قصة

عرق / سهوة

عِـــرق

– غير معقول..!

مسّها ذهول مفاجئ ، تسلق ملامحها بسرعة مباغتة ، فيما أصابعها الرقيقة تتقافز على ذراعي بحثاً عنه..

– كيف يحدث هذا..؟! أليس لك وريد..؟!

رأيتها تسحب جسدها صارخةً بالطبيب قبل أن ترتطم بباب الغرفة وتقع.. أسرعت أحاول انتشالها، لكن دوخة مباغتة داهمتني فكدت أقع بجانبها لولا ذراع أحدهم تمتد فتمسكني.. حملوها إلى غرفة مجاورة ، ومددوني على السرير الأبيض بانتظار مجيء الطبيب..

كانت غيوم ودوار طفيف… تحلقت الفراشات البيضاء حول عينيّ.. سألت عبر كثافة البياض الخانق: “كيف هي..؟!”، أجابني صوت بلا ملامح: لا يزالون يبحثون.. اختفى وريدها فجأة..!

حين أطلق الطبيب استغرابه ، انتفضت الفراشات البيضاء من حولنا ، وسمعت أصوات ارتطامهن بالأبواب ووقوعهن ، ثم صرير أحذية مهرولة.. ويزداد احتشاد الوجوه الغائمة في دائرة الضباب..

الهمهمات تتصاعد ، الكل يغمغم بذهول ، ركض ، جلبة ، يعلو الضجيج في الممرات ، وأصوات الارتطام…

صرخات مبتورة..

الفزع يشهق في الردهات المكتظة بأكداس الرجال والنساء ، صرقعة أبواب ، ثم.. ارتطام عنيف ، ركض ولهاث ، وتنبثق صرخة مجلجلة تمزق غشاوة الذهول: سقط الطبيب..!!

فجأة ، ينقشع الضباب ، ويسفر وجهها عبر كثافة البياض الخانق.. تبتسم في خفوت ، فيرتجف بداخلي مسّ مباغت.. يتقافز العرق الأخضر تحت الجلد ، ينبض نافراً ، تغرز إبرتها ساحبةً الخثار الأسود ، فيما كل شيء يرتخي بداخلي ويغزوني الارتياح..!

سـهـــوة

نظر في عينيها.. (كان الله يبتسم له هناك)..

– متى تتوقف عن هذا الجنون..؟

نظر في عينيها.. (كانت غيمتان تعبران فضاءهما العذب ، وطفل يستلقي ضاحكاً على كتف القمر ، فيما تعبث أصابعه بأطراف النجوم).

– متى تتوقف..؟ ألم تدرك بعد أنني أحبك وحدك ، وأن من تتحدث عنهم ليسوا سوى طفيليات.. رخويات ، أقزام ، وجوه بلا ملامح تعبر حولي ولا أعيرها أي اهتمام…!

نظر في عينيها.. (كان ملاكان صغيران يرتكبان الوشوشة ويتهامسان ، ثم يكركران ضحكات رائقة تشبه رقرقة ماء يجري في جدول).

– لماذا لا ترد علي؟ أنت مجنون فوق العادة! جنونك لا يشبه شيئاً.. أنت مجنون خارج نطاق الاصطلاح المألوف والفهم المتداول!

تبتسم بمكر.. ينظر في عينيها.. (حدائق الله ، النهر والعنب والحمامات وفوح عرائش الياسمين و… يتكئ الطفل على سرير من نور ، فيما تعدو هي ضاحكة وراء أسراب النوارس البيضاء والفراشات الملونة..)..

– أحبك وحدك ، تعلم هذا.. لكنك تؤذيني أحياناً بجنونك..!

أطرقت بحزن.

واصل سفره الشهي في ملكوت العينين ، فيما صرخت هي بعصبية مفاجئة:

– لماذا لا ترد علي!

– نعم.. نعم.. أنتِ هنا…!

مقالات ذات علاقة

أزهــــــار المستـودع

محمد العنيزي

الـمـيــدان

عزة المقهور

أمنية بعيدة

المشرف العام

اترك تعليق