المقالة

عبد المطلب الجماعي.. صبرنا لحكم الله

شمس الهجير والسراب. الفيافي تمتد والفجاج بلا انقطاع. ريح القبلي والرمال. النعام والودان. الآكام والمرتفعات. أحيانا عطش. أحيانا حنين إلى استقرار وثبات. لكن كل الوقت حركة لاتهداْ. شعاب ووديان. بقايا سيول أمطار. خيول وإبل. ومراتع. الحندقوق والطلح والرتم، والسراب في الأبعاد يخدع الرائين خلال ظهائر الأيام، ثم سكون في الليل ونار المجامر. عواء الذئاب وصوت الضباع.

ومع النهار. جموع وقوافل، وشعر يهتف في أعماق الصحراء. ارحم بوي خلاني هواوي.. كيف النجم في قلب السماء. ذلك صوت عبد المطلب طرشلو الجماعي من بين الجموع تحت الشمس وعلى حواف الصحراء. اعتزاز بالنفس وثقة لا حد لها. حجارة سوداء وتلال تبتعد وتقترب. ذلك صوته اْيها التاريخ وسط المنطقة الوسطى.. بينها وبين الجفرة. عبر القاف والسودا والهروج. لايتوقف عبدالمطلب عن الهتاف بالشعر. سبقه ابن عمه.. بن شنيشنه الجماعى. ومع قنانه تلازم شعره.. وتشابه نظمهما.. عبدالمطلب وقنانه إلى درجة عدم التمييز أو الفصل بين مايقولان. تلك فترة القره مانلى.

قنانه فى الزيغن ثم فى السراي الحمراء عند البحر فى طرابلس. وأنت فى الصحراء بعيدا. القضية. الحنين إلى الوطن. مغادرة الوطن. الشعر والوطن يتلازمان مثلكما. والقبيلة والحرب. التخاصم والتنازع.. من أجل ماذا.. ياعبدالمطلب؟ هل هو التوق إلى الحرية؟!.

عبدالمطلب يا صوت الصحراء. ارحم بوك.. على من تقراْ مزاميرك. إلى من تقول الشعر. إلى من تنظمه.. لا حبيبة. لا عشيقة تتجلى مع القمر والغزل فيها. كله فى الحرب والثاْر والفخر. بنادق بوصوانه. وسير القوافل والأدلة في جوف الفلا. الصدى يتجاوب فى الغرود البعيدة.. والقريبة. وعبدالمطلب يردد.. (احنا فى سرت يانبغوا نهار..). اْين النهار ياعبد المطلب في هذا الليل الطويل. في هذا التوحش.. في هذا الظلام. ياعبد المطلب.. اْين انت. اْين سرت. واْين تسير القافلة. اْين صدى الشعر. اْين محطة الرمال القادمة.. في زله. في ودان. في القصير. لا.. ليس الآن في كل ذلك. في مصر.

هناك في مصر.. عند النيل حيث ثيران الوسى.. أنت مع خالك بوخزام اللهيوى. يقتل فى ظروف غامضة.. حزن وأسى وفى الصدر كمد وضيق.. وما باليد حيلة. والشعر لاينطق. كان ذلك زمن الخديوي عباس باشا الأول.. منتصف القرن التاسع عشر. رحيل فى زمن الترك بعد ثورة عبد الجليل. قطع الأتراك راْسه وشقيقه سيف النصر وعلقوهما على القلعة في طرابلس. بينما ووري جسداهما فى القاره. كانت تسمى قارة البغله. أضحت تسمى قارة عبد الجليل. وأنت ياعبد المطلب تعرف المنطقة.. تعرفها تماما. إنها تقع في نواحي وادي بي إلى الشمال الشرقي من بونجيم.

بعد ثورة عبد الجليل.. تلجاْ وخالك إلى مصر. الخوف من الترك.. من قطع الرؤوس وتعليقها بعد المشاركة في تلك الثورة عليهم. مظالم وضرائب باهظة. هروب وعودة محملة بالحزن والأسى. ظل الخال في قبره على الضفاف. وأنت رجعت تقول. (سلامات نرقوا للجبل ياراسى…. سالمين قبل يحوزنا نصناصي) (تركناه وطن الجد وقت جفانا… يابال وطن الريف ياعباسي)…

ذلك حجاج السلوم.. كان لنا!!.
الهضبة المرتفعة وخلفك أبعاد مترامية الأطراف ولا صوت يتردد فى الآفاق.. في الصحراء غير.. ارحم بوي خلانى هواوي.. كيف النجم في قلب السماء. وحيدا ياعبد المطلب. دون خالك العزيز عليك. الأثير لديك. هروب من الأتراك في الوطن. ثم هروب من سلطات الخديوي في المحروسة المجاورة بعد مقتل الخال. هجوت الخديوى. هذا ماقدرت على فعله. الصدمة قوية.. كان عزيزا غاليا.. يسكن قلبك. عزيزا مثل أباطح المنطقة الوسطى ووادي زمزم ومرتفعات الرواغه. مثل فسحات هراوة.

والآن. يستقر الجسد الضعيف الذي أنهكه الرحيل والشعر والحرب والملاطم والقلق. أنت على قلق دائم كاْن الريح تحتك. المستقر في ودان. عند قلعة طوزه. الفقر إلى الدرجة الحادة.. (لا إبلا وسقت).. لاغزوة غزوت. لاحربا شاركت. تحول في حياتك.. من البداوة إلى الاستقرار. زرع النخيل..! وارتباط جليل بالنخل والعراجين والتمر.. (كيف الجنين واجد يعز علي).. هكذا هتفت. الربط بين الولد والنخلة. كانت الناقة.. كان حوارها. أنت تعف عن أكل لحوم الإبل. اليوم النخلة وعراجينها. تعلو في السماء.. أهل الاستقرار اعتبروك دخيلا على مهنتهم.. بدوي مع النخل.. لايصح. هم ملاك للنخيل وأنت بدوي بطبعك لاتعرف عن زراعته وأموره شيئا.. لاتعرف فسائله وأنواعه.. الدقله. الصعيدى. الخضراي.. الابل.. وغيره. هجوك مع أخيك قحواط. سخروا منكما.

لكنه التحدي والمغامرة. حرب جديدة من نوع آخر تفوز فيها أيضا. ثم العجز عن القوت. حيلة أخرى. تعدم النخل العزيز.. تشرب اللاقبي وتقول الشعر. مع الشعر واللاقبي تصفو الأجواء ويحدث التجلى. مناجاة في القصير عند أطراف هون لأطوار الحياة القديمة ومراحلها فى البادية.. أيام الغنى والثروة.. الهروب إلى مصر.. وحروبك في صحراء سرت وبني وليد. الشعر والبارود.. ثم السلام. لابد من اندلاع السلام مثلما تندلع الحرب.

ومع أنك تقراْ وتكتب. اضطررت فى لحظة قاسية إلى هجر القول. وترك الشعر. لماذا؟. (تركت القول القيت ماو زمانه. عرفته رخيص منقصين اثمانه). الكلمة غالية. الكلمة مبداْ. والحرف عشق. والشعر قضية. فإلى اْين المستقر.. والمفر يا صوت الفلاة الموحشة.

بعد النخل واللاقبي. حكمة بالغة تقولها (كبرنا وباب الكبر بان علينا. وكل يوم للناقص ورا ولينا) كلمة الحياة. حكمة الحكيم. عبرة الأيام والزمن. تلوح التجربة وتنهض. ثم الصبر. (صبرنا لحكم الله غصبا عنا.. ودرنا لهن لايام كيف يبنا). أجل ياعبد المطلب. مثلك غصبا عنا. والصوت والشعر والقلق.

لكن من يسمع ياعبد المطلب ؟!

______________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

عالم “أحمد يوسف عقيلة”.. “خراريف ليبية” لا تنتهي

المشرف العام

حقول الحرية

فاطمة غندور

كانوا ثـلاثة أخوة وفقـط

سكينة بن عامر

اترك تعليق