الشاعرة حواء القمودي
النقد

طفلة الذاكرة وحشود الألفة

قراءة في قصائد الشاعرة حواء القمودي

الشاعرة حواء القمودي
الشاعرة حواء القمودي

شاعرة تكتب منذ ثمانينات القرن المنصرم دؤوبة مثل نحلة وبنصوص نضرة على الدوام مثلها تماما ,وطوال هذه السنوات على طريق الشعر ظلت تقطر شهد كلامها باحثة عن وهجه المضيء ساكبة في الإثر عصير روح متأججة
بخمرة الشعر.. تكتب بالاهوادة نصوصا تفتح مدارك الحواس تنبع من ذات متعددة وتطل على الآخر بفردانية مميزة, نصوص يمكنك من خلالها أن تتحسس وتلمس وتحس وترى وتسمع وتشم كثيرا..
الحواس تنشط مدلولاتها في نص حواء حتى كأنما يحضر كل شيء : التفاح والقهوة وعنب الدوالي العالية ولاننسى فوق ذلك تراب السانية بعبق الطين والماء والعشب والمطر ورائحة ملح البحر.
وفي كل النصوص تظل الذات حاضرة هي محور النص ليصبح الآخيرحاوي سيرة وكتاب حياة.

الشاعرة تقبض على جزئية وتحركها ببساطة ومهارة متكئة على ذاكرة متوهجة نحو تفاصيل الحاضر والآن مغموسة بالحلم قرين روحها العذبة
أستعير سنواتك الست
أغدو حواء صغيرة
“مريول ” أكحل وحقيبة
وخطى متوهجة إلى المدرسة
أستعير سنواتك الست
أتكيء حائط بيتنا
أنتظر الرجل الأحمق
الذي أسمّيه حبيبي
أستعير سنواتك الست
أقول ياجسدي
مهلا
مازال في العمر بقية
أستعير سنواتك الست
أقول ياوطني
مازال الحلم
في قلب طفلة
هذه الكلمات الحارة المصقولة بنار روح ساخنة ,روح تتلبس الشعر لتقول ماتريد, طفلة الذاكرة تنهض من غفوتها لتستعير الشاعرة سنواتها الغضة لتحلم من جديد وتواصل نحت الخيالات خاصتها, الأمكنة أيضا تواصل حضورها في نص حواء فتتربع طرابلس على متن النص كمكان طازج مكان يمنح الشجن والألم مثلما يمنح السعادة,ولكن الشاعرة هنا تخاطب المكان بلذة قاسية لغة متذمرة ومتمردة ومتألمة كما ينز من وجع, وجع من خذلته البلاد فطفق يلعن ويمزق ويبكي:
طرابلس لن أحبك
سأمزق صدرك بأظافري
أبصق على وجهك الصفيق
البرد يأكلني
وأنت
تسفحين شمسك للغرباء

وفي نص آخر تحضر طرابلس كغائب حاضر فهي مدينة لاهية عن الحزن متنكرة لاحتفائات الروح فما الذي يحدث وأين غادر بحر طرابلس ؟
الليلة تشتهيني طرابلس
أقبع خلف النافذة
خلف السور
خلف المدخنة
الليلة أشتهيك
والبحر ينادي
وطرابلس مدينة لاهية عن حزني
تتنكر لاحتفائي
ما الذي يحدث لو أنك لم تأت
في هذا البوح ترتفع لوعة مكمودة تلهب الكلام بنار تقترب بحرارتها من جحيم لاتدرك مداه بحور الدنيا..
لكن طرابلس تضن بالشمس
أوصدت أبوابها
إذا رقعة الشطرنج لاتتسع لقرنفلة !
وفي ركن آخر بقعود حزين على مصطبة الليل يمكننا أن نرى ماتراه الشاعرة,ترى ما لا يُرى وما لايقال :
أقعد على مصطبة الليل
أرقب نجمة تراود ظلمة
أتذكر طفلة كانت
عيناها الدهشة
ضحكتها الصهيل
شعرها القمح

ثم لنلحظ هذا التواتر الهائل الهاديء لكائنات الذاكرة كم يغدو طازجا في هذا النص وحارا حتى كأننا نتحسس مقتنيات هذه الذاكرة من كتب ومعاطف بل أننا نشم أيضا ففي هذا المكان الهائل تحتشد الروائح تفغم الروح وتدلل على ماتريد .. إذا سنشم رائحة السمن وهو يترجرج في جرته بفعل الأيدي الصغيرة المختلسة وستلحس ذائقتنا خيط الزيت المتسرب من فوهة الخابية المائلة ,يا للجمال ويالسطوة الرائحة وهي تتلبس الشعر وتدفع به في سماء التنشق النشوان:
طفلة كانت
تنسج من السانية
قفطانا للنوم
تختلس من جرة الفخار السمن
وتغلبها خابية الزيت
إذا جلب مكنونات الرائحة من عادات شاعرتنا الجميلة ولنتلمس حشود الألفة في هذا النص الذي يسكب شجنه في القلب حدّ البكاء .
من عاداتها
أن تقول صباح الورد للطائر الذي يتحدى هدير الوقت
ويغرد فارشا جناحيه مدى أزرق لشمس يوم جميل
تلحس بلسانها قطرات المطر
العالقة بالنرجسة الناصعة البياض
تتشمم عبق التراب الشبعان
وتصهل بالضحك حين يبتسم البحر
تضم الصغار إلى قلبها
وتزرع في الليل دمعة
حين لاترى دفء الفصول في فراشها
وتواصل الرائحة اندلاعها هنا
من عاداتها
أن ثوئت يوما آخر بكوب الحليب والشاي
تستنهض فراش طفولتها
لتفوح قهوة الأم العالقة في دخان الطابونة
تهسهسها أساور الذهب
فتتلمس تعاريج “الزُرَاقة ”
كما لو أن هذا الوقت لها

أمّا في نصها الجديد ” اشتجار ” فيمكن أن نرى بوضوح كيف تمتح الشاعرة روحها في النص وتواصل بكثير من عاداتها شحن مدلولات الكام بالمزيد من معان تحفر في لب الشعر
ببساطة آسرة .. نص عامر بأفعال حارة في شجنها,
هذه الأفعال تفترش لوحة النص تبث حركية وحيوية عاليتين
حتى كأن النص جسد يتحرك ويتضرع ويكرع ويرسم تواريخ تضاريسه بغضبه وعقله وجنونه وشبقه وتيهه وحلمه, نص يتلمس في الظلام يد المحبوب وروحه, نص عذب ومعذب يرسل شهقاته الحارة في سماء الكلام
” اشتجار ”
حين يدها تطير إليك
غامزةً الكرسي
ألاَّ يشيَ بنا
حين نهداها يتضرعان لفكرتك
وأنت سارد حنينك

وأخيرا تظل تجربة حواء القمودي من أهم التجارب الشعرية في مشهدنا الليبي, دالة بمزيد من التميز على سمات مهمة تلبست قصائدها الجميلة فأصبحت علامة شعرية لايمكن أن نذكر باقي العلامات دون أن تقفز إلى ذاكرة الاستشهاد… تجربة ننتظر بكثير من الشغف أن تجتمع بين دفتي ديوان ليحتل مكانه في أرفف المكتبة الليبية والعربية أيضا.

_________________________
صحيفة الفجر الجديد العدد 12779 – نوفمبر 2010.

مقالات ذات علاقة

بين مرجعية السيرة، ومتخيل الرواية

المشرف العام

الوظيفة السامية للتخريف

محمد الترهوني

فاعلية البناء النصي.. في شعر عبدالمنعم المحجوب (1)

المشرف العام

اترك تعليق