من أعمال التشكيلية الليبية خلود الزوي.
سرد

طاكسي أفريقا

 

طاكسي أفريقا – 1

الجزائر 4/7/2009 – الساعة اطناش في الليل

المتعب والقلق والضال ..

أمين المؤسسة العامة للثقافة والاعلام، تفقد الوفد الاعلامي الليبي في مطار طرابلس العالمي وأهل الخير يعاتبون محرر وكالة الجماهيرية للأنباء لعدم حضوره لجولة السيد نوري الحميدي. كان “العبسي” كما سأسميه لاحقا مرهقا جدا بعد تلك المسافة الشاسعة التي قطعها برا من بنغازي لطرابلس ليل الأمس وصباح اليوم لأنه بلغ بمهمته قبل السفر بأقل من أربعة وعشرين ساعة، ولكنه ما زال يقاوم، وخالد درويش يمطرني باتصالاته القلقة.

(ترن)

– حسام كيف الأمور.

– كويس يا خالد.

(ترن)

– حسام، محمد الأصفر رايح في المطار، بلقاسم ضو غادي، شوفه.

– توا انكلمه وانقولك.

(ترن)

– اركبتوا الطائرة؟

– إيه.

– راك تنسى فيه فرق في التوقيت احني زايدين عليهم بساعة، ابعت الماده بكري.

– أوكيـ “ن”.

إلخ.

إسفلت برتبة شاهق ..

نحن الآن على بعد صفرسنتمتر من اسفلت مدرج مطار طرابلس العالمي، كابتن البيكاتشو (الطائرة الصغيرة)، يمضغ مكبر الصوت وعقول الوفد الاعلامي الليبي المتجه للعاصمة الجزائرية للمشاركة في المهرجان الثقافي الافريقي، الطبعة الثانية عقب 40 عاما من طفقه سنة 1969:

– نحن الآن على ارتفاع اربعة آلاف قدم عن سطح الأرض.

يبدو أنني لم أستيقظ بعد، النوم سلطاني، لا زلت في فراشي اللعين، وبجواري “لينو” تغط في رقاد عظيم، وقائد باخرة السماء ما زال في حلمه الجوي المتأخر ساعة تقريبا عن موعده الرسمي في الرابعة مساء، الذي انطلق من مرفأ العاصمة الليبية الأرضي، نحو البلد العربي الأكبر بمساحة تبلغ 2. 181.147 كيلو متر مربع، وشرفة على الابيض المتوسط امتدادها 1200 كيلو متر، تلاطم على شواطئها مسخ عنيف يحتاج لمثل هذه الاحتفالية الباذخة الحراك ليشطب من الذاكرة، غير أن ذلك ينكأ جراح شباب بلد المليون مهاجر كما وصفها “الدجيم”.

ايكوزيم البيضاء.

النورس الليبي اسبل جناحيه في الجو (حسب توقيت الحقيقة لا وفق زمن قائد الطائرة) باتجاه إيكوزيم البيضاء (الجزائر العاصمة) بعد نقاش مرير حول خمس وعشرين حقيبة لم تسعها جعبة البيكاتشو.

– يا طبال ماذا ستفعل غدا اذا ما وجدت شنطة الكاميرا “بح”.

هل ستلتقط الصور بمقلتيك الكحيلتين وتهتف “تشيييك” وترسل “الله غالب حارة” في الايميل بطعم هذه القيلولة للصحيفة؟

– يا راجل علاجي كله في الصاكو.

– اييييح، No صور، No صحة، هلبا يا طبال.

صديقي العتيق ..

أحدهم سجل أسماءنا في مطار الهواري بومدين ليتم نقلنا للفندق، كانت الباصات فارهة والمرافقين أكثر من رائعين رغم مطاط الانتظار، الذي خفف منه وجه القائم بالأعمال الباسم وهو ينهال علي وكأننا أصدقاء قدامى، قائلا:

– متفكرتنيش، حق لينا زمان متلاقيناش لاكن اني مننساش العشره بكل.

وانتقل يصافح المجموعة فردا فردا، ثم عاد لي:

– اقريت الجامعة في المغرب عام سته وثمانين، صح والا، لا.

فكرت قليلا وأنا أكاد أنفجر مقهقها، ثم:

– في الستة وثمانين كان عمري ستة سنين.

فكرت مرة أخرى. لن يتوقف وجهي الكهل، والشيب المشرق في رأسي، عن نسج المقالب للاخرين، ولكن رب شبه خير من ألف ميعاد جزائري.

الباص البرتقالي ..

ونحن ننهب الطريق، صعودا بعض الأحيان ونزولا في أوقات أخرى، الوفد الليبي يتوغل في شرايين هذه المدينة الناصعة الروح والمبهجة بشكل غريب يزيح ضباب الرحيل عن الوطن، وكأنك في المقريف غلسا والندى يلعق الجو ليبرد نار الازدحام الصباحي اللجوج، المتوسيكل الصغير أمامنا يرتدي ألوان رجل المرور الذي يقوده، الرجل الرسمي ينحني على السيارات ويهمس، المركبات التي كانت تسد الطريق تختفي، ما هي الكلمة السحرية المنطلقة من شفاهه يا ترى، اقترب وصولنا للهوتيل الضخم “الأوراسي” وهو يجثم بقامة تبدو مقدودة من جبال الأساطير اللذيذة، الأستاذ فوزي ينتبه فجأة:

– الموطو هذا يفتحلنا في الطريق.

وليلى تعلق:

– يا سلام شن هل الاكتشاف الرهيب.

أضحك في سري من جديد.

دفتر اليوم ..

الافتتاح الشعبي الساعة الرابعة، علينا الذهاب الى مركز الثقافة والفنون في العاشرة صباحا لكي يلتقطوا صورنا ويجهزوا البطاقة الاعلامية.

نحن هناك الآن، الفتوغرافي الشاب التقط صورنا منذ المنذ، وأنا أتنقل بين أعضاء اللجنة المشرفة، لعلي أعرف متى سنحصل على بطاقاتنا.

أجابتني الفتاة الأولى:

– الساعة الواحدة بعد الزوال.

لم يحدث شيء.

أجابتني الصبية الثانية:

– الساعة الثالثة.

لم يحدث شيء.

الرابعة على وشك، وأنا قد استفهمت الآن كل الصبايا والشباب وبعض الكهول أيضا.

– البطاقات غدا.

انطلق خارج المركز الثقافي،أدلف في أول (طاكسي) وأصل، الحفل الشعبي لم يبدأ، سينطلق بعد قليل.

ها هو ينطلق، والمعلومات كثيرة لدرجة محزنة كل شيء كما هو على الانترنت وفي الجداول والبرامج.

– وسكت شهريار ليرسل المادة قبل أن ينتحر خالد درويش، ونلتقي الأسبوع المقبل مع فعاليات الافتتاح الرسمي الذي يبدأ غدا، ولكن لم تنشر المادة فأرسلتها في اليوم التالي بمعية الروائي محمد الأصفر الي ثقافية قورينا التي يشرف عليها الشاعر عبد الله الغزال الا أن الياهو لم تسلم الرسالة كما يبدو، وبدأت في كتابة “سيارة الأجرة الثانية”.

* طاكسي افريقا – 2

ثرثرة شهريام ..

لم يستطع شهريام التوقف عن الكلام السري، رغم أن الطاكسي الأول قد لا ينشر لأسباب في بطن المشرفين، فلاذ بالـ (لاب توب) يعجن على شاشته خبز كرنفال الثقافة الرسمي، لتأتي الأرغفة السمراء ساخنة، بلون بحر ثلاثمائة وخمسين جسدا دوزن موجهم المبدع الجزائري كمال والي متكئ على سيمفونية 120 تقنيا، أثثوا هديل النجوم (وردة الجزائرية، يوسو ندور، وسيزاريا إيفورا، إيزابيل عجاني). تقول المعلومات المتاحة ان 48 بلدا إفريقيا بالإضافة إلى الولايات المتحدة والبرازيل يشاركون في المهرجان الثقافي الافريقي وأن 34 وزيرا حضروا مراسم الافتتاح، من بينهم الحبيب بن يحيى الأمين العام لاتحاد المغرب العربي، والسيدة كاتلين كليفر، أرملة إلدريج كليفر والسيدة سامية نكروما، ابنة الراحل كوامي نكروما، والسيدة جاكلين كيزربو، أرملة جوزيف كيزربو، ومدير مجلة رونيسونس أفريكان، الأمريكي كوينسي تروب، بالإضافة إلى المخرج الأمريكي الكبير داني غلوفر، إلى جانب ميراي وأوليفي فانون، نجلا الراحل فرانتز فانون، وأميناتا درامان تراوري، كاتبة وشخصية سياسية مالية، والشاعرة الأمريكية جاين كورتيز، والمطربة الجنوب إفريقية دوروتي مازوكز ومواطنتها سونتي منديبال التي تعد “مريم ماكيبا الجديدة” بالإضافة إلى حضور صديق الثورة الجزائرية جاك فارجيس.

البطاقات العصبية ..

– ويغن كغت الصغفيين ـ أين بطاقة الصحفيين (بالفرنساوي).

– مغتيتاش، غندي وغقة الاغتماد ـ لم آخذه، لدي ورقة الاعتماد (بالفرنكاوي).

– ممنوغ الدغول بغون كغت الصغافة ـ ممنوع الدخول بدون كرت الصحافة (بالفغونسي).

ثم تضع رئيسة التحرير الوحيدة كفيها على طبل الاذن وتصرخ، يا أبي الليبي أمي الأفريقية تطردني من حفل الافتتاح من أجل كاغط بائس.

– كسكوسي يديرو فيا هكي، أنا ابنة الطين الأسمر.

– أنت لطخة فوضى ترفض السياقات الرسمية.

– لست من أجل تسليم البطاقات انتظرت الموعد الأول في الواحدة بعد الزوال والموعد الثاني في الثالثة ولم أحضر الافتتاح الشعبي ولم أنبس سوى بالصمت، من فك عنق السياقات يا عزيزتي المفرنسة اذا ؟ أنا أم عطر ألفاظك الباريسي.

ولكنه مجرد حديث طرشان، فلا المشرفة تتقن اللغة العربية ولا المعتصمة تدرك نتفة من الـ “باغلي فغونسي”، غير أن أحد الصحفيين الجزائريين همس لي بصوت خافت في اليوم التالي:

– هل رأيت ما الذي فعلوه بالأخت المصرية في باب حفل الافتتاح بالأمس لأنها لم تكن تحمل بطاقة المهرجان.

هززت رأسي في حركة دائرية لم أفهم حتى أنا هل تعني نعم أم، لا، ليردف.

– لقد استفزتهم عندما قالت أنها لم تأتي من اسرائيل بل من ليبيا (مع التأكيد على أنه قال أنها مصرية ربما لوصلة الردح التي أمتعت الحشد الكريم).

واصلت الهز، محاولا نقل الحوار الى قضية التبغ الرديء في الوطن العربي “السباس”.

ماما سبيس تون ..

صابرينا أو “ماما” كما أناديها لأن جوقة متسائلين تحيط بها دائما، ماما أين الحافلة؟ ماما أين غرفتي؟ ماما “وين” المركز الاعلامي؟ ماما أين المطعم؟ ماما متى سنذهب؟ ماما كم الساعة؟ ماما الباص تأخر؟ ماما لقد سحبوا الكاميرات كيف سنحصل على الصور؟ ماما أريد ثيابي؟ كرهت لحم الضأن الاجباري. ماما خاطري في جيلاطي. ماما الجوارب مثقوبة. ماما الماء بارد. ماما الليل طويل. ماما “نبي بابا”. صابرينا فتاة جامعية تدرس المحاسبة في الثانية والعشرين من العمر، ذات تقاسيم فاتنة عربية وابنة دكتور في القانون يرفض التكلم بالفرنسية رغم أنه يجيد بجوارها الايطالية والانجليزية. استقبلنا وجهها الباسم منذ لحظات الفندق الأولى أصبحت اليوم هي المسؤول الأكبر على صحفيي الأوراسي بعد ذهاب المشرفة الشقراء التي تشبه نبات الشعال، لتأبين أحد أقاربها.

– حسنا يا سيد حسام الآن ستنتظرون قليلا هنا، ثم ستذهبون للغرف.

– ماشي يا سبيس تون.

– عفوا.

– نعم سنذهبون.

الى لقاء مع الطاكسيات القادمة، كان سخر الله.

مقالات ذات علاقة

زويـلـة

إبراهيم دنقو

خـراف حـنـاي

كريمة حسين

من كتاب “بنات الغابة: سيرة النص والجسد”

سالم العوكلي

اترك تعليق