المقالة

عالمية القيم الإنسانية؟

بوابة الوسط

كثيرا ما نتحدث عن قيم مثل قيمة العدالة على أنها قيم إنسانية عامة. أي أنها قارة في الضمير الإنساني أينما وجد الإنسان، وحتى لو كانت بعض المجموعات الإنسانية تتواجد في مناطق معزولة ولا تعلم بوجود إنساني في مناطق أخرى ولا تتواصل مع جماعات إنسانية خارجها. أي حتى في حالة مثل حالة “حي بن يقظان”!.

إلا أن هذا مناف لما عليه الواقع.

فلو كان الأمر كذلك، وبهذه البساطة، لما احتاجت البشرية إلى المصلحين الاجتماعيين والثوار الإنسانيين الذين يعترضون ويحتجون على الأوضاع التي لا تحقق العدالة في مجتمعاتهم ويثورون ضدها.

ففي المجتمعات العبودية القديمة لم يكن ينظر إلى مبدأ الاستعباد في حد ذاته فلسفيا واستعباد البشر على أنه مبدأ لا إنساني وممارسة جائرة تتنافى مع مبدأ العدالة. بل كان كل جنس ينظر إلى الأجناس الأخرى على أنها أجناس خلقت لتستعبد. أي أن العدالة مبدأ خاص بنا دون سوانا وبالأحرار منا. لذا ساد في فترة معتبرة من الزمن ما يسمى بـ “نمط الإنتاج العبودي” الذي تقوم عملية إنتاج الخيرات الاجتماعية فيه على عضلات العبيد. وفي الحضارة الإسلامية، ورغم احتواء بعض كفارات الآثام والذنوب التي يرتكبها المسلم الملتزم على إعتاق العبيد (فك رقبة) والتشجيع على عمليات الإعتاق، فإن الرق لم يكن محرما وكانت تجارة الرقيق، الأبيض والملون، تجارة مزدهرة حتى وقت قريب نسبيا. كما ينبغي ألا ننسى أن دولة مهمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية قامت حضارتها الحديثة في جزء كبير منها، بالذات في الولايات الجنوبية الزراعية، على أكتاف الأفارقة السود المسترقين. ومسألة “العدالة الاجتماعية” التي تعني وجوب اشتراك أفراد المجتمع كافة في خيرات المجتمع على نحو يقترب من المساواة، والتي ينادي بها الشيوعيون والاشتركيون، يعترض عليها بشدة ويحاربها المؤمنون بالرأسمالية واقتصاد السوق الحرة.

كما أننا لسنا في حاجة إلى التدليل على أن مبدأ حرية المعتقد، أو حرية الضمير، وما يترتب عليه من حرية الفكر وحرية الرأي ليس مبدأ إنسانيا عاما. بل نلاحظ عن كثب أن الإيمان به يتراجع والهجوم عليه يزداد ضراوة، وبالتالي يزداد ضمور قيمة التسامح بين مختلف الأجناس والأديان والطوائف والمذاهب.

صحيح أن البشرية قطعت، عبر نضالات قاسية وتضحيات جمة، شوطا معتبرا باتجاه عمومية وعالمية مثل هذه القيم المجردة [العابرة للزمان والمكان]، إلا أن هذه القيم أصبحت تصاب بحالة جَزْر قوية. الأمر الذي يستدعي مزيدا من النضال الباسل وربما التضحيات.

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (36)

المشرف العام

الحكمة وغضب الله!

محمد عقيلة العمامي

حول الشعر والكلام والمكان. من الصمت إلى الإيقاع المتناغم.

نورالدين الورفلي

اترك تعليق