تاريخ

عبود بك والرحلة الدانتية، وعمر المختار


على صفحات جريدة العدل بطرابلس بدأ “عبود بك أبي راشد” عام 1928 نشر فصول من ترجمته العربية لكوميديا دانتي آليغييري، إحدى أشهر ملاحم الآداب الأورُبية، وأقدم أثر أدبي رفيع باللغة الإيطالية.
وعام 1930 طبع الجزء الأول (الجحيم) من الملحمة التي اختار لها معربها عنوانا ظريفا هو: الرحلة الدانتية في الممالك الإلهية.
وكانت مقدمةُ المعرب التي كتبها في درنة مؤرخةً بيوم 25 يوليو 1926، وهو مايعني أن نشرها في كتاب تأخر نحو أربع سنين إن صح أنه كتب المقدمة بعد الفراغ من الترجمة.

كما جاء في ثبت المؤلفات المطبوعة والمخطوطة للمعرب في آخر المجلد أن من بينها المطهر والنعيم، جزءا الكوميديا الثاني والثالث.
عام 1933 اكتمل نشر الملحمة المعربة بصدور الجزء الثالث (النعيم). وقد طبعت الأجزاء الثلاثة بمطبعة مادجي الشهيرة قرب مدرسة الفنون والصنائع. وكانت تلك أول ترجمة عربية لها عن اللغة الأصلية إن لم تكن الأولى كاملةً على الإطلاق. وأهدى المعرب نسخة من عمله هذا بنفسه إلى موسوليني.

تجنس “أبي راشد” بالجنسية الإيطالية، ونال رتبة كوالير، وفضلا عن عمله في القسم السياسي ببرقة مديرا لدائرة الترجمة، فقد أسدى لإيطاليا خدمات استعمارية منها أنه أرسل عام 1925 رسالة باسمه إلى عمر المختار استهلها استهلالا طريفا:
“من عبود بك أبي راشد العربي الغساني أصلا، واللبناني مولدا، والخولاني مسكنا، إلى السيد عمر المختار”. وقد دعاه فيها إلى إراحة البلاد مما أصابها بسبب المقاومة، والتسليم بأن إيطاليا قوة لا سبيل إلى قهرها.

ورد المختار عليه برسالة استهلها بقوله:
“من نائب الوكيل العام عمر المختار إلى الترجمان عبّود بيك أبو راشد سلامٌ على من اتـبع الهدى وخشي عواقب الردى وأطاع الملك الأعلى ربّ الآخرة والأولى. لولا وجوب رجوع الخطاب لا أخاطبكم. أتى رقيمكم المؤرَّخ في 26 من صفر، وما ذُكِـرَ به علمناه”.
ثم أخذ المختار يرد على خطابه فقرة فقرة، ردا صارما بدت فيه جلية عقيدته الوطنية والقومية والدينية، بانسجام تام بين عناصرها الثلاثة. ومن رده قوله:
” فلتعلَمْ أن حكومتَك هذه لها مدة خمس عشرة سنة وهي آتية لخيط طرابلس وتحارب فيه، والقوة التي أتت بها في أول الحرب الآن ليس لديها منها العشر. والوطن من أول الحرب لم يستعن بإعانة خارجية إلا من الوطن نفسه. وبعون الله وقوته إلى الآن مكدرون صفو جنود إيطاليا في جميع نقطهم. ورجال الوطن لا يتركونهم بحول الله وقوته حتى يطهروه من أدرانهم أو يضحوا عن آخرهم لا سمح الله. وذلك هو مرامهم، التضحية في سبيل الله والوطن”. اهـ
وقد جاء ضمن ثبت مؤلفات أبي راشد غير المطبوعة أن له ترجمة لرسالة أبي زيد القيرواني في فقه المالكية إلى الإيطالية، وكراسة إيطالية بعنوان” الإسلام ” تحوي قواعد أساسية في الفقه الإسلامي ( يزعم أنها على المذاهب الأربعة)، وكتاب في مختصر تاريخ الطليان، وكتب لتعليم القراءة بالإيطالية والعربية، واكتاب في النحو الإيطالي اسمه الجراماطيق، وكتاب في الصلوات المسيحية على الطقس الماروني.

_______________________________
ولد عبود أبي راشد في وادي الشحرور بلبنان عام 1870، وتعلم في المدرسة الملكية الإيطالية ببيروت، وهو مؤسس المطبعة الشرقية. وعام 1901 أسس جريدة النصير التي عارضت يوسف فرَنكو باشا الحلبي متصرف جبل لبنان، وكانت لسان حال جمعية أرزة لبنان. ومن أشهر محرريها الناقد اللبناني ذائع الصيت مارون عبود وشاعر الأرز شبلي الملاط. وكانت مديرتها اليومية أخته الأديبة سليمة أبي راشد صاحبة مجلة فتاة لبنان.
استدعته إيطاليا للعمل في ليبيا بعد أن خدم فترة في قنصليتها ببيروت مستشارا.
وإن لم تنقطع إقامته في ليبيا فإنه يكون قد عاش فيها أكثر من ربع قرن، فقد أتاها قبيل الحرب العالمية الأولى، وقابله توفيق حبيب الشهير بالصحفي العجوز في مقر جريدة العدل بطرابلس عام 1938، وكان آنذاك موظفا بالمالية لدى حكومة ليبيا الاستعمارية.
توفي أبي راشد عام 1955.

مقالات ذات علاقة

صهاريج المياه الأثرية في طلميثة

المشرف العام

صورة من بلادي

المشرف العام

ليبيا 21 – عمان 0

بدرالدين المختار

اترك تعليق