المقالة

طرابلس الليبية تستعيد روحها

 

تحررت طرابلس الغرب يوم 20 أغسطس بعد ست شهور من القمع والتقتيل وشظف العيش ونقص البنزين وانقطاع الكهرباء وشح الغذاء لينضم كتابها المحاصرين إلى ركب المشهد الثقافي الليبي الذي كان أعرج في غيابهم .. فبينما قضت بنغازي أربع أيام ومصراتة أكثر من شهر لطرد كتائب القذافي ومنظومته البوليسية أفلحت عروس البحر المتوسط عبر عمليتها وانتفاضتها الجريئة المدعومة بثوار ليبيا كلها و المسماة بفجر عروس البحر في طرد الكتائب والقذافي نفسه منها في أقل من أربعة وعشرين ساعة لتعود الحرية لكل أرجاء المدينة وليتحول ميدان الشهداء إلى كرنفال هائل يعج بالحب والثورة والحياة ، وثكنة باب العزيزية إلى خرابة ككتيبة الفضيل بوعمر في البركة  يرتادها أهل طرابلس للتصوير التذكاري فيها ولجمع ما ترك القذافي من لقى ومقتنيات اشتراها بمال الشعب الليبي الكريم  .. فهذا يغنم قبعته .. وذاك سيفه الذهبي .. وهذه رواق حرير من خيمته الباذخة .

مجموعة قليلة فقط من ضعاف النفوس وذوي القناعات المتطرفة من الكتاب الليبيين تورطت في دعم القذافي أثناء معركته ضد أبناء الشعب لكن أغلبية الكتاب كانوا ثوارا ومناضلين شاركوا في المظاهرات وانخرطوا في حركة المقاومة وها هم اليوم مبتهجون يحملون علم الاستقلال ويرقصون ويتنفسون الحرية التي حرموا منها طيلة 42 عام .. إنهم يعيشون الآن في سعادة يتعانقون ويتسامحون وترى طرابلس الآن مثل بنغازي في الشهور الأولى من الثورة كتلة من الحب الحنون ، الجميع يهمه نجاح الثورة .. الجميع متطوع لحراستها .. فرق تنظف الشوارع .. فرق تحفظ الأمن .. فرق تتبرع بالدماء .. المدينة عادت إليها روحها وعلم الحرية الآن مرفرفا جميلا جدا أمام المحلات التجارية وفي أزقة وأسواق المدينة القديمة المسماة بالحارة .. القلعة التركية المطلة على ميدان الشهداء والتي ألقى من أعلاها القذافي إحدى خطبه في الأيام الأولى من الثورة مزدانة بألوان الحرية ، الثوار يرتقونها ويلقون من فوقها أناشيدهم وهتافاتهم وخطبهم .. الجميع الآن يشارك في الثورة .. الناس عطاشى للحرية .. الثورة تقبلهم كلهم .. تتجاوز عن خطاياهم السابقة تولدهم من جديد .. يوسف باشا القره مانللي  يلوح لهم وينظم لثورتهم .. جامع أحمد باشا الذي بناه عمرو بن العاص يفتح أبوابه وقلبه لإقامة صلاواته على أراوح  الشهداء .. أعمال إنسانية عظيمة قام بها أهل طرابلس خلال الثورة .. شيخ واحد معه مسدس وخمس إطلاقات حمى المتحف التاريخي الملحق بالسرايا الحمراء لوحده لأكثر من 10 أيام .. أسر كثيرة تطبخ الطعام الطرابلسي الشهي وتوزعه على الثوار في نقاط التفتيش بالمدينة .. الحرية آخت بين الجميع .. علمتهم الحب .. الحب الذي تحاربه الديكتاتورية بإفساده وإفراغه من محتواه حتى لا تتحد الناس وتحاربها جماعة .. في ميدان الشهداء مظلات صغيرة .. يجلس تحتها رسامون يرسمون علم الاستقلال على جباه الأطفال وخدود البنات .. في الساحة تسمع الزغاريد .. في الساحة ترى الأعراس العفوية .. ترى الملايين التي جاءت لتعبر عن فرحها دون إجبار من أحد .. لقد نادتها الحرية وقالت لها غني .. وأضافت مازحة وإن لم تغن سأعيد لك الديكتاتور .. طرابلس لم تعش أيام الحرية الأولى .. لم تعش فرحة التطورات الدولية التى واكبت الثورة كاجتماعات مجلس الأمن وإصدارهم قرارا الحظر الجوي 1973 على الهواء مباشرة والناس في ساحة الاستقلال تتابعه بدقات قلبها وتهلل لكل دولة ترفع يدها مؤيدة وعندما صدر القرار ارتفعت الهتافات وشعرت أن جحافل القذافي التي تحاصر المدينة لن تستطيع أن تمحوها كما ظن الديكتاتور وابنه .. لم تعش طرابلس فرحة قذف الديكتاتور وابنه أثناء خطبهما بالأحذية .. كانت أسيرة .. النت موقوف .. الفضائيات يحظر مشاهدتها باستثناء الفضائية الليبية .. كانت تعيش في حزن .. في كبت .. بعد يوم عشرين انتهى كل الهم وانتزعت حريتها وها هي تعوض ما فات من كل شيء .. من صحف من قصائد من انترنيت من حرية .. طرابلس الآن لا تنام .. إنها تستمتع بقصيدة الثورة الكبرى .

في ساحة ميدان الشهداء يمكنني أن أرى العديد من وجوه الأصدقاء .. النخلة السمراء الشاعرة سعاد سالم .. الشعراء  : خالد درويش .. رامز النويصري .. حسام الوحيشي .. وغيرهم .. الجميع الآن شعره الأساسي هو بناء ليبيا .. انضموا في ائتلاف كبير .. أصدروا صحيفة 17 فبراير .. وقفوا في وجه المتسلقين والانتهازيين الطامعين في استثمار الثورة لصالحهم .. في خلال الست شهور التي استغرقتها الثورة .. لم يكن شباب طرابلس الوطني نائما .. كان يقاوم .. يوثق كل شيء .. يتابع الثوار في الجبهات الأخرى ويدعمهم .. يساعد في إخفاء الثوار المطلوبين وتهريبهم إلى خارج البلاد .

الآن شمل ليبيا يلتئم .. هويتها تتنوع لتثري المشهد إبداعيا أكثر .. شمالها يلتحم بجنوبها .. غربها بشرقها .. عربيتها بأمزيغيتها بطارقيتها بتباويتها بيهوديتها .. ليبيا عادت لنا بعد أن سرقت منا بواسطة انقلاب ركب موجة القومية والديمقراطية فخدعنا .. ليبيا أعدناها بأنفسنا .. ساعدنا العالم الحر عندما رأى حريته في قلوبنا .. عندما رأى صدورنا نقدمها عارية قربانا للحرية والديمقراطية .. عندما رأى أننا نعشق الشهادة من أجل الحرية وليس من أجل الإرهاب

28.10.2011

مقالات ذات علاقة

أزمة

عائشة الأصفر

الواشون وذكورية المجتمعات الإنسانية

محمد عقيلة العمامي

غاية الكتابة

حسن المغربي

اترك تعليق