قصة

طباع وضباع

محمد مفتاح الزروق

من أعمال التشكيلي علي المنتصر

لم يمنع القيِّمَ منظَرُهُ الوقورُ.. بدءاً من لحيتهِ الطويلةِ.. ونَظّارتِه الموحيةِ بالتبحر.. وثوبه الناصع النظيف الطويل الواسع.. من أن يهز ردفيه ذات اليمين وذات الشمال داخل ثوبه.. عندما علا الصخب المتناغم في حديقة ألعاب أطفاله..

وقع ما كان يخشاه..

رغم سنوات الابتعاد عن هذه الخصلة التي كان يعدها من الخصال المشينة في نظره.. وجد نفسه ضعيفاً أمام (الدربوكة) البلدية التي أطلقها مشغل الدي جي لإمتاع الأطفال وذويهم.. ولإذلاله ربما.. وتذكيره بماضيه الذي ينفر منه..

منذ الصباح حاول أن يثني أطفاله عن عزمهم.. أن يأخذهم إلى أي مكان آخر.. إلى الشاطئ أو إلى الغابة البعيدة أو حتى دار الخيالة.. واصطدم برفض حاد من الأطفال للاقتراح.. رفضوا إلا أن يزوروا حديقة الألعاب الصاخبة التي أقيمت للاحتفاء بذكرى الثورة.. ووجد نفسه مطأطئا رأسه أمام رأي الجماعة.. مستسلما للديمقراطية التي يبغضها موافقاً على اصطحابهم ليريح رأس أمهم الدائمة الشكوى والتذمر..

كانت الحديقة هادئة إلا من بعض الموسيقى المتنوعة غير الصاخبة.. وشرع الأطفال في اللعب.. هاجوا وماجوا..

بدون أية مقدمات غير السيد مشغل الدي جي القرص واضعاً حداً للنعومة والهدوء.. ليعم الصخب من خلال أغنية تمسك بتلابيب إيقاعها دربوكة من جلد ماعز كان يتدفأ منذ برهة على وهج كانون الفحم الشعبي ذائع الصيت.. يصحبها مزمار درناوي تتراقص شدقا نافخه المغمض العينين بانتشاء وكأنما يتلذذ باحتساء عسل من واديها المزهر..

وقف القيم باعتدال محاولاً أن يمنع كتفيه من الميل في كلا الاتجاهين.. ثبت قدميه أرضا حتى لا تتحركا حركتهما الدائرية المعتادة.. تماما كما تفعل عيادة عضو فرقة الفنون الشعبية.. عندما يضعون الجرة فوق رأسها.. وينشدون لها: يانا ويانا ويانا..

تجمدت كل أعضائه.. لكن ردفيه خذلاه.. تحركا تلك الحركة الدوامية المعهودة وهو واقف في مكانه مسمراً رجليه مثبتا كتفيه..

كان الموضوع سيتوقف عند هذا الحد.. ويظل يلوي في مكانه مثل الغانية بنت علوي.. عليها من الله ما تستحق.. لولا أن بعض عشاق فنه القدماء تعرفوا إليه.. ولاحظوا حركة غريبة تبرز من وراء ثوبه الأبيض.. تجرأ أحدهم واقترب منه ورفع كفه الأيمن إلى الأعلى ليسقطه على كفه الأيسر وهو يهمهم.. هابا هابا.. هابا هابا..

ولم تحتج حليمة إلا إلى بضع دقائق إضافية لتعود إلى عادتها القديمة.. ذهل الأطفال وهم يرون والدهم الذي ينادونه في الشارع بالشيخ حليم.. قد أصبح في غضون دقائق قليلة حليمة الرقاصة..

وتعالى صوت أحدهم:

– متعها يا حليم..

لم يكن حليم في حاجة إلى من يطلب منه أن يمتع وسطه الملوي.. فهو يعرف الأجواء المواتية ليتمتع من تلقاء ذاته.. فقد حليم السيطرة على نفسه.. كانت ملامحه الصارمة تغزو محياه.. وهو يلف ويدور في الحديقة واضعاً جرة وهمية فوق رأسه يخاف أن يسقطها.. ووجد المراهقون الفرصة مواتية ليبرزوا إمكاناتهم الجسدية المذهلة فتراقصوا البريك والتويست والتانجو والمايوركا والسامبا..

بل إن بعض النسوة غطين وجوههن ونزلن من سياراتهن بسرعة ليشاركن حليم ابتهاجه بعيد الثورة بهزة وسط سريعة.. ويهرعن بعدها إلى السيارات قبل أن تلاحقهن عيون وأيدي العابثين.. ليكملن رقصاتهن بأذرعهن وصدورهن داخلها..

وهتف أحد المراهقين بعد أن عرف القيم:

– حيه على أم الشيخ حليم..

وبلمح البصر.. تحول هذا الهتاف إلى مادة غيطاوية بامتياز.. فانقسم الراقصون إلى فريقين: فريق يردد حيه على أم.. وفريق ثان يرد: الشيخ حليم.. وظل الحال على وضعه حتى توقفت الموسيقى.. هنا فقط أدرك الشيخ حليم مأساوية ما جرى فسحب أطفاله من أيديهم.. ووضعهم في سيارته الكبيرة.. وغادر المكان ووراءه يهتف الصبية والمراهقون وبعض كبار السن صغار العقول مرددين تلك الغيطة..

في البيت قابلتهم حرم الشيخ حليم مبدية استغرابها من هذه العودة السريعة.. لكن الشيخ حليم أسرع إلى غرفة نومه وأغلق الباب بالمفتاح.. ولم يقابل أحداً ثلاثاً..

أصدر الشيخ حليم قراراً شخصياً دون إبداء الأسباب بترك المسجد الذي يعمل فيه بعد تلك الفضيحة (ذات الجلاجل).. وانتقل إلى مسجد مهجور لا يعرفه إلا قليل في أحد أزقة المدينة القديمة.. كان مغلقاً أغلب الوقت يحتفظ تجار السوق الشعبية بنسخ متعددة من مفاتحه.. ويدخلونه في أي وقت يشاؤون.. فتح بابه فأصدر صريراً صدئاً.. شرع من فوره في إزالة أعشاش العنكبوت والأتربة العالقة.. وتنقل بين الباعة جامعاً تبرعات لصيانة بيت الله.. كان يخاف أن تتغير نغمة أجهزة التسجيل الموضوعة على أرفف المحال التجارية التي تكرر: “خمسة ووازي.. تعال واختار أي حاجة بدينار”.. فتعلو فجأة تلك النغمة المصحوبة بالمزماروتفضحه مجدداً..

نجح في غضون أيام في جمع ثروة صغيرة تكفي لطلاء وفرش المسجد وتغيير بعض معداته الصحية.. لكن موضوع هز الوسط ظل يقض مضجعه.. وقرر أن ينهي مأساته بزيارة طبيب عظام.. وهو الذي يبغض الأطباء ولأدوية ورائحة بلاط المستشفيات..

بعد أن شاهد الطبيب الصور الضوئية والمقطعية والرنينية رأى أن يحيله إلى إخصائي في (السيرفوميكانيزم) لأن حالة الشيخ حليم مستعصية تتطلب تعديل زوايا وشاصيه وواقيات صدمات.. وأرقه عندما أخبره أن هذا التخصص شبه معدوم في ليبيا وأن عليه أن يسافر إلى ما وراء البحار ليتحصل على علاج..

توسل الشيخ حليم إليه أن يفعل شيئاً حيال الأمر.. لكن وجه الطبيب البلاستيكي الصارم لم يتحرك ليبدي تعاطفاً معه.. وقبل أن ينصرف الشيخ طرق سمعه صوت الدكتور الخافت يقول بتململ:

إن شاء الله حتى تمشي على حساب إدارة الجرحى..

تذكر من فوره شخصاً يعرفه أيام كان يدرس في معهد الرقص.. قابله منذ أيام وأنبأه أنه يعمل في شؤون الجرحى.. عليه إذن أن يزوره ويعرض عليه أوراقه..

لدى دخوله إلى القسم عانقه شاب لا يعرفه بدفء شديد وسأله:

وينك يا أخي؟ من أيام الكر والفر ما ريناك..

قبل أن يقول له إنه متأكد من أن هذه هي المرة الأولى التي يراه فيها.. رأى زميله السابق جالساً مع أحد الجرحى في غرفته.. أبهجه الأمر.. توجه إليه وسلمه الأوراق.. ووعده خيراً.. وصرخ الشاب الذي عانقه لدى دخوله:

واسطة! قول لهم كنت معاك.. أيام الكر والفر.. نسيتني؟ قول لهم الحق..

همس في أذنه: نعم.. أنا كنت أكر وأفر.. ولكن في مكان لا يخطر ببالك..

وسافر الشيخ حليم مع زوجه وأطفاله إلى بلاد العم سام.. وفحصه إخصائي السيرفوميكانيزم.. وأبلغه بأنه يحتاج إلى تثبيت بعض قطع البلاتين في وسطه ليحد من حركته.. ووجدت الزوجة الفرصة مناسبة لإزالة وشم قديم أعلى شفتها.. وركبت أسنانا صناعية ونفخت شفتها السفلية بالسيليكون.. وعادوا سالمين غانمين..

لدى وصولهم إلى المطار وجدوا الشاب الذي عانق حليماً في مقر شؤون الجرحى ينتظرهم في صالة القادمين مع عدة متظاهرين يحملون لافتات تندد بالتسيب والواسطة.. وكان أحدهم يقرع طبلاً وآخر يضرب دربوكة من جلد الماعز.. وكانوا يغيطون:

رزق الجرحى.. الله يدومه..

زيطو ينعل بوك حكومة..

وعادت حليمة..

بدأ يحرك وسطه تلقائياً.. لكن مسامير البلاتين منعته من الحركة.. مضى الشيخ حليم راقص الفؤاد سعيداً.. لكن أحداً لم يعد يلحظه يهز وسطه منذ عودته المظفرة من بلاد العم سام..

20 أبريل 2014

مقالات ذات علاقة

طواجين الخبز

حسن أبوقباعة

قصصٌ قصيرةٌ جدًّا ..

المشرف العام

اخـتـيـارات

غالية الذرعاني

اترك تعليق