النقد

صَبَاحُ الخَيرِ بَنْغَازِي

المجموعة الشعرية صباح الخير بنغازي

(1)

بهذه التحية الصباحية الرقيقة المعتادة في كل الصباحات اختار الشاعر موسى اللافي عتبته الأولى لديوانه (صَبَاحُ الخَيرِ بَنْغَازِي) الصادر عن وزارة الثقافة والمجتمع المدني سنة 2013م والذي يهديه إلى شقيقته “فتحية”، وهي على ما يبدو من كان يشجعه ويحفزه للتواصل مع أحد البرامج الإذاعية المسموعة التي تُعنَى بالمواهب الشبابية لنشر ما يكتبه من خواطر وأشعار وقصائد، وهذا ما نستشفه من الإهداء القصير الذي خصَّها به ويقول (مطلع العقد الثمانيني من القرن الماضي قالت لي:” في الراديو برنامج يعده سالم العبار ويقدمه عبدالله عبدالمحسن لماذا لا تراسله؟” … إلى شقيقتي فتحية).

(صباحُ الخير بنغازي) هو الديوان الثالث للشاعر موسى اللافي بعد (أحبِّينِي) الصادر سنة 2000م عن دار هنيبال في بنغازي، و(أحمر أصفر برتقالي) الصادر سنة 2006م عن مجلس الثقافة العام، ويحتوي ثلاثين نصاً شعرياً يغلب عليه التعبير الوجداني الشخصي والنفس القصير، وينحاز فيه الشاعر إلى المفردة الايقاعية الرقيقة التي تحمل دلالات مباشرة واضحة، وأحياناً متعددة التأويل تتأرجح بين المعنى المحدد والإيحاء الدلالي.

وقد تسلسلت عناوين الديوان كالتالي (بيان قديم جداً، صباح الخير بنغازي، الشعار، الضفة الأخرى، المعذرة، إنكسار، حزن، إشارة مرور، عن الدراهم، الأحفورة، رمال، وفي الصحراء، غنِّ، لا جديد، وصية، ونا عم غنِّي، فتوى، صيام، السهرية، الحكاية السوداء، الكلمة الحلوة، آخر ما كتب الفزاني، وطن، قصيدتي، أمر، إلى الدكتاتور، يوميات، الشهادة، إلى شهداء الكتيبة، الثائر).

وفي المبتدأ يحدد الشاعر ثلاثة من شريحة القراء يستثنيهم من أولئك الذين يكتب لهم، ويعددهم في نصه الأول (بيانٌ قديمٌ جديد) كالتالي:

(لا أكتبُ للشعراءْ

لا أكتبُ للفقهاءْ

لا أكتبُ للأُمراءْ)

وفي المقابل يختار أن يكتب شعره للقراء البسطاء:

أنا أكتبُ للقراءْ

البُسَطَاء البُّرَاءْ)

وهنا نلاحظ أن بنية النص تنطوي على تناقض فكري مع ذاتها المبدعة، فكيف للشاعر صاحب النص ألا يكتب للشعراء وهو محسوب منهم وينتسب إلى عالمهم الجميل وغالباً ما يعتبرهم فضاء لعوالمه.

كما نجده في نصه (قصيدتي) يخاطب الناقد الذي يتصدى لنصوصه وأشعاره حيث يرد عليه بأسلوب انفعالي مفاجيء وصادم يتسم بالغلظة والعنف اللفظي وينهره في تحدي صريح بعد أن يصفه بالفشل في الشعر ويتهمه بالحسد والحقد قائلاً:

(صَهٍ! أيُّهَا الناقد

نعم أنتَ! أَعْـنِيك

أيُّهَا الشاعـرُ الفاشل الحاسد الحاقد

صهٍ! ليس عندك بيتٌ من الشعر واحد)

وهذا التهجم يقودنا إلى سؤال مهم وهو من يا تُرى سيتصدى لنصوص الشاعر بالتحليل والنقد والتدقيق إذا كانت علاقته تتأسس بروح عدائية معهم كما يبرزها نصه؟

(2)

أما نصه الذي اختاره عنواناً وعتبة رئيسية لكامل ديوانه (صباحُ الخير بنغازي)، فيقدم فيه سرداً متعدد المشاهد لحياة المدينة البسيطة التي يخاطبها بتحيته الصباحية الرقيقة، ويقترح علينا شخصية الخبّاز العامل البسيط الذي يستهل عمله مع العجين والنار قبل انبلاج الضوء، منذ بزوغ الفجر واشراقة الصبح ، فيلبي نداءات وتكبيرات الآذان الربانية المتعالية في فضاء المدينة والكون، فتجعلنا تلك الصورة الشعرية ننتشي روحانياً وإيمانياً مع رمزيتها الدلالية الجميلة، ونشمُّ معها عبق رائحة أرغفة الخبز طازجةً ساخنةً، ونكبر ونركع ونسجد ونشهد ونسلم، ثم نعانق مع الشاعر وأهالي المدينة كافةً بداية اليوم على أنغام أغنية الفنان الراحل نوري كمال الصباحية الشهيرة (صبّح عليك الورد يا حلو يا ضاااااحك … يا منور الدنيا ببسمة افرااااحك …) من كلمات الشاعر الراحل عمر المزوغي وألحان الفنان المبدع عبدالباسط البدري.

وقد ظهر هذا النص الشعري الرقيق ثرياً بعناصر تحمل شواهد وتاريخ ومعالم المدينة منذ لبسها الطربوش التقليدي القديم وهو إشارة إلى فترة الحكم العثماني لها، ثم منظر الكورنيش الذي شيده الايطاليون على شاطئ بحرها المتوسطي إبأن الاحتلال الايطالي، معززاً بتحفيز الشاعر لمدينته بنغازي على طرد الكسل، والنهوض والانطلاق وعدم الاكتراث أو الخشية من المجهول، مستخدماً التعويذة الشعبية (عليك الحوت) لتحصين المدينة المخاطبة من كل ما تخشاه من شرور وتهابه من ركود، حين تستجيب لنداءاته (انهضي، اغتسلي، صلّي، أطفئّي، أطلّعي) التي يتوالى ظهورها بالنص في تتابع زماني منذ الفجر حتى المساء، ومكاني يمتد من البحر إلى الجبل:

(غَفَا الخَبَّازُ

والخُبْزُ الذي سوّاهُ فَاحْ ..

بنغازي!!

صباحُ الخير

وصدى الله أكبرُ حَوْلَ طَرْبُوشِ العتيق

يرشُّ نَهْدَيكِ المَسِيحِيِّين أَسْرَابَ حَمَامٍ

اِنْهَضِي!!

“صَبَّحْ عَلِيكَ الوَرْد” في الرَاديو

واغتسلي على الكُورنيش

لا تخشي (عليك الحُوت)

في ضوءِ المنارةِ

ثم صَلّي ركعتين

وَأطْفِئِّيهَا – مَركبُ “الحوّات” عَادَ- إِلَى المَسَاءِ

وَاطْلِعِي الشَّمْسَ التِي طَهَّرْتِهَا فِي البَحْرِ مِنْ خَلْفَ الجَبَلْ)

ويستهل الشاعر موسى اللافي المقطع الثاني من قصيدته (صباح الخير بنغازي) بتكرار النداء والتحية الصباحية للمدينة الحبيبة مسبغاً عليها صفة وطنية شمولية من خلال مناداتها بمفردة اللهجة العامية (لبلاد)، ومؤثتاّ صورته الشعرية بعدة طقوس وظواهر وعناصر صباحية مميزة مثل “القهوة المخلوطة بحبات الكُسبر، ورقائق “السفنز” الساخنة، ومشاريب متنوعة يبدأها “السحلب” أو “القصب” كما يطلق عليه أحياناً، ثم “الشاي المنعنع” و”الحليب” وهذه غالباً تمثل مكونات وجبة الأفطار الصباحية لأهل المدينة.

وفي طلبه ونهيه وتحذيره (ذكّري أولادك لاَ يدخلون … من بابٍ معاً) يستحضر أولياء بنغازي المشهورين (سيدي خريبيش) و(سيدي حسين) و(سيدي عبيد) في تناص جميل مع النص القرآني الواردة في سورة يوسف وهو قول سيدنا يعقوب عليه السلام مخاطباً بنيه (يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ) التي تبرز حبه الأبوي لهم، وخوفه عليهم وحرصه على سلامتهم، مع إيمانه بقضاء الله وقدره. وهذا التناص قد يعتبره البعض تناقضاً فكرياً يمس العقيدة الإيمانية حين أورد الشاعر دعواته متضرعاً ومستغيثاً فيها صراحة (بجاه) بعض الأولياء الصالحين بالمدينة.

إن الشاعر هنا لا يلجأ للمراوغة النصية أو صناعة شخصيات خيالية أو رسم معالم غير واقعية، بل يتعمد إلقاء تحيته بكل ما فيها من تلقائية ومحبة صادقة للمدينة بمعطيات حقيقية مستمدة من أمكنتها وعاداتها، فيرش العطور الشذية مباشرة في فضاءاتها، ويسكب شهد كلماته على مذاقاتها، ناسجاً صورته الشعرية المطرزة بتفاصيل الصباح اليومي للمدينة فيجعلها تنساب زلالاً في أعماقنا ليأسرنا حضورها القوي، ونهيم في عفويتها وننصهر في ترانيم إيقاعها وأنغام مفرداتها المنسوجة بمفردات رقيقة منغمسة بخياله الخلاب المطعم برصد بعض المعالم والأماكن الحقيقية بالمدينة وتوطينها في سطور النص:

(بنغازي!!

صَباحُ الخَير

يَا “لِبْلاَدْ”

إِنْ أَعْدَدّتِ قَهْوَتَكِ مُكَسْبَرَةً

وَأَرْغِفَةِ “السّفِنْز”

“وَالسَّحْلَبْ”

وَالشَاي المُنَعْنَع

وَالحَلِيبْ

فَذَكِّرِي أَوْلاَدَكِ لاَ يَدْخُلُونَ

بِجَاهِ سِي خِرِيبيش

سِيدِي حَسِين

سِيدِي عَبَيّدِ

مِنْ بَابٍ مَعاً

إِذْ يَخْرُجَونَ إِلَى العَمَلِ)

ويتكرر النداء والخطاب للمدينة في المقطع الثالث الذي يجسد فترة طلوع النهار وبداية يوم العمل وصحوة الحياة الصاخبة في شوارع مدينة بنغازي وضجيج حركة مركباتها المتعددة وسفنها ودوران عجلة مصانعها، وكل تلك الظواهر عبّرت عنها مفردات وأسماء (خوار، زئير، كركرة، صخب، أزيز، هديل، خفق) وقد تمازجت كل هذه العناصر المتنوعة لتمثل بانوراما أنفاس الحياة اليومية في قلب المدينة النابض، التي اختص بها مكاني (الجريد) و(الفويهات) وهما يمثلان الأحياء الشعبية البسيطة فيها، وكل هذه العناصر المادية والأمكان والأسماء الحقيقية تمنح النص صدقيةً وطاقةً تفاعلية، وتعطيه روحاً شفافة آسرة، وسطوة هائلة تمكنه من اختراق وجدان المتلقي لتستوطنه بكل الهيام والبهجة والمسرة:

(بنغازي!!

خُوَارُ السُفُنِ فِي المِينَاءِ

زَئِيرُ الشَاحِنَاتِ الحَافِلاَتِ المَرْكَبَاتِ …

كَرْكَرَةُ المَصَارِيعِ العَتِيقَةِ فِي دَكَاكِينِ العَطَّارِةِ فِي “الجريد”

صَخْبُ الآلَاتِ فِي نُولِ شَفِيقْ

أَزِيزُ مَوْجَاتِ الإِذَاعَاتِ البَعِيدَةِ فِي مَذَايِيِعِ المَقَاهِي

هَدِيلُ يَمَامِ “الفُوّيْهَات”

خَفْقُ أَجْنِحَةِ النَّوَارِسِ فِي رَذَاذِ الفَجْرِ وَمَرَايَا السباخ)

وجاءت خاتمة قصيدة (صباحُ الخير بنغازي) خلابة زاخرة بالبهاء والجمال الذي طرزته لوحة الشاعر لمدينته المعشوقة متقمصة هيئة فتاة أو سيدة تتزين بارتداء فستان جميل جذاب، اختار له اللون الوردي البهيج المستوطن في العيون والقلوب على حد سواء، لتغدو كحسناء أو عروس تستريح على مساحات شاسعة من الأرض بتنوعها الطوبوغرافي السهلي والشطي والسفحي وهي تغوص في صفحات جريدة (أخبار بنغازي) التي كان الشاعر أحد محرريها ذات فترة زمنية، أو تستوطنها من خلال كلمات نص من نصوصها أو مقالاتها المنشورة، مع آهات أنفاس أفرزها الشاعر متداخلةً بين الحنين والوجع والحبور، وعبّر عنها بتنهيدته الصوتية الطويلة (آآآآآآآآه) لتبعث فينا العديد من الأسئلة ، فهل مثلاً نعتبرها إشارة ماضوية للتحسر والحنين؟ أم زفرة ألم صامتة تزلزل الأعماق؟ أم هي دفقة بهجة تنتفض حباً وتحيةً للمدينة المعشوقة؟ ويظل فضاء النص متسعاً لمثل هذه الأسئلة التي يحتضنها بكل رحابة، ويفسح لها الخيال براحاً لمزيد التفكير والتأمل والتدبر في مضامينها وجمالياتها:

(بنغازي!!

أَلاَ اِسْتَلْقَيْتِ فِي فُسْتَانِكِ الوَرْدِي

مِلءُ السَّهْلِ

تَحْتَ الشَّمْسِ

بَيْنَ الشَّطِ وَالسَّفْحِ

وَبَيْنَ يَدَيْكِ … آآآآآآآآه

أَخْبَارُ بَنْغَازِي)

أجاد الشاعر موسى اللافي في هديته الشعرية لمدينته المعشوقة بنغازي (صباح الخير بنغازي) التعبير عن مشاعر حبه وعشقه لها، واستطاع صياغة صورة فنية اختلط فيها الواقعي بالتخيلي، وجاءت مكتظة بالبهجة وعامرة بإيقاع صباحي ينسكب في خفوت تام أو صمت مطبق يشابه هدوء وسكينة اللحظات الأولى لانبلاج الصباحات اليومية في مدينة بنغازي الحبيبة. كما أوضح تكرار الشاعر لأسلوب نداءه لمدينته بنغازي عدة مرات مدى حبه الذي يحمله وحجم العشق الذي يضمره لها، والاعتزاز بمناداتها وتحيتها ومعانقتها وجدانياً بكلمات نصه الجميل.

إن هذا النص ينزع عن القصيدة المعاصرة أثوابها النمطية الكلاسيكية، حين جعلها تترجل وسط الشوارع العامة وتمشي على الطرقات، وفي الأسواق بين الناس، لتعيش تفاصيل حياتهم اليومية، وبكل التواضع تشاركهم مكابداتهم وانشغالاتهم، وتسجل بعض عاداتهم وطقوسهم ومظاهر أفراحهم وأتراحهم، وتعبر عن مدى عشقها لهم، وترسم حنينها للماضي في عيونهم، وحلمها للغد والمستقبل الباسم بكل الترقب والشوق، وهي بذلك تعيد صياغة وبناء الهيكل الشعري ومعماره الفني لتضمّنه عناصر الحياة اليومية، والتي بدورها تضيف إليه إيقاعاً داخلياً مفعماً بالأحاسيس الصادقة، التي تحضن فكرة النص على بساطٍ من التلقائية والعفوية المبهرة، الساعية لنيل القبول والتفاعل الواجداني المشترك.

(3)

يعترف الشاعر في نص فتواه الشعرية بإحساسين وشعورين متناقضين يعتمرانه معاً هما الحب والكره. وقد جاء حبه متنوعاً ومختلفاً بين الحسي والمادي (النساء، الطيب، الدعاء، الشعر، الموسيقى) مضيفاً إليهم (كل شيء لطيف) كما حددهم وصرّح بهم في نصه (فتوى). أما الكره فاقتصر عنده على شريحة بشرية معينة واحدة من الناس وهم (الفقهاء). وصفة الفقهاء في عموم لفظها تعني أهل الاختصاص وتشمل فقهاء القانون وفقهاء العلم وغيرهما، ولكن في بلادنا يغلب شيوعها وإشارتها لشيوخ الدين، معللاً كرهه لهم بأنهم (أوصياء) وهو تعبير شامل ومطلق بلا محددات، ولكنه زيادة في التوضيح يقول (لأنهم يحسبون أننا أغبياء … لأنهم يحسبون أنهم أنبياء)، وهذا التعليل يعده كافياً لأن يضعهم ويصنفهم في خانة المكروهين الذين لا يحبهم.

وقد جاء التقابل بين ضمير المتكلمين (نحن) وضمير الإشارة للجموع (هم) جميلاً جداً ودالاً وصريحاً حد النعت المباشر، أما الصفة التي أطلقها على كل طرف (أغبياء) و(أنبياء) فقد خلقت رنيناً صوتياً مفعماً بالموسيقى والإيقاع، الذي يعزز دلالة اللفظ والمعنى، ويؤكد جمالية الصورة الشعرية التي أبدعها الشاعر في نصه القصير (فتوى):

(أحبَّ النساء

والطيّب

ثم الدعاء

والشعر

مثل الموسيقى

وكلَّ شيء لطيف

واكره الفقهاء

لأنهم أوصياء

لأنهم يحسبون أننا أغبياء

لأنهم يحسبون أنهم أنبياء)

(4)

يعكس نص الشاعر (ونا عم غنّي) تفاعل الذات الشاعرة مع أغنية (سلّم لي عليه) إحدى أغنيات المطربة العربية فيروز والتأثر بكلمات ولحن ورقة أداء تلك الأغنية وعذوبة صوت المطربة وهي تردد لازمتها (ونا عم غنِّي) باللهجة اللبنانية المفعمة بالدفء والسلاسة والرقة، حد الانسياب المكتظ بالغنج والدلال مع باقات من همسات الحنية ممتلئة بفيوض مشاعرها الإنسانية المتنوعة.

لقد ارتج قلب الشاعر مع مفردات وأنغام هذه الأغنية الرقيقة هائماً ومعجباً، فأطلق بوحه الشعري القصير، وطرح أسئلته القلقة، وبسطها في ثنايا النص (وأنتِ لمن تطربين؟) لعله يسمع إجاباتٍ شافية تشتت قلقه وهواجسه، وهو يخاطب خيالاً قد يكون للسيدة الفنانة نفسها، أو حبيبة أخرى تسكن قلبه، أو ربما طيف الحلم المتراقص أمام عينيه لحظة سماعه الأغنية ومخاض تخلّق النص، وسرعان ما تحول ذاك الهيام والإعجاب إلى إقرار (بصعوبة البساطة) التي انتقلت من الأغنية الفيروزية وهيمنت على نص الشاعر، فتمازجت عناصرهما، وشكلت لوحة تعبيرية ضاجة بالمشترك حد التماهي، وقد اقتصر التفاعل بينهما على جانبين، أعتبر أن أولهما إيجابي تمثل في الطرب والانتشاء بالغناء والاستمتاع بترانيم ومفردات الأغنية، أما الثاني فهو سلبي يمثله العجز عن التصفيق بسبب الانبهار التام، والإغراق العميق في فضاء الأغنية الآسر. ولا شك أن هذه الحالة التفاعلية البسيطة في شكلها تكتسي صعوبة في تفكيكها لمحاولة فهمها، واستقراء مكوناتها الجمالية وقدراتها الفنية وبالتالي نقلت الشاعر إلى موقف العاجز الفاقد للقدرة على التحليل والمحاكاة والتفسير الدقيق:

(غَـنِّي!

كالبحر أزرق وكبير

والسماءِ ..

وبعيد ..

غير أن نطرب

وأنتِ لمن تطربين؟

ما بوسعنا فعل شيء

ولو مجرد التصفيق

ولا قول شيء صعب

صعوبة البساطة التي بها تغنين)

(5)

يورد الشاعر في هامش سفلي بأن “الحكاية السوداء” هي (أول قصيدة تكتب في جريمة حقن الأطفال. ولم يسمح بنشرها). والحكاية في النص الشعري هي دليل على تعالق الشعر مع السرد بصرف النظر على لونها الذي انصبغت ووصفت به، والذي هو بلا شك يلبسها ثياب الحزن ويبعث الكثير من زفرات الألم وصرخات الغضب.

وقد جاءت “الحكاية السوداء” في ثلاثة وعشرين سطراً قصيراً تضمنت عدة أساليب منها السرد القصصي (سرى إلى الأطفال في أسرة الشفاء … كأن الديجور مخبئاً نيوبه وذيله في معطف الدكتور)، إضافة إلى أسلوب السؤال المتكرر الذي ظهر استفزازياً غاضباً (مَنْ بذرَ الفيروس ..؟) و(مَنْ ضَخَّ هذا ..؟) وهذا دليل على حجم الغضب والإنزعاج والرفض التام لتلك الجريمة الإنسانية البشعة التي راح ضحيتها أطفال مدينة بنغازي حين تم حقنهم بفيروس الأيدز القاتل:

(تحت سماء دائماً زرقاء

وفوق أرض دائماً تدور

سرى إلى الأطفال في أسرة الشفاء

كأن الديجور مخبئاً نيوبه وذيله في معطف الدكتور

وحين أقبل الضحى

تحت سماء لم تزل زرقاء

وفوق أرض لم تزل تدور

تسأل الضياء:

من بذر الفيروس في ارتعاشة العصفور؟!

من ضخ كل هذا الفورملين في طراوة الزهور؟!)

بعد ذلك يلتفت الشاعر إلى أمهات وأباء وأسر الأطفال الضحايا معلناً موقفه الإنساني والوطني من هذه الجريمة النكراء مستخدماً أسلوب النفي المتكرر والاعتراض والتحدي بنبرة تلمح بالتهديد الخفي (لن نكون..) و(لن نوحش ..) و(لن ندع ..) التي توالت تحت لازمة النص (لأننا تحت سماء لم تزل زرقاء .. وفوق أرض لم تزل تدور) فاتخذتها سقفاً ومظلة كونية تستظل وتحتمي تحتها، وتتواصل بها في بلاد بين السماء والأرض دون تسميتها:

(لكننا يا آمهات يا أباء

لأننا تحت سماء أبداً زرقاء

وفوق أرض أبداً تدور

لن نكون مرتين أغبياء

لن نوحش الأطفال – في فردوس لعب الأطفال- بالبكاء

لن ندع الأطفال يلمحوننا ونحن في البكاء

لن ندع الأطفال يسألوننا لما البكاء؟؟)

وفي خاتمة (الحكاية السوداء) يمنح الشاعر نصه فرصة أمل فسيحة لرسم لوحة ما بعد الجريمة، تاركاً باب المستقبل مفتوحاً لنهاية تطوي صفحات هذه الجريمة النكراء جاعلاً من خلفية “العش” و”الياسمينة” صورة تعبيرية رمزية للطفولة الضحية، ليوطن بهما ابتسامة صفراء تتوسع مع كل تجميع لعيدان العش لتتحول تدريجياً إلى اللون الأخضر مرتسمة على ثغور الحياة كافة، وهو ما يعكس في نهاية هذه المأساة الإنسانية تبدلاً كبيراً سواء على صعيد اللون من الأسود إلى الأبيض أو مضمون الحكاية من الحزن والألم إلى الفرح والبهجة:

ومثلما ينبض عش في جدار

أو ياسمينة تشرق عن عمى الجذور

لنصنع ابتسامةً صفراء!!

بل خضراء

هذي هي النهاية الوحيدة البيضاء

لتلكم الحكاية السوداء …..

(6)

تعتبر طقوس الحياة ومفردات برامجها اليومية نسيجاً ورافداً مستمراً للقصيدة الشعرية المعاصرة. فاليومي بكل ما يحتويه من عفوية وبساطة وتلقائية أصبح ركناً أساسياً في تشييد البنيان والهيكل الجديد لقصيدة النثر، والتي هي أحد أبرز ابتكارات أجناس الحداثة الشعرية، وهي صارت غالباً تتأثت بعناصر وتفاصيل الروتين اليومي الدائم والمتكرر الذي قد يعرضها أحياناً للانجراف بكامل النص إلى مهاوي السطحي العادي والمباشر الفاقد لروح الشعر وصوره التعبيرية العميقة والجذابة، وكذلك فقدانه عبق البلاغة وجمالياتها اللغوية وعمق مفرداتها ودلالاتها.

إن هذه الملامح يمكننا رصدها وملاحظاتها عند مطالعة بعض نصوص ديوان (صباح الخير بنغازي) للشاعر موسى اللافي خاصة تلك التي كتبها مواكبة للحراك الوطني الشعبي الذي تفجر في مدينة بنغازي أثناء شهر فبراير 2011م، والتي جاءت في أغلبها، من الناحية الفنية، انفعالية متسارعة واستعجالية، لا تحمل عمقاً في التعبير، ولا دقة اختيار المفردات، واتسمت بضحالة الصورة الشعرية والإغراق في السطحية والتقريرية المباشرة، نتيجة هيمنة وسطوة المشاعر الوطنية المتفجرة من رحم الأحداث المتلاحقة كأمواج البحر المتلاطمة والهادرة المتتابعة بكل العنفوان، وهي وإن كانت على صعيد الموضوع غزيرة مشبّعة ومتدفقة بالحماس الوطني المستوطن أعماق الذات الإبداعية الشاعرة الطامحة للظهور الاستعجالي، دون تفكير في التأني والحرص على تكامل بناء هيكلها الموضوعي ومعايير عناصرها التعبيرية الفنية، إلاّ أنها ظلت متوارية ومبطنة وغير ظاهرة على سطح النص الشعري حتى وإن حاولت الإتكاء عليه أو الادعاء بالانتماء والانتساب إليه، ويمكن التدليل على هذا القول من خلال قراءة تحليلية لمختاراتٍ من النصوص المنشورة بالديوان مثل (الشهادة) و(الثائر) و(شهداء الكتيبة)، ولكن رغم عدم اكتمال النضوج وهذه الضحالة والافتقار الفني فإن معظم نصوص الشاعر موسى اللافي في ديوانه (صباحُ الخير بنغازي) تحمل صوتاً تعبيرياً وطنياً، مفعماً بالصدق، وعاشقاً تواقاً للحرية، وجريئاً في الإعلان عن مواقفه بكل شجاعة.

مقالات ذات علاقة

تسعينيون بلا نهاية.. البحث في هوية النص التسعيني

غازي القبلاوي

عبدالله القويرى.. سيرة صاحب الكلمة

أحمد الفيتوري

جماليات السرد في القصة القصيرة.. قصة الذاكرة لإسماعيل القائدي أنموذجا

عبدالحكيم المالكي

اترك تعليق