النقد

صلاح يوسف وفوزي الشلوي.. شاعران في حكاية اوان الشدو!!

مفتاح الشاعري

الشاعرات فوزي الشلوي وصلاح يوسف

عندما تكون ثمة قصيدة متخذة سبيلها الى فؤاد متلقى غلبت عليه روح مغامرة الاكتشاف فسيأخذ بحقيقة ابيات لا تخلوا من عذب النظم بل سيواجه صفاء وان جاء في صيغة كان.. وسمات المكوث النادر في توقفه وحين الانتهاء لا بأس من متخيل لسقوط ورقة التوت عن توجع شاعر لفظته ارض القرائن وتهزمه لحظات الانتظار.

يقول “كافكا” حين كتب إلى حبيبته ميلينا التي ذهبت: (لا شيء مهم سوى أن الطريق الترابي الذي كنت أقطعه مشياً للوصول إلى بيتكم تمّ رصفه وإضاءته).. هكذا أجزاء من عوالم القصيدة لدى صلاح يوسف لا تخلوا من وقدات من حكاية اوان الاكتمال وان كانت في غير تراضى. يقول الشاعر:
تغيبين عني
وتهربين إلى دائرة
شئونك الصغيرة
هل تعرفين..
بأن غيابك كبير جداً
لدرجة أن العالم
يصبح صغيراً أمامه
وضيق جداً..
كعنق زجاجة

من جهة اخرى ستكون لدينا نوع من حكاية لوقع خواتيم رواية تلوى اعناقها الى الاوقات التي تتعاطى ساعات من قلق وايكة من حب مفقود وقد تحينت فصل من ربيع يتلظى شوقا:
وأنا لا يمكنني التوقف
عن حبك..
أركل مؤخرة
الوقت المترهلة
عندما يتأخر
وجهك عن زيارتي

صلاح يوسف شاعر مهاجر في رواية لم يتحمل كونه شاعر تحمل وزر ارهاصات لنظم في انتظار القدوم فكان لا بد له من خلق مسارات لقوافيه وان قدت من مشاعر ما ان لها الاستقرار او التروي وكأنه في ذلك من حملة مشاعل الإحساس بقلب لم ينشد سوى فسحة من امل وقصيدة وان ضجت بهجر.

وفى كل شاعرنا هذا لم يبع قصيدته.. شاء ان تقلق الاخرين الذي جعلوا من القصائد زاد.. ايضا لم يخلوا هذا الشادي من قرطاس وذكرى ومساء تغزل مهجورة وريح شمالية تحمل خيالات من كانت قد ذهبت وان كان هو قد اعيته مفردات البناء حين اراده قصيدة مقروءة… وبهذا كانت لشاعرنا صورة علقت في ديوان سكنت اليها المعاني في حبورها معانقة لنجمة صباح واخرى في انكسارها تنكفئ الى الدواخل ولا تحصد سوى قصيدة يتيمة في جوهرها غنية بقلب عاشق…
وأنا هنا
أحصي الأيام
في انتظارك
بصبر شجرة
وأنتِ تسافرين
في دمي.

الا نستذكر عند ذاك ما قيل قديما.. ان الشعراء خلقوا بأفئدة وكيان يئنان بالمعاني وأن ظلت تلك المعاني مختلفة الوقع والمذاق والايقاع.. حتى أن من حضر زمن التساؤل قد تسأل لم يستهجن وقت بشكوى لسيدة جسدت من فجر وحياة في تجاور مع ندي مرتجى يباس كالتيه!
سنقول ان ما تيسر سرده هو نبض يدفع بصاحبه الى اعلان لخطوط من حزن كامن واثار لمن فضلوا عدم اكمال الرحلة.. واطياف اخرى لمن عبروا.. وكلمات لعاقل متأمل.. وان ما تيسر مرة اخرى قبس من حقيقة ما كانت للتجاهل وسفر ما كان له الركون… هذه رحلة جاورت قصة أنثى تسافر في دم شاعر عذب انشد ما كان فأصبح غياب يتغنى به وسفر تتلون به وقدات قلقة:
تغيبين عني
وتهربين إلى دائرة
شئونك الصغيرة
هل تعرفين..
بأن غيابك كبير جداً
لدرجة أن العالم
يصبح صغيراً أمامه
وضيق جداً..
كعنق زجاجة
في حانة بائسة
وأنا محشور داخلها
يلقون علي
تحية الصباح
فأشير بإيماءة
ولا أقدر حتى
على تحريك فمي
يبدو الصباح
كئيباً جداً
وشمسه ذابلة
وغيابك نصل سكين
يقطع رأس الزمن
فتموت اللحظات
سريعاً
قبل أن تولد
تغيبين عني
تسافرين..
وتهربين إلى دائرة
شئونك الصغيرة
وأنا لا يمكنني التوقف
عن حبك..
أركل مؤخرة
الوقت المترهلة
عندما يتأخر
وجهك عن زيارتي
وأصفع ذرات الهواء
لأنها فشلت
في اعتقال عطرك
وألعن اليوم ألف مرة
وأسحبه من قميصه
إلى زاوية الشارع
وأطلب منه الرحيل
وأنتظر يوماً آخر
لعله يأتيني بكِ
قلبي
ليس مقعداً
في حديقة برج أيفل
تبلله ذكرياتك
ليس متحف اللوفر
في باريس
تزورينه مرة في العام
ثم تطيرين
إلى قاهرة المعز
ترتبين فيها أوراقك
المبعثرة
وتركضين بعيداً عني
كطفلة نزقة
تدخنين الأرجيلة
في مقاهيها
وأنا هنا
أحصي الأيام
في انتظارك
بصبر شجرة
وأنتِ تسافرين
في دمي.

ثم ها نحن لا نغادر جماليات القصيدة أن كنا قد جاورنا شاعرنا الثاني فوزي الشلوي و”دهشة في اوان الحضور.. وطالما أننا هنا سنورد ما قاله د. ابراهيم الفقى أحد محاضراته: [ﻻﺣﻆ ﺃﻓﻜﺎﺭﻙ ﻷﻧﻬﺎ ﺳﺘﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻲ ﻛﻠﻤﺎﺕ.. ﻻﺣﻆ ﻛﻠﻤﺎﺗﻚ ﻷﻧﺎ ﺳﺘﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﻋﺎﺩﺍﺕ.. ﻻﺣﻆ ﻋﺎﺩﺍﺗﻚ ﻻﻧﻬﺎ ﺳﺘﺘﺤﻮﻝ ﺇﻟﻰ ﺃﻓﻌﺎﻝ.. ﻻﺣﻆ ﺍﻓﻌﺎﻟﻚ ﻷﻧﻬﺎ ﺳﺘﻜﻮﻥ ﺷﺨﺼﻴﺎﺕ.. ﻻﺣﻆ ﺷﺨﺼﻴﺎﺗﻚ ﻷﻧﻬﺎ ﺳﺘﺤﺪﺩ ﻣﺼﻴﺮﻙ] …

وسنرى عقب ذلك الشاعر فوزي الشلوي وقد كان ولازال هو ذاك المنكفئ إلى نفسه بحنو.. والمتأبط لأحرف التهجئة.. المسكون بخيفة لهجر برهة او سقطة احتضار.. والعاشق للحياة في سمة الترفع والمتطلع لمشروع تأسس على سمو نفسه وجمالية رؤية ورؤى.. وكأننا في هذا الى جوار الشاعر فتح الله المجدوب حين قال:
سأكتب على جدار الغياب
حروف أسمك
واصنع من ظلال السراب
لحظة لقاء
وانتظر في زوايا العودة
طيفا يشبهك
يكتسي حضورك
ويدعي انه انت

ونكاد في اجماع مع من قالوا بصواب أحقية التواجد في ساحة الشعر لمن كانوا في استمرارية الخطاب الشعري الذي من شانه الرفع بذوق المتلقي.. والشاعر المعالج النصوح للساكن السقيم ليبعثه متحركا بقوة التعلق.. والمترحل في ثنايا الحياة سعيا لدرر المفردات واستخراجها من المكامن وانه بذلك ستكون القصيدة المنتقاة التي لا تخلوا من مقت حماقات الغضب ومرأى الجهول العجول والممتلئة حبا واناقة الكلمات المحتفية بالمكتشف لأعماق المجهول والمزين لخاصرة الصباح حبا.

هذه الاحادية لا بأس ان تكون من المتطلبات لأنها مشروع لقاعدة انه ليس من السهل ولا اليسر الالتقاء بقصيدة تتزين بشاعرها وتحاكي زمن التقابل وتعزف لصحبة وتؤكد من جانب اخر وجه لباحث ساعيا لديمومة نية العثور على روح القصيدة المتأنقة والفضاء الشعرى المتمنطق بحبات عقد تحرر من جيد حسناء ليعانق السحاب.. وهذا في مجمله ظفر بالمبتغى لا يقاس الا بميزان سؤال ومسالك أنبئت على دفقات قلب اخفى سأمه ولم يشتك.. وأحب فتفاني وحوصر فحارب بأسرار النشيد.. ولا يقارن الا بصورة مسالك.. وتساقط.. وانفاس وتفاصيل جميلة تعشقها الافئدة.. ودون هادئ بعمر المشاعر ولوحة فنان في لحظات التودد… وبهذا سنكون قد وصلنا الى شاعر لم يكن الا انيقا في حضور قصيدته الشاعر الليبي/ فوزي الشلوي وهو المنشد في” جنازة”:
حَضَرَ الْجَمِيعُ..
لَمْ يَكُنْ تَابُوتِي مُقْفَلاً كَمَا يَجِبْ
تَسَرَّبْتُ مِنْ بَيَاضِ كَفَنِي..
اسْتَمَعْتُ لِكَلِمَاتِ تَأْبِينِي
لَمْ أَكُنْ أَنَا..
افْتِرَاءاتُهُمُ لاَ تُحَاكِي تَفَاصِيلِي
وتِلْكَ الْبُطُولاَتُ الْمَزْعُومَةُ..
لاَ تُشْبِهُنِي!!!
تَبَّاً لَهُمُ..
لَمْ يَعُدْ يَرُوقُ لِي..
هَذَا الْمُوتُ الْمُشَوَّهُ بِأكَاذِيبِهُمُ
أَجَّلْتُ دَفْنِي..
لِزَمَنٍ يَخْلُو مِنْ عَبَثِ الْمُنَافِقِينَ
تَرَكْتُهُمُ ومَضَيتُ لِحَالِ سَبِيلِي..
لَعَلِّي أَسْتَطِيع..
أَنْ أُودَّعِ عَصَافِيرِي..
أَنْ أُخْبِرَ طَائَرَ الْنَّورَسِ..
أَنَّهُمُ لَمْ يَصَنَعُوا لِي كَفَنَاً..
مِنْ رِيشِ جَنَاحِيكَ كَمَا وَعَدُونِي!!
مَضَيتُ..
أُوَاصِلُ مِنْ جَدِيدٍ زُحَامِي..
لَعَلِّي أَهْتَدِي ذَاتَ يَومٍ..
لِمَكَانٍ بِهُدُوءِ عَيْنَيهَا..
يَليِقُ بِكِتَابَةِ الْقَصِيدَةِ

وقفة نراها في استحقاق لكلماتنا وان ازدانت بحضورهما فكانا فيها مفردات تغنت بروائع في حضور مستحق نراه ونتحسس وقعه…


عن: منبر الأدب الليبي والعربي والعالمي

مقالات ذات علاقة

نجوى بن شتوان و “صدفة جارية”

إنتصار بوراوي

الضمير اللقيط يُحرِّر الكتابة من إكراهية النصِّ

المشرف العام

حواء القمودي.. طفلة بقلب وطن.. تكتب شعرا

يوسف الشريف

اترك تعليق