تجارب سيرة

صفر البداية وسند المرجعية

فقه التدوين

(عن الصحافة)

المؤسسة العامة للصحافة من ألم وذهب المحابر، إلى رفوف التوابل بطاعم مانشستر

حلقة (1)

صفر البداية وسند المرجعية

زكريا العنقودي عن صفحته على الفيسبوك
زكريا العنقودي
عن صفحته على الفيسبوك

كنا كخلية نحل نعمل على إصدار الإعداد الأولى لصحيفة (الشمس)، والتي كانت تصدر بصعوبة ما بين أحلامنا وبين صرير الحديد، وأنّات الصديد بالآلة الوحيدة للطباعة بليبيا حينذاك (مطابع الثورة العربية، كان هذا اسمها).

كانت بداية موعودة، بما أمكن من أحلام بعودة المؤسسة العامة للصحافة، محملة بعودة الآمال الجديدة، وذلك بسنه 1993. خاصة وإننا كنا في مراهقـتنا تلاميذاً لكتاب المؤسسة القديمة (والتي تم تأميمها، وقفل أبوابها وإغلاق صحفها وسجن جل كتابها). كنا كخلية نحل نعمل على إصدار الأعداد الأولى لصحيفة (الشمس) يحفزّنا التفاؤل، ويوقد شعلتنا، تعلق أرواحنا بأحلام وأماني نستمد أنوارها من المؤسسة الأم (المؤسسة القديمة للصحافة). فهناك تكمن مرجعيّتنا وأول قراءاتنا في الصحافة، وولوجنا لعوالمها، والتطلع لأفاق جديدة لصحافة تنطلق من الراهن ولا تنقطع عن الجذر، فنحن بلد له باع في هذا المجال، لكن وفيما أدون؛ لا يتسع المجال للذهاب أبعد في البحث عن الجذر، عن جذر النشأة والتكوين، على الأقل للجذر الأكثر صلابة، للفترة الذهبية المتمثلة في صدور صحيفة (الحقيقة)، والتي شكلت وعي الليبيين وشغفهم بالمعرفة كاملاً حينها، لكنها (ولعظمة هذا الدور ولبشاعة الانقلاب، تم صب خليط من سموم النفط على جذر منشئاها)، لتخبو إلى الأبد حينها. لكني هنا سألزم نفسي بسيرة عايشتها منذ طفولتي، سأحاول أن أكون شاهداً على العصر بدون أن أكون (أحمد منصور)!!!، وذلك للمرحلة التي عايشتها وهي لا تتعدى الأربعة عقود (تقريباً هي عمري)، والتي سأجعلها مجالاً للخوض فيها، كسيرة تخصني أولاً، ومن ثم تفيد الباحث والمهتم، بل ومرجع لكل زميلٍ لي، اكتوى بنار المهنة والصبر عقوداً، ليلامس فقط متعه العمل فيها، وللأسف هذا ما لم ننله إلى الآن، فللأسف احترقنا (بالحبر والورق)، وفي حياتنا أبداً لم نتمتع بمحبتنا لهما. وسأتجاوز الحديث عن هذا دامعاً، فأنا الذي أقف في آخر صف زملائي، ولا يميزني شيء عنهم لكوني أخوض هذا الجنون، سوى أنني قضيت هذه العقود ليس بعلية أطل على الجميع من على كرسي ومكتب، أو طاولة، بل تشرفت بأنني قضيت الكثير من حياتي تحت الآلات المطابع، أقتات وجبتي من حبر المعرفة طازجاً، وعلى الريق كانت خلاصة صلصة من ورق ساخن الحبر، وجبنه عناوين وصور.

لذا وحين كنا خلية نحل نعمل على إصدار أول مطبوعات المؤسسة الجديدة وكانت صحيفة (الشمس )، أولى مطبوعاتها كانت مرجعيتنا التي نستند عليها (الأسبوع السياسي، والثقافي)، لاشي ينمو بلا جدور. لذا كانت جذورنا قد نالتها العتمة، وقُيدت للحديد وعذبها البرد والأرق، كانت تواقة للنور ودفء الربيع الدائم، كانت جذوراً لا أفق لها إلا الحرية، وقهر السجن والسجان. هؤلاء الذين كانوا قدوتنا كان أكثرهم حظاً من لم يتجاوز سجنه العشر سنوات. أما الأسوأ فقد كاد يدرك الخمسة عشر عاماً، تضحياتهم كانت هي وقود لرغبتنا في استكمال المهمة (فهم كانوا عادوا للحرية سنة 1988)، ربما يسأل سائل لما كنتم هناك (بالمؤسسة الوليدة)، ومنظومة الحكم لم تتغير بل والسجن والسجان، لمن هم قدوتكم لازالوا على قيد الحياة؟. لكن الإجابة أسهل بكثير من السؤال؛ أولها عزيمة وصبر كتّابنا بالسجون، كان أكبر دافع وأكثر حافزاً لنا، عدا ذلك، صحيح أننا انتابتنا المخاوف، فنحن لم نكن لوحدنا هناك، فقد كنا محاطين بكتبة التقارير والمتحدثين بلغة الهمسات، والذين يسحبون بعضهم كل بضع دقائق للتشاور (خمسة)، خلف الأبواب، وخمسة أخرى بالحمام (والأخيرة مثيرة للريبة أكثر منها إثارة للمخاوف)، بل يوجد بيننا من لو كان يملك السطوة لأوقف المشروع من الأساس، أما نحن فيقودنا وعي يخبرنا أن قرار أعادة المؤسسة جاء إثر ضغوط عديدة (سأوردها لاحقاً)، لذا نحن نعي ونعلم جيداً إن ما قرره الزعيم لا تقفله إلا أوامر الزعيم نفسه، لذا فإن ما يفعله هؤلاء (بما فيه خمسة الحمام)، لا يعدو كونه (طق حنك). لذا كان براحنا أوسع من ضيقهم، وفرصتنا للنجاح كانت أكثر إشراقاً من بؤس هزيمتهم، كما كل محاولاتهم كانت تشبه مد العصا بعجلة (بوغاتي فيرون). بينما آخر يجلس يهمهم:

والله مغير زايد.. قالك صحافة حرة.. والله امغير الزحف الأخضر متع قايدنا ما في صحيفة.

أما نحن فكنا نصوغ أحلامنا بصوت عال أمامهم، فاشفق عليهم من تكرار (الثورة.. الثورة.. الثورة). كابوس أربع عقود لم نسمع سواء هذه الكلمة، ولم نشهد بفضله عماراً على الأرض، ومن غير (الثورة.. الثورة)، لم نسمع لفظاً، فما بالك حرية رأي، ومتعة التعبير.

كنا نعلم إن هذا خطابهم ولا يملكون سواه، بالتالي لا ثوري خارج لجانهم الثورية، كنتيجة لكل ذلك كنا نحن نقف صفاً في طابور الاتهام، وتهمتنا الحلم والذي نمارس طقوسه بصوت عال (سريعاً نمارس طقسنا هذا، وكأننا كنا نستشعر بأن الوقت لدينا قليل.. وهذا ما ثبت للأسف فيما بعد)، لذا لم نلق لهؤلاء بالاً، فالصفحات كانت قد اجتازتنا لقسم التصوير على الزنك، ثم أننا وخارج الحلم لم نكن نحس بأننا لوحدنا، بل كان خلفنا أولئك من ضاقوا سنوات القهر، يدفعون بنا للعمل وفق الأصول، وعلى درب الميراث وآخرون من أساتذتنا الأجلاء، ومن كان حظنا وحظهم، أننا كنا نلتقي على متوازي الوطن والحبر، هؤلاء كانوا معنا يجمعنا العمل والسخرية البريئة، وفي مقابلة مع الخاسرون ع الضفة الأخرى (التي لا تنبت الزرع)، لنهر حلمنا بصحافة الأحلام، والذي لتوه شق طريقه وليس لهم إلا التحسر .

لم نكن لوحدنا، وأول درس استوعبتاه منذ البداية، أن أي فرصة سانحة وأي مساحة بيضاء يتركها النظام، هي جغرافيا من حق الليبيين أن يستغلوها، لذا كان دورنا أن نملأ هذه الفراغات، بما يصب لصالح الوطن والمواطن، وكانت الخيارات أكثر من أن تعد وتحصى، شكوى كانت أم ألم، قصيدة كانت أم مقالاً، معلومة من العالم أم خبراً، تحقيق أم استطلاع. كان همنا نشر المعرفة، أمّا هُم فكان همهم نشر ترهات العقيد الاممي، وعادة ما يلحقون شروحاً على هذا الترهات، التي يثرثر بها، الأمر الذي ينهكهم لساعات، فيحيرون في أمر فهمها، فما بالك شروحها. أذكر مرة وجدت (جمّيعاً صحفياً) يجمع على آلة الجمع الصحفي، مقالة من جريدة صفراء، فأخبرته أن الأمر سرقة صحفية، فأجابني بأن من أوكله بذلك رئيس التحرير، فدخلت عليه لأخبره بالأمر، فتحجج قائلاً:

قلم القيادة، طالب شروحاً لخطاب الزعيم، وأنا مش فاضي.

فأجبته بأن الأمر سرقة، المهم كان آخر كلامه لي:

أخرج واقفل خلفك الباب، فالجريدة سودانية ما يقرا فيها حد.

بعد شهر، وجدت القنصل السوداني بمكتبه برفقة مسئول من الإعلام الخارجي. كثيرة هي الحكايات، وكبير حجم المأساة فهي أكبر من زمن العقود التي ظللنا فيها تحت نير رحمته، لكني أسير وفق مسطرة ومقياس، فلا مناص لي من العودة للموضوع، وصفر بداياتنا بمؤسسة الأحلام والأعداد الأولى لصحيفة الشمس.

لذا ليتضح الأمر أكثر، وحتى لا يظهر سياقي بالسيرة بوجهه العاطفي، دوناً عن سياقه التاريخي والمنهجي، بالتالي ذكر كل الظروف المحيطة، والتي دفعت بمنظومة القهر نفسها، وبعد قرارها الخطير في أخر السبعينات بتأميم المؤسسة القديمة للصحافة، وسجن كتابها، ثم بعد قرابة عقدين إصدار نفس الجلاد قراراً نقيضاً بإعادة الروح لذات المؤسسة، مع فائضٍ من عسل الأحلام (لم نثق بحسن نواياه، لكننا تمسكنا بما سيفيض من بياض الورق نتيجة هذا القرار)، لنمسكك سوية الحكاية، ونبداء من خروج الزملاء من السجن سنة 1988. كنا حينها أصلب عوداً وأكثر شباباً، بل وتوقاً للسير في ركب هؤلاء، لذا وجدنا أنفسنا ننتظر بقلق وتوق شديد، لحظة خروجهم من السجن وهذا ما حدث..

في هذه الفترة، لم يكن في ليبيا من صحف سوى (الفجر الجديد) إخبارية (صحيفتي الى الطرد المبرح)، كذلك صحيفة (الجماهيرية)، وصحيفة (الزحف الأخضر) عن مكتب الاتصال باللجان الثورية. كان لابد للزعيم حينها من اجتماع مع من أطلق سراحهم من أدباء ومثقفين وصحفيين، ومن سجناء رأي، وكان الاجتماع، ولا حاجة لي لذكر من حضره، لكن تمخض عنه إطلاق مجلة شهرية باسم مجلة (لا)، يعمل على إصدارها هؤلاء الكتاب. انسحب الزعيم وكل من حضر الاجتماع، وبدأت مجلة (لا) في الصدور، لكن ومن عددها الثاني غاب رويداً رويداً، كل من حضر اجتماع الزعيم، وعادت المجلة في تحريرها بالكامل لجمع السجناء، أصحاب القلوب الحية، والذين لم يرتضوا ثمناً لقاء آرائهم، بل عملوا بنفس الضمير الذي اشتغلوا به أيام (الأسبوع السياسي والثقافي)، بل وسجنوا لأجله.

انطلقت مجلة (لا) (وهج من نور أوقد شموع العالم بالمعرفة)، وكما كان سجناءها رموزاً لعملنا في بداياتنا بالمؤسسة الجديدة، كانت مجلة (لا) القاموس الصحاح، لكل ما جاء بعدها من مطبوعات، فتاريخ صدوها ساعدها على ذلك، فهي قد جاءت بعد أكثر من عقدين من ظلام المعرفة والعطش للحقيقة (فلا مطبوعات غيرها)، أيضا لم تكن التقنية حينها سوى وليدة، والتلفزيون لم يتجاوز بعد المحطة الليبية، لذا توفرت لها كل مقومات النجاح، وكانت مرجعية مضافة ودافعة لحماسنا بالعمل في المؤسسة الجديدة، وكانت كتاباتها وكتّابها الذين ذكرتهم في أول السياق والذات، بعد أن تابعنا وكنا على مقربه منهم، وأسهمنا بالعمل معهم، قد زادوا من تعلقنا بهم، وزاد في عيارهم عندنا، أنهم عملوا على عكس ما نظر لها الزعيم في اجتماعه ببعضهم، لكن اثبتت القوادم من الإعداد، أن من عمل ع إصدارها وفرض شعبيتها على كل الليبيين، هم أولئك الذين رفضوا حضور اجتماع الزعيم.

[لأن النخلة لاتقف إلا على نفسها، ولأن ما شرعت به من صياغة لذاكرة تجمعنا لعقود طوال، لا يعقل أن تكتب على سبعة أسطر في حلقة واحدة. لأني صحفي واستشعرُ الخلل الفني، وإن كان على القمر، لأن الأمر إني لم أتعود أن أكون بعيداً عن شملي وعائلتي، فأنا ﻻ اكتب إلا ببيتي. لذا ها أنا من جديد، بصفحتي أكتب وأنشر الصور وفق معاييري، وما أعدكم تحبونه مني. فقط الامر لم يتجاوز هذا، فقط اعذروا لي عثراتي ..فأنا طيب لأبيخ الحدود].

*

يتبع

طرابلس 2015

مقالات ذات علاقة

حدث فى يوم السبت 7 مارس 1964

سالم الكبتي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية؟! (2)

حواء القمودي

شاعر الحرية: اني أعرفه قبلكم وبعدكم

المشرف العام

اترك تعليق