قصة

طـابور الــتوتــة

ينتكس ألف رأس ولا تنحني هامتي..

بدأت رحلتي ككل مرة، مهيضة، وكان ذلك في الصيف.. يمر علينا سجين الشرف، يعايننا الواحد تلو الآخر، يستقبل ابتسامات النزلاء، أنواطاً على صدره، يترفس في جفوننا، يطرد عنها بقايا الأرق.. حتى إذا وصلني، حول بصره للذي يليني.

– درت موحامي!

 بعضهم يهز رأسه في إشفاق.. وآخر يمط شفتيه، أما الذي يضيق بين عينيه، يتمايل برأسه ذلت اليمين وذات الشمال، أسمر الوجه غير حليق، فهو أما تشادي، أو من بلاد أخرى أكثر بعداً.

بعد سجين الشرف، نستعرض أنفسنا أمام العسكري، ويده على مفتاح طويل غليظ مرشوق إلى باب حديدي، لم يقفله طول اليوم، يسده بجسده، تظل يده رتاجه، تسمح لمن يشاء بالدخول، وتمنع الخروج إلا على الزوار، فإذا احتاج إلى نظرة للباحة، اختلسها من الكوة المربعة في الباب، مسدودة بقضبان، تمنع تسرب الفئران لو أرادت الدخول.. تسمح له بتقليب الرجال الزائرين، وتمعن النساء الزائرات.

نائب العريف نفسه، يقلب الوجوه في غير اهتمام، يعرفنا من أول الطابور إلى آخره.. يربت بيده على قفا كل واحد، حتى إذا وصلني حول يمينه للذي يليني.

– جاك المحامي أمس؟!

إذا وقف سجين الشرف، ونائب العريف، أمام العريف، تكون السيارة، مكسورة النوافذ، قد بدأت تسخن، ويكون الطابور قد انتظم، وتبدلت نظرات الفريق، مستكينة، تتقي أمراً يخشاه الجميع.. العودة إلى ما وراء الباب، والحرمان من فسحة الطريق، ومناظر الناس، وصخب السيارات وحكايات ردهات المحاكم.. والتمعن في أجساد النساء..

حتى الهواء داخل السيارة يثقل بالأصوات والعرق، ولا تنحني هامتي!

– اللي قتلك عليها.. تجي اليوم.. كل يوم ثلاث!

كان اليوم خميساً، فلم أعره انتباهاً، كان يمد يده يلامسني بمرفقه، تتسابق أصابعه، تدب على رأسه الحليقة، يسوى شعراً لم ينبت بعد.. يحرك عجبزته على الكرسي الخشبي المستطيل، ويبعد برأسه عن الشباك مكسور الزجاج، ينتظر ردهات المحكمة يفتش عن يوم الثلاثاء.

من موقف السيارة على الجهة البحرية من باحة المحكمة، حتى المبنى، ثلاثمائة خطوة.. أعدها كل مرة، تنقص في بعضها، تزيد حسب أوامر العريف، وهو يأسرنا بهزات عصاه، يقودنا سرباً واحداً يتحرك سوياً حتى لا تختلط الخطى.

– ثلاث اليوم.. هأه!

وددت أن تتحول شفقتي الباسمة إلى..

– حناك الشارفة.

غير أن الذي يليني لكزني في جنبي.. يده سمراء طويلة، حليقة، لو دهنا بالزيت للمعت تحت ضوء النهار..

– بارلي فو فرانسيه.(1)

أشرت إلى طويل آخر، نحيف مثل (قصباية) يرتكز رأسه على صدره، يمشي في حلمه، يده ملاصقة مربوطة بصبي، أبيض الوجه، متلألئ الخدود، تقطر داخل عينيه دمعتان باردتان، لا تستقر له حدقة على مكان، أو ظل لشجرة، أو شبح لإنسان، تتداخل على سحابة رمادية ينفضها في ضيق أسف.

– يا زول..

كان ذلك ما لصق بحلقي من أية لغة أخرى، ولا مزيد!

ولكن.. لا جواب…

تنتكس الهامات وهي تدخل، الواحدة إثر الأخرى باب المحكمة الخشبي المفتوح على مصراعيه.. وأرفع رأسي ناهضاً صدري.. وعيناي تتابعان الصبي المتلألئ الخدود.. تمتصان الدمعتين الباردتين تستقران رجلان ملتصقتان بالأرض، تتحركان في مشقة.

حتى إذا جلست في القاعة الباهتة الضوء، تمنيت أن أكون قد مت.. فلا جواب لدي.

– درت محامي..

– بارلي فو فرانسيه.

و.. يا زول.

تنتكس ألف رأس ولا تنحني هامتي.

– و.. الحبس (للتريس).

*          *          *

من قال أن الخجل والتعب تحمر لهما الخدود وتتألق بهما الجباه!

ما أن خرجت رجلي اليمنى من باب الزنزانة، حتى تبعني صوت سجين الشرف، وهو يزقني إلى الردهة، يضع يده على خده الأيمن، ويغمز بعينيه.. يحك بيده اليسرى، يسّوي ما بين فخديه.

– وكلت محامي.. وإلا يوكلوه لك!

إذ وصلت إلى الباب الرئيسي، تفتحت عينا العريف، يطيل التمعن في حمرة خدي، يشاهد الألق على جبيني، يستدعي لي مشاهد كنت أحاول أن أتغاضى عنها.. ربطني إلى رجل أسمر، يداه حليقتا الشعر، لو دلقت عليهما زيتا لتزحلقت عليهما أسراب من الذباب.. تسري همهمة في أوساط الطابور، كل يسرق خطوة لمحاذاتي.

غير أن الذي خلفي ترك بصمة حادة في جنبي، وأثار انتباهي رذاذ يطفو على متفرقات من شعر ذقنه.. وعيناه معلقتان بسقف السيارة يبحث عن مبرر للالتصاق بي..

– راك تدير موحامي.. يغرقك أكثر..

ما أن اهتزت السيارة، وانطفأ محركها، حتى تناوب ركابها التلصص من الكوات مكسورة الزجاج على جوانبها، إذ غطت الفتحة الخلفية ذات السلالم، رؤوس عدة تبحث في الجمع المتناثر حول شجرة التوت كيوم (الرحبة).

– يا سليمان.. يا ودي راني طبت..

تشق واحدة الحاجز الفاصل، من أنفار ونواب عريف، وتلتصق بسلم العربة، تخبط يديها على فخديها، تبحث بعينين لا دموع فيهما..

– البت قريب تموت..

في سكينة، يرتفع صوتها بعدها..

– أمك لزتني من الحوش.. المنجوهة.. آه.

بعد ثلاثمائة خطوة، تنفك يدي من الخشبة السمراء التي تقيدني، أتخلص من حمله، وأنا أسوسه عله يفيق.. فالسمر، الذين يتخللون الطابور، يتسابقون، تدفعهم شحنات من سخونة، تتدفق من أحشائهم، ويتحدثون عن بعد.. وعلى طول خطوات الطابور، كان الجميع يراقبني، وأنا أخطو مهيض الجناح، مربوطاً إلى عرف شجرة سمراء قاحلة لو تركتها لسقطت!

– يا والله عجب! الورد ع العفينة!

وفي العادة، لايصدر صوت واضح الطابور.. وقع الكلمات يهبط ليجد متلقيه دون مشقة.. بعضهم تسقط الكلمات على قمة رأسه، وتستقر، وبعضها يرتد مرتفعاً إلى أعلى، ولا مجيب.. كلمات ما تتخلل الطابور، تسري بين الأجساد المشتركة، ولا هدف لها، خاطرة يمكنها أن تختار من تقصده، بعضها جارح، أحد من شفرات الحلاقة بدون صابون..

– تي.. شوره البارح ما رقدش..

ضحكة، بعدها كلمة قبيحة تستقر على مؤخرتي، وأنا أجره ورائي وهو يتكأ.

بعد الثلاثمائة خطوة، تفرق الطابور إلى جهتين، استقرت إحدى الفرق على يمين الداخل، تغطي جزءاً من أبدانها قضبان القفص، وتختفي أرجلها وراء حاجز من خشب رمادي.. واستراحت الأخرى على يسار القاعة، وبعضها اندس على كراسي من لدائن، تئن كلما تحركت عليها.

والذي ورائي يلمس بهزات يده جذعي.. ويتمتم،

– شنو ها النّو!

ومن قال بأن الخجل، والتعب، والحر، تحمر لهما الخدود.. وتتألق بهما الجباه!

*          *          *

الغربة يصنعها الناس، حتى في طابور يصيب قلبك بالضمور من تجهمه. وإذ قلبت نظر، وأنا أتحسس قدمي فوق أرضية السيارة خشبة السقوط، فبطن قدمي لم تعد تتحمل ما يلامسها، والحذاء يجعلهما يتشققان، يرق عويلهما.. أخاف أن يسمعهما العريف.

– سي الشاذلي.. يا شاذلي.

رأيت صوتها وسط الزحام، تمايل شعرها الأصفر، يلوح لي من وراء الجميع، تبدو لي تحت (التوتة) أهرب إليها، وأنا أقف وسط الأصوات الهامسة، الزاعقة، الضائعة، الباكية، الشبقة، المتربصة، بالأنثى.. الآهة والهمهمة.. صور على جدران الزنزانة، والردهات، تختفي بمجرد أن ينادينا سجين الشرف، ويخرجني العسكري من بوابة يده.. ويرصنا نائب العريف، يربط الواحد بالآخر.. ربطني إلى أخنف يبصق من منخريه.. له حفيف.

سمعتها تحت الشجرة، صوتها قادم من جرف سحيق، تختلط فيه الرقة بحرارة تنزلق على ذراع أسمر حليق، يمتد إلى أن يصل الأرض، يحني هامة صاحبه.. يبحث في الأرض على أذن تصغي إليه..

– بارلي فو فرانسيه؟

لم أجب ما ارتد من ارتطام الصوت عن الأرض، تركته يتفرق في الهواء، وأنا أجوب الخطوات الثلاثمائة من شجرة التوت إلى باب المحكمة..

ولم أتبين اختلاط القول السابق، بـ(يا زول).

بعدها جرى خلفي صوتها حلواً، عبقاً، ملوناً بالأصفر..

– الأفوكا إسمو كمال.. سي كمال وإلا كامل.

مال الصوت قليلاً ناحيتي من تحت الأرجل.

– عرفني بيه الكوماندان.. راهو ماخذ حقو.. باهي!

ربما خلت قاعة المحكمة من الناس وأصواتهم، وأنا انتظر المحامي، وسوف أتربص باسمه، أعلقه على سقف القاعة، وأبحث عنه بين الجالسين أو الواقفين، سوف أعرفه إذا كان لابساً جلباباً أسود، أو كان يحمل ملفات تحت إبطه، أو كانت له (شنطة).. وفي الأقل إذا كان مهندما على عينيه نظارتان لامعتان..

ما اختمرت الصورة في خيالي، حتى ترسبت، فانتشيت، فها هو الانتظار يموت على أرضية القاعة، وها هي الأصوات تذوب حتى تتلاشى، وها أنا أعود أبحث داخل خصلات شعرها الأصفر، عن ملاذ من الزنزانة، وأشباح الردهة تدق الأرض في عنف، والأرضية الظليلة (للتوتة) تستقر على صفيح العربة، تمتص البخار الصاعد من محركها، فيسكن إليها..

وها هي (زبيدة) جابت شوارع المدينة، مدينة غربية واسعة، تندر بها ذوات الشعر الأصفر، تستعين بالعريف ليجد لها محامياً.

– سي كمال.. أوستاذ كامل..!

خلو القاعة من الناس والأصوات، لا يوحي بدخول نسمة، تطرد الرطوبة المتجمعة من صدور الطابور الذي جلس.. تزداد الحرارة، وحاجب جاف الوجه يدخل القاعة من باب جانبي، ينفض عن المنصة غباراً يتناثر في الجو، ويعلق بالسكون، يعود يحمل بين يديه، قريباً إلى صدره، أضابير، حملقت فيها أعين الجميع، يبحثون عن أسمائهم، ينهال عليها جمع من لابسي الجلاليب السوداء، حاملي (الشنط) والملفات، المهندمين، المعلقين عيوناً على عيونهم، يضعون أحدنا فوق الآخر، ثم يرجعون الأول تحت الثاني.. ثم يزفرون في انتصار، يتبادلون الابتسام.

– سي كمال.. أوستاذ كامل!

ولم تبرق لي عين منهم..

عندما كررت النداء، خزر لي العريف بما يشقق بطن قدمي..

عندها لم يسعني إلا قولي لمن يحاذيني داخل القفص،

– شنو هالجو المّلّح..

كان هو آخر من دخل القاعة، وأول من جلس داخل القفص، موفور القد، كأنه على مكتب.. رجله اليمنى تعاني ألما.. يرفعها بسرعة وأناقة عن الأرض، حتى كأنه لا يلمس أرضية القاعة.. يسانده أحد العساكر، يرتدي بزة مرتبة على جسده، قدت منه، يمتطي ساقيه حذاء باهت اللون بدون رباط، تلتصق بساقيه رجلا سروال أبيض ناصع، يكاد ينكسر وهو يمشي به، (سوريته) إلى ما بعد الركبة بقليل، و(بدعية) مقلمة ينعكس بهاؤها على صفحة وجهة اللامعة، يدهن يديه بما لصق بهما من طيوب.

*          *          *

لابد من بعض البهرج لتستقيم الحياة.

ثرت عندما مدد لي القاضي الحبس خمسة عشر يوماً، إمعاناً في التمويه، فهو يعلم أنني لم أحبس، وأن حبسي لا يمد ولا يطول..

وعندما حددوا لي الموعد أمام المحكمة، شعرت بزهو مشوب باستخفاف.

وأنا انتظر موعد الجلسة.. كان مكتب وكيل النيابة مكيفاً، خصص لي للتحاور مع المحامي، مقلباً عينيه بين الملفات المكدسة فوق المكتب وبين الباب المغلق.

– صُكْ لَزْرقْ.

وعندما   رفعت فيه وجهي مائلاً نصف ميل.. استدرك.

– قصدي.. انكر.. ما تعرفهاش.. وبس!

لم ينقذه من تلعثمه إلا طرقات خفيفة على الباب، دخل على أثرها وكيل النيابة، ليضع على كتف المحامي مبتسماً، ناقلاً عينيه بيني وبين النافذة المطلة على فسحة المحكمة، تتوسطها شجرة توت ضخمة، تهتز تحتها عربة قديمة مهترئه، تصطك حتى تموت منها الأنفاس.

– وصل الوارد..

من فوق الرؤوس المزدحمة في ظل (التوتة) تحيط بالعربة، كنت أتابع الأيدي تمتد تستبق السلالم، تتحرك الرؤوس، تتابع الكلمات، يقذفها الجميع دون هدف.. وكانت قلة مربوطة إلى بعضها، بجنازير، توثقهم واحداً بأخر، ولم يكن ينقصهم إلا الثغاء ليكونوا سوقاً للأغنام.

بينهم أسمر طويل، تطول عنقه حتى تقفز من فوق دائرة الناس.. أحدهم يجره عسكري بلطف، يخلصه من ملتصق به لا يود أن يفارقه.. ينزوي به تحت (التوتة)، يربت على خده، يساوي له ياقة قميصه. وكان العريف يجاهر بالفسق من القول، يأمر الناس أن ينفضوا، يبدي عناية بذات شعر أصفر، يحوم حولها الكثيرون، تبعدهم نظرات العريف، يشير بيد إلى أحد المربوطين بجنزير إلى آخر.. ويقود باليد الأخرى ذات الشعر الأصفر إلى ما وراء (التوتة) يحادثها في ود..

– ما ناقصهم غير يجيبوا الماكلا!

زفر بها المحامي في امتعاض، وهو يفسح لي الباب لأمر.. وما كنت لأجر كما يجرّ الآخرون، أو أدخل كما يدخلون.

عشرون خطوة من حجرة وكيل النيابة إلى القاعة.. تصطف على جنبات الممر أشكال من هموم، تتابع الداخلين، تنتظر أن يفتح الباب، ليتدافعوا كما هم في كل مكان.. حتى إذا مرقت من بين الصفوف وسط تحية العساكر، وقبلات الأصدقاء، استقبلتني القاعة برائحة تشق الصدر، منشاراً مراً يكاد يخرج من جوفي القلب والرئتين والأمعاء.. وكان الكرسي الخاص الوحيد في أول القفص محجوزاً لي، وليس عليه تراب، وعندما فتح الباب انهال الجميع يتدافعون.

لابد من بعض البهرج لتستقيم الحياة.. جلستي كانت توحي بأنني أملك القاعة، وأرأسها، وأفعل بها ما أريد.. وكنت أدرك أن الجميع باتوا يعلمون.

*          *          *

أخمد الحاجب الأصوات، وران السكون المشمول بالانتظار، ذابت بأثره كل كلمة في قلب صاحبها، لم يسمع داخل القاعة إلا احتكاك بعض النعال بالأرض، تدوس أعقاب لفافات التبغ، يجاوب بعضها الآخر..

– محكمة..

انضم إلى القاعة رجال خمسة موحشون، على صدروهم، فوق جلبات أخضر غامق، شريطان باهتا اللون.. أوسطهم أصلع، عاري الرأس، ينزل العرق من جبينه، حتى يسقط على كتفيه، تتسابق أصابعه على مسبحة سوداء، تصدر صوتاً هزيلاً بدون رنين.. تتكدس إلى جوار الجالس على يمينه ملفات ذات ألوان مختلفة باهتة، تخفيه حتى الحاجبين.. وإلى اليسار ضامر يتشقق صدره، وهو ينفث بقايا هزيلة من دخان محتبس في صدوره. يلف الثلاثة شابان، أحدهما ماشطاً شعره، يقلب الجميع من علٍ، ويفتح الآخر دفاتر تتحرك بها يداه، يتابع شفتي الأوسط عاري الرأس أصلعها، يمسح بابتسامة عن جبينه العرق..

– مصطفى أبو زيد.. الكراي..

رددها الحاجب..

– بو زيد.. بو زيد..

انتكست رأس مصطفى، وانحنت هامته..

– وين المحامي..

– ما عنديش..

– آخر الجلسة..

في لمحة، لا يعرف أحد لها زمناً، انقضي نصف الجالسين بالقفص.. وتصاعدت في خفوت همهمة الحضور..

– الشاذلي.. الشاذلي حمادي..

بلع الحاجب (الشاذلي) ونادى..

– حمادي..

انتصب الشاذلي، فاشرأبت خصلات الشعر الأصفر، تعلو الجالسين..

– اشكون محاميك..

توقع الجميع، بمن فيهم المرأة الشقراء، أن يقف واحد من الجالسين وسط القاعة، يهز جلبابه الأسود، ويفتح فمه بالكلام.

– سي كمال.. تعرفو زبيدة.. مرتي؟

همت (زبيدة) أن تتقدم الصفوف، فامتدت لها يد العريف توقفها بلطف.. وقبل أن تختفي الابتسامات.

– أسبوع لحضور الدفاع، مع استمرار الحبس!

تململ رئيس الجلسة، كوم الملفات لا يتناقص بالسرعة الكافية، كانت حبات العرق قد تكومت على جلبابه، تشكل غدرانا دائرية، تلسعه حتى القلب.. وكان الجالس إلى يمينه يحادث الشاب مفروق الشعر باهتمام، والكاتب يلتقط الكلمات، يرددها له الجالس على يسار رئيس الجلسة.. والهمهمة تعلو.. ومصطفى والشاذلي يخرجهما نائب العريف من القفص، تتابعهما النظرات، بينما غابا في الردهات.

– إللي بعده.. تو..

وردد الحاجب ما لصق بسمعه..

– إللي بعده.. تو..

ثم ابتسم.. ينتهره صوت جهوري متبرم بالعرق..

– توو.. أمَا نْجَا..

ولم يزد عود الأبنوس أن تشفى في الحاضرين بنظرة بيضاء فيها خيوط من عروق حمر..

– بارلي فو فرانسيه.

– تشادي..؟؟

لم يسمعها أحد بنبرتها، لكنها كانت كافية، ليخط الكاتب ما تلقاه من الجالس إلى يسار الرئيس.

– بعد العطلة.. أي الجلسة مع استمرار الحبس.

بعدها أصبحت الجلسة أقصر.. لم يفتح أحد من الجالسين على المنضدة التي تتوسط القاعة فمه بأكبر من جملة، يلقيها منحنياً منتصباً نصف وقفة..

– التأجيل للاطلاع.. والإفراج عن المتهم..

– التأجيل لإعلان الشهود.. مع الإفراج عن الموكِّل.

– التأجيل لتقديم مذكرة.. والإفراج عن المتهم.

حتى إذا وقف الصبي المتلألئ الجبين.. بخدوده الوردية، تمرس فيه رئيس الدائرة، وأخرجه من القفص.. فقابلته عينان تحتبس فيهما دمعتان لم تغادرانهما منذ الصباح.. تذيعان سراً، انجذب له الجالس إلى اليمين، رافعاً رأسه فوق الملفات، تخلخل له جسد الجالس إلى يسار الرئيس، وتنبه الكاتب عن أضابيره..

– عندك محامي..

ولم ينتظر الرئيس أن يفجر الدمع.. ضيّق عينيه، وسحب من فوقهما نظارته، وحدّق في الصبي حتى كاد يغوص في ثيابه..

–          تُكلّف المحاماة الشعبية.. ويفرج عن المتهم بلا ضمان.

وإذ كاد الصبي أن يسقط، تبادلت عيون الجالسين نظرات غريبة، لم يشذ عنها إلا الأسمر ذو الذراع السوداء الحليقة، يفتش عمن يستند إليه.. ينير له الليل، يسامره أو.. أو يضاجعه!!

*          *          *

ملك القاعة، لم يخرج منها كما دخلها أول مرة، لم يهش له الرئيس بل انتهره.. تلفت حوله، فشاهد المحامي يستعد، يجذب كُمّ الجلباب الذي يرتديه، يسوي عويناته فوق أرنبة أنفه، يكح، يفتح ملفاً أمامه، يخرج منه بعض الأوراق..

– جاهز يا أستاذ..

– الشاهدة لم تحضر ولم تعلن..

وكيل النيابة يقف نصف وقفة، يمارس تمريناً اعتاده كل صباح..

– الشاهدة غادرت البلاد.. ونكتفي بما ورد في الأوراق..

تفرس الجالس إلى يمين الرئيس في أوراق أعدها، ومدّ الجالس إلى يساره يده اليسرى إلى الكاتب، ينبهه إلى خطأ في الكتابة، استغرق الرئيس برهة، يسترد الصورة التي انطبعت لديه من أول دخوله القاعة.. الجالس أمامه بثيابه البيض على جسده قُدِّتْ منه، يمتطي حذاء باهت اللون بدون رباط، ويلتصق سرواله بساقيه، تكسر من أثر جلسته الزاهية.. ينظر إلى الجميع من بين القضبان، يستعجل الخروج من القفص..

– وِلْدْ النَّبَهْ..

سمعها الجالس على يمين الرئيس.. جحظت من أثرها عينا الجالس إلى يساره، وتوقفت يد الكاتب، يرتعش بها القلم، وقفز وكيل النيابة كمن لسعته نار في كبده..

– ترافع يا أستاذ.. مافيش تأجيل..

*          *          *

يمتد ظل (التوتة) حتى ينحسر عن العربة، وتلمع الشمس فوق صفيحها الرمادي، يلتهب لتتبخر منها بقايا العرق والبصاق.. وماء المبرد.. ويبدأ العسكري يعاندها لكي تستجيب لحركة المفتاح.

– يا زبيدة.. وينو الأفوكا..

– هذا وقته.. اليوم خميس، ويجيبوني.. جلستي الثلاث، الثلاث يا ناس.

– بارلي فو فرانسيه..

– يا زول..

– دورلك موحامي.. زيك زيي، لا والي ولا تالي..

يختفي عن سياط الشمس الهابطة، وجه أحمر خجول، متلألئ الخدين، سقطت من عينيه دمعتان تسري عليهما ابتسامة.. وامتدت يد سمراء حليقة، لو دهنتها بالزيت لامتصته، تبحث عمن يسندها، وانحنت الرؤوس جميعاً.. وانتكست الهامات.. وإصبع نائب العريف تعدهم واحداً إثر الآخر، وهم يصعدون السلم، والعربة يعاندها العسكري.. والعريف يمر بيده اليمنى على القماش الأبيض المجعد لراكب جديد، يهز رأسه في نقمة.. يده اليسرى فقط كانت تشير إلى الظل الظليل لشجرة التوت..

– راجيني يا أخت توا نمشو للمحامي..

خصلات شعرها الأصفر تتهدل في صمت..

وآخر ما انقشع عليه الصمت قبل أن يدور محرك العربة..

– المنجوهة.. لزَّاتك ماهو؟؟ اشكي فيها للأمن الشعبي.

مقالات ذات علاقة

لعـبةُ المكعـبات

محمد المغبوب

ضباب

أحمد يوسف عقيلة

المتسوِّل…

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق