الشاعر محمد المهدي في شبابه
شخصيات

عاشق اللغة والجمال .. محمد المهدي

كان صوته أول ما وصلني، رخيماً، هادئاً، واضح المخارج، حتى تعرفت إلى شعره الذي يشع محبة وألفة، وهو يمارس غزله وافتتانه بالجمال والحياة.

الشاعر محمد المهدي في شبابه

الشاعر “محمد المهدي”، ولد في 1942 بمدينة إجدابيا، شرقي ليبيا، وانتقل صحبة أسرته من بعد إلى مدينة بنغازي، وتحديداً إلى منطقة القوارشة، مع نهاية سنته الأولى في التعليم، انتقلت الأسرة إلى منطقة البركة، حيث استقرت بشكل نهائي. استمر منتظماً في دراسته حتى حصوله على الشهادة الإعدادية، وهي أخر ما وصل غليه في التعليم النظامي، ليبدأ مسيرته العصامية في التعليم والتثقيف. تزوج في العام 1962، ورزق بـ6 أولاد، وبنتين.

بدأت ملكته الشعرية بالظهور مبكراً وهو بعد لم يبلغ الـ20 من عمره، ولعل جوده في بيت يعشق أهله الشعر كان السبب الرئيسي لهذا، فوالده “أحمد بوزريدة الورفلي” كان يقول الشعر باللهجة الدارجة (الشعر الشعبي)، ووالدته كانت تحفظ تروي أشعار والده، وكذلك كان جده لأبيه.

وكونه كان محباً للقراءة والاطلاع، فقد اطلع على الكثير من كتب التراث والدواوين الشعرية القديمة والحديثة، والروايات العربية والعالمية المترجمة وغير المترجمة، وهو ما جعل منه فيما بعد، شاعراً متمكناً من أدواته؛ من موهبة وثقافة واسعة، وإلمام بعلوم العربية وقواعدها النحوية والعروضية.

أولى قصائده التي المنشورة، وإن كانت بطريقة مختلفة، كانت بعنوان (اطمئني) في العام 1964، حيث بعث بهذه القصيدة إلى الفنان الراحل “كاظم نديم” في برنامجه (ركن الهواة)، الذي أعجب بها، وقرر تلحينها، ليغنيها الفنان الصاعد في ذلك الوقت “خالد سعيد”.

وفي 1967 صدرت أول دواوينه الشعرية، وكانت بعنوان (هكذا غنت العشرون)، تلاه ديوان (للناس والحب) في 1968، ثم ديوانه (هو الحب)، الذي صدر في طبعتين كانت الأولى في 1979 والثانية 1997، في العام 1999 صدرت له الدواوين: أحبك، أحبك مرة أخرى، وأبحر الحب؛ وكانت جميعها بخط يده.

صوته الرخيم، ومعرفته الكبيرة باللغة العربية، جعلت منه شخصاً مؤهلاً للعمل بإذاعة بنغازي، فبدأ العمل في 1966 قارئاً لنشرة الأخبار، لتنطلق من بعد رحلته في عالم الإذاعة والتلفزيون، من إعداد وتقديم لبرامج وتخريج العديد من الإذاعيين.

قدم للمسموعة العديد من البرامج، لعل أشهرها مسابقة (ماهي؟) التي قدمها في شهر رمضان سنة1967، وقد استقبلت في أول موسم لها مشاركة 46 ألف مستمع، واستمر هذا البرنامج لأكثر من عشر سنوات.

في سبعينيات القرن الماضي، قدم برنامجه الشهير (قول وقائل)، الذي كان يقدمه يومياً، وكان يجيب فيه على أسئلة المستمعين واستفساراتهم حول الأدب والشعر. ومن برامجه أيضاً برنامج (براعم الأدب)، وهو من أولى البرامج التي اهتمت بالمواهب الشابة في مجال الأدب، وبرامج (كلمات في الميزان)، و(ذخائر العرب)، و(الفروسية عند العرب)، و(حكايات أدبية)، و(من روائع الشعر)، و(كلمات دافئة)، و(من الألف إلى الياء)، و(مساء الثقافة).

في المرئية قدم مسابقة (ما هو؟)، وبرنامج (ماقل ودل)، ومسلسل(محكمة الشعراء) الذي شارك في تمثيله عديد الفنانين لعل أبرزهم الفنان “علي أحمد سالم”، وهومن أوائل المذيعين الذين ظهروا على شاشة التلفزيون الليبي في بداية بثه.

الشاعر محمد المهدي.

خلال عمله الإذاعي، أجرى العديد من الحوارات واللقاءات مع أعلام السياسة والأدب والثقافة، لعل أبرزها لقائه بالزعيم “جمال عبدالناصر” أثناء زيارته لليبيا، ولقائه بالموسيقار “محمد عبدالوهاب”. ومن اللقاءات المهمة له، حواراته مع: الشاعر أحمد رامي، والفنانون شكري سرحان والفنان محسن سرحان وتوفيق الدقن ومحمد رضا وسناء جميل وسميحة أيوب، والمطربة نجاة الصغيرة.

وهو المذيع الذي أذاع فعاليات المسيرة الوحدوية الليبية المتجهة إلى الحدود المصرية من أجل الوحدة الاندماجية في سبعينيات القرن المنصرم.

عرف بحبه الشديد للغة العربية والدفاع عنها، وصرامته فيما يتعلق بالنحو والتسميات، ومما حكاه عنه الكاتب “محمد السنوسي الغزالي” اعتزام شاعرنا “محمد المهدي” إشهار جمعية الدفاع عن اللغة العربية. وفي هذا الشأن يذكر لشاعرنا تأسيسه لجنة لمراقبة اللافتات لغوياً، وقد وضع دراسة مع ثلة من الأساتذة الجامعيين 1990 في بنغازي حولها، وتم تعميم هذه الدراسة محلياً.

كتب الروائي “محمد الأصفر” عنه فقال: (ويعرف عن المهدي صرامته القاسية في اللغة العربية مع كل المتعاملين معه من فنانين وإذاعيين وشعراء ولقد اشتغل مدة طويلة في الإذاعة الليبية وتخرج على يديه الكثير من المذيعين والمذيعات. يتميز هذا الشاعر بالروح المرحة وبالنظرة التهكمية للحياة وباتخاذ ثقافة الحب مبدأ حياة له فلا تراه إلا منهمكا في قراءة كتاب أو داخل مكتبة يتفحص ويراجع الكتب وكثيرا جدا ما شاهدته داخل دار الكتب الوطنية وهو جالس في البهو أو واقف مع طالب جامعي يساعده في الحصول على الكتب والعناوين التي تساعده في إتمام رسالته الجامعية.).

في أبريل العام 2009، وبينما كان خارجاً بسيارته من طريق مزرعته الفرعية، بمنطقة القوا رشة ببنغازي، اصطدم بسيارة أخرى ونقل الى المستشفى في غيبوبة، حيث عانى من إصابة خطيرة في عموده الفقري، ولم يفلح التدخل الجراحي الذي أجري له بمستشفى الجلاء، في تخفيف خطر الإصابة، ليعلن صباح الخميس 16 من إبريل العام 2009 وفاته، حيث دفن بمدينة بنغازي.

كتب في العديد الدوريات، وساهم في إثراء الحياة الثقافية في ليبيا، من خلال المشاركة في الأمسيات واللقاءات الأدبية.

وبعد وفاته طبعت له مجموعة شعرية 2009، ضمت دواوينه: عيونك الحب، حبيبتي العنقاء، لو لم أحبك، احترق بالحب وحدك.

أشرف ثقافياً على مركز المتفوقين. كما عمل قبل تقاعده بفترة وجيزة مديراً لإدارة الثقافة ببنغازي.

تغنى بقصائده العديد من المطربين منهم: “خالد سعيد” بقصيدة (اطمئني)، التي ذكرناها، “عادل عبدالمجيد” بقصيدة (عذبي)، “إبراهيم فهمي” بقصيدة (لم أزل أذكرها)، وإبراهيم حفظي” الذي تغنى بقصيدة (إليها خذني يا قمر)، “محمد نجم” متغنياً بقصيدتي: خبريني ،ولا تعودي، “محمود كريم” بقصيدة (قد نلتقي).

 

مقالات ذات علاقة

سليمان نـشـنـوش “اللونقو”

نورالدين خليفة النمر

الغيث الصغير الذي بهر الملك وقهر الفاشست

المشرف العام

أحمد الفقيه… رحيل «خرائط الروح»

المشرف العام

اترك تعليق