حتى لا يفاجئني أحد ما، وشرعت أملأ جيوبي بالدخان.

8ـ مذبحة

خرجت من قنّ الدجاج وأنا مليء بالريش، الكثير منه دخل تحت قميصي وبدأ يدغدغ ظهري. ديك صغير تكمّش مرتعشا على ساقيه المتوترتين، ثم صفق بجناحيه صائحا على نحو مفجع. أتيت به إلى جذع الزيتونة قرب نبع الماء، فرأي صورة نجمة الصباح للمرة الأخيرة وهي تنعكس مرتعشة على نصل السكين، قبل أن ينبجس دمه حارا فيلطخ يديّ، ويطلق على حاجبيّ خرية كبيرة من مؤخرته، فشعرت بالتقزز حتى أنني أطلقته نصف مذبوح وهربت عبر الحقول المهجورة.

9ـ رؤيا

صارعت الموج لساعات قبل أن تنهار قواي، ويظهر أمامي فوق صخرة من صخور البحر بيت بالغ القدم، ولم يلبث أن صاح صوت مدوّ كالرعد:

ـ مرحبا بك أيها الغريق في محجر المصابين بالطاعون.

10ـ النوم

الريف مغطى بالثلج.. أعبر الجسر الخشبي فوق النهر المتجمد، وقد نبتت أعشاب بين الألواح المكسورة. لفتت إنتباهي جلبة صادرة من بين أوراق شجرة الأرز الضخمة التي لا مست أغصانها سياج الجسر، تشبه صوت دوران بكرة صغيرة. إقتربت من الشجرة، فرأيت طائرا سمينا نائما بلا ساقين، في حين كان جفناه مغلقين. وبالرغم من نومه العميق، كان معلقا بمنقاره من غصن من أغصان شجرة الأرز، فيما كان جناحاه يتحركان على نحو يوحي بأنه كان يطير بالفعل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نوداس (إبامينونذاس) غوناتاس (1924- 2006) أحد الكتاب السيرياليين اليونانيين، جاءت عائلته من (آي فالي) غرب آسيا الصغري على شواطئ إيجة، ورغم أنه كان بها عدد ممن اشتغلوا بالسياسة، لم ينتم هو لأي جناح أو حزب سياسي. القصص المترجمة هنا من مجموعة (الهوّة- 1963).

مقالات ذات علاقة

خيارات متعددة

مأمون الزائدي

أُمنية… و بئر قديم.

عطية الأوجلي

قصة إعصار 1944

مأمون الزائدي

اترك تعليق