النقد

عبدالله القويرى.. سيرة صاحب الكلمة

الأركيولجي “عبدالله القويرى” قد يكون الكاتب الليبي الذي شكلت حفرياته هوية الباحث في معنى الكيان؛ في مفهوم الهوية، الذي تشكل فكره في حالة من قلق فكرة الذات عن  نفسها، ولكن هذا القلق الذي شيع الروح ووسم إخلاصه لمقولة الجوهر هو ما شكل أطروحته النظرية كأطروحة مغلقة يقينية ونهائية في النتيجة. وهكذا تظهر هذه الأطروحة الهوية كمفهوم عار من الدلالة ومطلق ويكسب مبررات وجوده من متعال، فالهوية كامنة في الوجود ومتحققة بالقوة، كيف تم ذلك؟.

بمراجعة لكتابات عبدالله القويرى نلاحظ أن هناك إلحاحا على الهوية كموضوع، الهوية دائرة، تتعين الذات كمركز لها  ومحيط هذه الدائرة محدد محصور حيث هناك هويات أخرى تعمل على التحقق – أو تتحقق على حسابها – بمحو تضاريس الذات، وقطر الدائرة الخيط المشدود والأزلي الذي يعنى أن تحقق الهوية كامن في الذات بالقوة وان انحرفت عن هذا التحقق تتبدد؛ الهوية مرآة تعكس نفسها وكل عكس ذلك انمحاء والذات فضة هذه المرآة إن صح التعبير وكأن الذات في المحصلة هي الهوية؛ الإنسان إنسان بالطبيعة؛ الطبيعة معطى كالعجين عند المثال أو كما يقال في فن النحت التمثال كامن في الكتلة، لكن هذا التحدد يكون سببا لنتيجة مناقضة، وهى أن هذه الدائرة لا تقبل الحدود، كما التمثال يؤول نفسه في عين المتلقي فإن الآخر يحقق للوجود بالقوة وجودا بالفعل، وهكذا هذا الكمال بالضرورة ليس محصورا في نفسه بل محاصرا من الآخر الذي يكشف عنه.

ومفهوم الهوية – هذا – عنده يتعين في مفهوم الوطن، حيث الوطن كلى شامل، حدوده فيه، والوطن أزلي، وان استمد تعينه في الذات من التاريخ، فإنه في الطبيعة ما قبل  التاريخ، وهكذا فإن كان الوطن متخارجا ومتعاليا فإنه يتحقق من خلال الذات الخلاقة، الذات المبدعة التي هي عند القويرى مفارقة تنتج الوطن الذي يخلقها. وهكذا فقد انصب بحث القويري عن معنى للكيان الذي هو كينونة ثابتة!! هو ثابت متحقق متكامل كمفهوم، وهو في صيرورة من حيث هو حلم مشروع. كذلك يتضح لنا الوطن عند القويرى كموضوع غير موجود؛ لأنه فكرة أو ومضة وتعقب دائم دءوب لمفهوم.

يبدو واضحا للقارئ المتأني وجليا للباحث المختص، الإطار الفلسفي المثالي الذي يؤطر  شغل وفكر عبدالله القويرى وأنه أحد آخر الرومانتيكيين في هذا العصر، وأولهم في بلادنا.

إن الرومنتيكية تتجلى في مفاهيم القويرى وفى التوسطات التي يدلل ويستدل بها على مصداقية رؤيته. لقد دخل لذلك في معارك ثقافية في واقع ثقافي ضحل، وخاض في أوحاله وهو المتعالي صاحب الفكرة والكلمة الفصل، النظرية المتكاملة التي ألبسها أقنعة متعددة: المسرح  والقصة والخاطرة …. الـخ.

وقد دخل في معارك – التي لم تنته بوفاته منذ سنوات ثلاث  – ضد كل نظرة تقول بخصوصية غير خصوصيته، حد أنه اعتبر أن الفكرة القومية فكرة اللغة الأم، أمة اللغة الواحدة فكرة خصوصية تنفى خصوصيته، وكرومنتيكى خلاق، تلميذ نفس الفكر المثالي الذي تتلمذ على أيديه، أصحاب الفكرة القومية، انكمش وانعزل في حدود مفهوم ضيق ولا حدود له! ونفى عن أصحاب فكرة أمة اللغة الواحدة أي معقولية، لكن نفى المشترك بينه وبينهم لم يجعله يقول بالوطنية في مقابل القومية، حتى إننا لن نجد في كتاباته اصطلاح الثقافة الوطنية بالمرة، كما لن نجدا أي اهتمام يذكر أو متابعة للكتابات الليبية (الوطنية)، لقد جرد الوطن من الثقافة الخاصة، ورسم عبدالله القويري فكره مجردا من أي تشخيص ووسم كتاباته بالذهنية المفرطة؛ فهو باحث عن ضالته لتعين مفهوم الوطن حيث تكون.

وقد دخل لأجل ذلك أيضا في معركة ضد الشكلانية لان الشكلانية تنفى الجوهر، وكان المعلم الذي يرى في الشكلانية لعبة التلاميذ الفاشلين، فكان الشكل عنده معقولا بالقوة لأن الشكل يستمد وجوده من الوجود، أي أن الفكرة أم الشكل.

ولم يكن مدرسيا / ولا مذهبيا، بقدر ما هو صاحب الفكرة المحددة التي لا حدود لها؛ كان عبدالله القويرى حواريا أي جدليا –مثل أستاذه أفلاطون الذي قدم حوارياته المعروفة– يقبل الأطروحة الضد لينفيها، إن حوارياته الكامنة في كل مقالاته وخواطره  وما أسماه مسرحيات– هي حواريات الفكرة الواحدة التي تنقسم لتنقسم، وكأنها منولوج واحد يلبس قناع ديالوج، لهذا اهتم اهتماما مبالغا فيه بالكلمة، لا الكلمة الحية بل الكلمة المطلقة فكان قاموسيا يبحث في الدال عن مدلوله الواحد المحدد والنهائي، الذي ولا شك تضمه دفات المعاجم حيث الكلمة ذات البعد الواحد.

يمكن أن نشير هنا إلى كتابه “ذلك العساس” وجهده المستميت في البحث عن المعنى المنجز القاموسي لكلمة “شوفينية”، ونفيه للمعنى الاصطلاحي الذي اصطلحه أصحاب الفكرة القومية لهذه الكلمة. إن الكلمة خيمة عبدالله القويرى التي تقيه رياح الآخر، وسلاحه  لمحاربة قبائل القبلي، فالكلمة عند القويرى محددة وقائمة بذاتها تعطى معناها الثابت والأزلي حيث تحل. وقد قام لذلك بجهد مضني لأن الكلمة عنده لم تكن في البدء وحسب ولكن الكلمة هي الوجود أو هي منزلة الوجود كما اللغة عند هيدجر، والكلمة هي قطر الدائرة؛ الهوية التي مركزها الذات، ولعله لهذا لم ينحت ولم يكن اشتقاقيا في اللغة بقدر كونه اركيولجى.

وهكذا بصيغة أخرى قد تبدد الصيغة المذكورة آنفا، بدأ مفهوم الهوية عند القويرى مفهوما ثالوثيا: الذات المركز التي هي جوهر، الوطن المفهوم الأزلي الذي توطنت عليه النفس، لا بالميلاد أو باللغة ولكن بالتوارث، فالمرء يرث وطنه أينما كان وكيفما كان؛ حتى إن القويرى يحلل لعنة أوديب سوفوكليس، بأنها لعنة الوطن التي تطارد كل من يعبث بقدره/وطنه، يحاول الفرار من ظله، وكذا عطيل شكسبير الذي بدأت جريمته ساعة ناء عن مغربيته/وطنه. والكلمة حيث الوجود والإنسان هو كلمة، التي هي ليست اللغة الأم وحسب، بل الكلمة الكينونة وجدان الوجود الإنساني دم العرق.

والقارئ “وقدات” السيرة الذاتية لعبدالله القويرى يلاحظ إلحاحا على العزلة، عزلته في مهجره، ثم تأكد هذه العزلة، عزلة العائد الذي أخذ عن ذاته بالانشغال في بحث مضن عن معنى لكيان لهذه الذات. وان الوقدات ليست أكثر من سيرة ولكنها سيرة لسيرورة باحثه عن الوطن، مشوبة بهذا الغموض الشعري الذي لبس مفهوم الهوية، عند عبدالله القويرى. رغم كل المحددات التي أشرنا إليها ولعل لهذا، فإن عبدالله القويرى أكمل عمره الإبداعي والطبيعي بأعمال صوفيه، تستعيد ذاكرة شعبوية لسماء ووقائع صوفية محلية من مدينة أجداده من كأنه نام على قبرهم ليستمد الرؤيا،  ثم غادرنا ليضمه نفس القبر، تاركا توضيحات غامضة لرؤية أكثر غموض؛ تستأهل كل الجهد للبحث والدراسة وكشف مكوناتها ونتائجها وارتباطاتها. حيث كأن وصية عبدالله القويري: في الأخير فإن مشكل الهوية ليس مشكل الذات المتعينة بل مشكل الذات المفارقة أو على الأقل الملتبسة، لهذا لا بد من البحث عن الحاضر في الغائب وعن الغائب في الحضر؛ عن الخاص في العام عن التاريخ في المستقبل، فكأن وجودنا يستمد من هذا المستقبل الذي إن تمكنا من تحديده تمكنا من إيجاد صيغة لمعنى وجودنا؛ نحن الذين نصيغ ونصوغ معنى الكيان، وغربلة إمبراطورية الرمل لا يتم بغير غربال المستقبل، أنتم يا أبناء الرمل الذين توجدون في المجهول.

مقالات ذات علاقة

البوسيفي والغربة.. من الدخان إلى الضفة

عبدالسلام الفقهي

قراءة في رواية خرِّيجات قاريونس للروائيَّة الليبيَّة عائشة الأصفر

نورا إبراهيم

قراءة في ديوان (صديقة الشيطان)

المشرف العام

اترك تعليق