دراسات

عروض الخليل بين ناقديه،الجزء الأول

لم يكن العروض الذي وضع قواعده أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي بمنأى عن جدال ومحاكمة النقاد المعاصرين، شأنه في هذا شأن أي موروث ثقافي وأدبي طال عليه الأمد، واختلفت فيه الأذواق والأفهام، ففي القرن الماضي وأثناء الجدل الذي عُني بقضايا الإطار الموسيقي للقصيدة العربية الحديثة استأثرت قضيتان من قضايا العروض باهتمام عدد من النقاد .

القضية الأولى هي القول بمناسبة الوزن لموضوع القصيدة، وهي قضية اتخذت طابعاً جدلياً هادئاً، التقطها نقاد العصر من إشارات النقاد القدامى لها في كتاباتهم ، ثم توسعوا فيها، واختلفوا بشأنها ما بين مؤيد ومعارض لها .

والقضية الثانية تُعَدُّ محاكمة لعروض الخليل، أثارها عدد محدود من الشعراء والنقاد الحداثيين ليؤكدوا بها عدم صلاحيته لاستيعاب مضامين العصر الحديث والتعبير عنها، بحجة أنه إطار موسيقي جامد وصارم، كثيراً ما يدفع الشاعر دفعاً إلى الحشو وتمطيط الكلام واجتلاب القافية لأجل إتمام البيت.

أولا/ مناسبة الوزن لموضوع القصيدة:

أدرك النقاد القدامى ما للوزن من أثر في بنية القصيدة وفي ذائقة متلقيها، فوضعوا له شروطاً من بينها : أن يكون لذيذاً، عذب القافية، خفيف الأعاريض، حلو الضروب.(1)

غير أن نفراً قليلاً من هؤلاء النقاد زاد على هذه الشروط شرطاً آخر، وهو أن يكون الوزن مناسباً وملائماً لمضمون وفكرة القصيدة، فابن طباطبا العلوي خلال حديثه عن مراحل نظم القصيدة قال: ((فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثراً، وأعدَّ له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه ، والقوافي التي توافقه، والوزن الذي يسلس له القول عليه)). (2)
كذلك ارتأى أبو هلال العسكري أن من أراد نظم قصيدة عليه أن يطلب لها (( وزناً يتأتى فيه إيرادها، وقافية يحتملها ، فمن المعاني ما تتمكن من نظمه في قافية، ولا تتمكن منه في أخرى)). (3)

يُفهم من نصيْ الناقديْن العلوي والعسكري أنهما يتصوران أن لكل وزن شعري موضوعه المناسب له، وأنه ينبغي للشعراء مراعاة هذا التناسب، دون أن يذكرا ما الموضوع المناسب لكل وزن من الأوزان الستة عشر.

ومن المؤكد أن رؤيتهما لمراحل نظم القصيدة تتوافق مع مفهوم الصنعة الذي كان سائداً في عصرهما، ولكنها لا تتوافق مع الواقع الشعري أو واقع الإبداع بصفة عامة، فليس ثمة شاعر حقيقي في العصور الخوالي وفي عصرنا هذا قصد أو تعمد نظم قصيدة على وزن كذا من الأوزان موافق للتجربة أو الفكرة التي أراد التعبير عنها، لأنه أصلاً ليس في ذهنه تصور مُعَد عما يناسب الأغراض الشعرية من أوزان.

إن القصيدة لا يُخطط لها هذا التخطيط المتصنع الذي تصوره الناقدان ومن لفَّ لفهما، لأنها ليست صنعة كالتي يقوم بها المتشاعر والمتدرب على النظم والملحن الموسيقي الذي يركِّب الألحان على الكلمات، فالشعر إلهام شعوري ونتاج تفاعل وجداني يختمر زمناً في الذات الشاعرة، ثم يخرج على شكل بيت واحد أو عدة أبيات أو سطور بوزنها وصورها وأخيلتها، ليتولى الشاعر بعدئذ تنقيحها.

وإذا كان ذانك الناقدان قد اكتفيا بالإشارة إلى ضرورة التناسب بين وزن القصيدة وموضوعها فإن ناقداً آخر جاء بعدهما وهو حازم القرطاجني توقف عند هذه القضية قليلاً في كتابه ( منهاج البلغاء )، محاولاً في فصل سماه ( بناء الأشعار على أوفق الأوزان) الاستدلال على صحتها، فقال: (( لما كانت أغراض الشعر شتى، وكان منها ما يُقصد به الجد والرصانة، وما يُقصد به الهزل والرشاقة، وما يُقصد به البهاء والتفخيم، وما يقصد به الصَّغار والتحقير، وجب أن تحاكي تلك المقاصد بما يناسبها من الأوزان ويخيلها للنفوس، فإذا قصد الشاعر الفخر حاكى غرضه بالأوزان الفخمة البهية، وإذا قصد في موضع قصداً هزلياً أو استخفافياً، وقصد تحقير شيء أو العبث به، حاكى ذلك بما يناسبه من الأوزان الطائشة القليلة البهاء، وكذلك في كل مقصد، وكانت شعراء اليونانيين تلتزم لكل غرض وزناً يليق به، ولا تتعداه إلى غيره، وهذا الذي ذكرته من تخييل الأغراض بالأوزان قد نبَّه عليه ابن سينا في غير موضع من كتبه)). (4)

من الواضح أن القرطاجني استدل على صحة موقفه بحجتين:

الأولى أن تعدد الأغراض الشعرية يعني أن لكلٍ منها وزنه المناسب الذي لا ينبغي للشاعر تجاوزه، فلولا تعددها لما تعددت الأوزان، ولكان وزن واحد يغني عنها جميعها، لذلك من المنطقي أن يكون لكل وزن موضوع مناسب له أكثر من غيره، ولكن واقع المدونة الشعرية العربية على مدى تاريخها يبطل هذه الحجة، فليس ثمة وزن اختص بغرض أو موضوع واحد.

والحجة الثانية أن شعراء اليونان كانوا يختارون لكل غرض وزناً معيناً، والحق أن أرسطو قد يكون أول من قال باختصاص كل وزن بموضوع معين، ففي خلال حديثه عن الملحمة عيَّن لكل وزن من أوزان الشعر اليوناني موضوعاً مناسباً له، وعنه نقل هذه الفكرة الفلاسفة المسلمون كابن سينا وابن رشد والفارابي.(5)

ويمكن القول إن هذه الفكرة لم تستوقف النقاد القدامى طويلاً ولم تبرز قضيةً نقديةً إلاَّ في هذا العصر، حيث قام عدد من النقاد بدراستها وتحليلها من خلال دراسة بعضهم لأوزان الشعر العربي واستقراء أغراضها، وكانت نتيجة هذه الدراسات بروز اتجاهين متعارضين، اتجاهاً يقول بالتناسب بين الأوزان وأغراضها ، وآخر ينفيه.

إن القائلين بالتناسب يمثلهم نفر قليل من الأدباء والنقاد أبرزهم سليمان البستاني(6)، وأحمد أمين(7)، ومصطفى صادق الرافعي الذي حاول الاستدلال على صحة رأيه بقوله: ((وإذا أنت اعترضتَ شعر الجاهلية فإنك ترى كل بحر من البحور مخصوصاً بنوع من المعاني، فالطويل وهو أكثر الأوزان شيوعاً بينهم إنما اتسع لتفرغ فيه العواطف جملة، فهو يتناول الغزل الممزوج بالحسرة والحماسة التي يخالطها شيء من الإنسانية، والرثاء الذي يتوسع فيه بقص الأعمال مبالغة في الأسف والحزن، ويتصل بذلك سائر ما يدل على التأمل المستخرج من أعماق النفس كالتشبيهات والأوصاف ونحوها، وبالجملة فإن حركات هذا الوزن إنما تجري على نغمة واحدة في سائر المعاني،وهذه النغمة تشبه أن تكون حركة الوقار في نفس الإنسان ، بخلاف الكامل، فإن كل ما يحمل من المعاني لا يدل إلا على حركة من حركات النزق في هذه النفوس)). (8)

ولا يخفى أن هذا الرأي إنما هو استنساخ لرأي القرطاجني، وما يضعف من قيمته هو الخلط الذي وقع فيه الكاتب، فهو من جهة أقرُّ أن وزن الطويل اتسع لموضوعات وأغراض شتى كالغزل والرثاء والحماسة وغيرها، لكنه من جهة أخرى زعم أن لهذه الأغراض نغمة واحدة هي الوقار، وكذلك هو حال وزن الكامل الذي نعت نغمته بالنزق، ولا شك أن نعت وزن شعري أو قطعة موسيقية بالوقار أو النزق أو غيرها من النعوت القَيْمية والأخلاقية خارج عن مجال الفن والإبداع.

ولم يبعد موقف الدكتور عبد الله الطيب المجذوب عن موقف الرافعي كثيراً، وإن بدا أكثر منه ومن غيره من نقاد العصر حماسة واقتناعاً، ففي الجزء الأول من كتابه (المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها) الذي خصصه لدراسة الأوزان والقوافي، نفى نفياً قاطعاً أن يكون أي وزن من الأوزان يصلح لأي غرض من الأغراض الشعرية، محتجاً كالقرطاجني بأن تعدد واختلاف الأوزان يعني بالضرورة أن لكل منها غرضه الخاص، وإلاَّ كان وزن واحد يغني عنها كلها ، وتساءل: (( وهل يتصور في المعقول أن يصلح بحر الطويل الأول للشعر المعبر عن الرقص والنقزان والخفة؟)). (9)

وهذا سؤال غريب حقاً، لأن لا أحد من خبراء الشعر ومتذوقيه يعرف أن ثمة شعراً يعبر عن الرقص والنقزان أو يعبر عن الوجوم والسرحان، فالشعراء ليسوا كتَّاب أغاني يكتبون الشعر لأجل الغناء به والرقص عليه.

وفق هذه الرؤية شرع الدكتور المجذوب في تحليل جميع أوزان الشعر وفي تحديد الموضوعات التي تناسبها، وقد خصَّ بعضها بنعوت غريبة ذات دلالة قيْمية وأخلاقية، حيث نعت بعض الأوزان القصيرة مثل منهوك البسيط ، ومجزوء المتقارب، والمضارع ، والمقتضب بالشهوانية، لأن موسيقاها في رأيه ((لا تكاد تصلح إلاَّ للكلام الذي قُصد منه قبل كل شيء أن يُتغنى به في مجالس السكر والرقص المتهتك المخنث، ولو تأملتها جميعاً وجدتَ في نغمها شيئاً يشعر بالشهوانية، ولسمعتَ من نقرات تفاعيلها موسيقا ذات لون جنسي)). (10)

لكن استقراء وزن واحد من الأوزان الستة عشر وتتبع الأغراض المختلفة التي نُظمتْ فيه على مدى تاريخ الشعر العربي سيكشف أن رأي الدكتور المجذوب ومن قبله الرافعي والقرطاجني وغيرهم كان استنتاجاً خاطئاً وانطباعاً وقتياً، لا يمكن الاعتماد عليه في إثبات صلة نسب حقيقية لوزن من الأوزان بموضوع ما.

وقد تبنى هذا الرأي عدد من النقاد المعاصرين من بينهم الدكتور إبراهيم أنيس، والدكتور محمد غنيمي هلال، والدكتور محمد مندور، والدكتور شكري عياد، والدكتور عز الدين إسماعيل والدكتور يوسف حسين بكار وغيرهم. (11)
لقد تتبع الدكتور إبراهيم أنيس في كتابه ( موسيقى الشعر) الأوزان الشعرية وموضوعاتها ونِسب استخداماتها، وانتهى إلى اليقين بأن الشعراء القدامى (( كانوا يمدحون ويفاخرون أو يتغزلون في كل بحور الشعر التي شاعت عندهم، ويكفي أن نذكر المعلقات التي قيلت كلها في موضوع واحد تقريباً، ونذكر أنها نظمت من الطويل والبسيط والخفيف والوافر والكامل، لنعرف أن القدماء لم يتخيروا وزناً خاصاً لموضوع خاص )). (12)

ووفق ما تقدم يمكن التأكيد أن الصلة بين وزن القصيدة وموضوعها إنما هي صلة عشوائية غير مقننة لا يفتعلها الشاعر ولا يعمد إليها وفق فلسفة معينة أو رؤية خاصة، فالأوزان بالنسبة إليه إنما هي أوعية إيقاعية تتسع لشتى المضامين ومختلف المشاعر، مع أنها ليست سواء في بنيتها ومكوناتها، وذلك بسبب اختلاف عدد التفعيلات في كل منها، واختلاف نِسب المسافات الزمنية الفاصلة بين المتحركات والسواكن من حروفها، وكذلك اختلاف سرعة تردد الإيقاع بين وزن وآخر، وما يمكن أن تدل عليه هذه السرعة.
_______________________________________
(1) يُنظر: على سبيل المثال:العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، ابن رشيق القيراوني،تح محمد محي الدين عبد الحميد ،دار الجيل، بيروت ، ط5 ، 1981م ، ج 1، ص 140.
(2)عيارالشعر،ابن طباطبا العلوي، تح محمد زغلول سلام، منشأة المعارف بالإسكندرية، ط 3، 1984م،ص 43.
(3)كتاب الصناعتين، أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري، تح علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، ط1، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1952م، ص 139.
(4) منهاج البلغاء وسراج الأدباء، أبو الحسن حازم القرطاجني، تحقيق الدكتور محمد الحبيب الخوجة ، دار المغرب الإسلامي، ط 5، 1981م، ص 266.
(5)يُنظر: بناء القصيدة في النقد العربي القديم ،الدكتور يوسف حسين بكار، دار الأندلس، بيروت، ط 2، 1983 م، ص 164.
(6)يُنظر : مقدمة الإليادة ، سليمان البستاني، مطبعة الهلال بمصر، 1954م ، ص 91 ، وما بعدها.
(7)يُنظر:النقد الأدبي، أحمد أمين، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر،ط 3، القاهرة، 1963م، ص 90.
(8 تاريخ آداب العرب، مصطفى صادق الرافعي، مطبعة الاستقامة، القاهرة ،ط2،ج3، 1954م ص 12 ـ 13.
(9)المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، الدكتور عبد الله الطيب المجذوب، لا ط،ج1، ص 74.
(10) المصدر نفسه، ص 90 .
(11) يُنظر: بناء القصيدة في النقد العربي القديم، في ضوء النقد الحديث، الدكتور يوسف حسين بكار، ص 166.
(12) موسيقى الشعر ، الدكتور إبراهيم أنيس ، دار القلم، بيروت ، ط 4 ، 1972م ،ص195.

 

مقالات ذات علاقة

كنت مسلماً.. دعوة للتحرر من الكهنوت الإسلامي

عبدالمنعم المحجوب

ليبيا واسعة – 39 (كـويِّـس)

عبدالرحمن جماعة

قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (2/7)

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق