قصة

صــورة

فتحي حمد علي، في اليسار، بقميص أبيض فيه مربعات من تقاطع خطوط زرقاء، تحت القميص يرى المدقق في الصور رقبة (فانيليا) حمراء، وببنطلون رمادي واسع الحجل ينتهي إلى (سبّاط) إصبع، يده اليسرى على الجيب، واليمنى تختفي وراء ظهر محمد إبراهيم الوكواك، الجالس على الكرسي في الوسط، بـ (فانيليا) حمراء نصف كم، يداه فوق بعضهما على رجلٍ فوق رجلٍ، وأحد حجلي البنطلون الرمادي أيضاً مشمّر مسبقاً، اتقاءً لشحم سلسلة (البشكليطة)، ينتهي إلى (سبّاط نايلو) خالص.

موسى عبد الكريم اللافي، على يمين الصورة بفانيليا صفراء، عليها فراشة حمراء مكتوب أسفلها butterfly، يده اليمنى على خصره غير خاف أنها مربوطة بـ (قارزه)، و اليسرى على حافة ظهر الكرسي، البنطلون رمادي هو الآخر، وينتهي بحجل واسع إلى (سبّاط) بلاستيك إصبع، الخلفية ستار بلونين أحمر على الجانبين، وأزرق أوسع في الوسط، الأرضية من البلاط البلاستيكي، هذا كل ما هو داخل إطار الصورة الشمسية ببساطة شديدة تقريباً.

مررنا ثلاثتنا من وسط السوق بدراجاتنا، أمام المصوراتي الجديد في القرية، مصوراتي الكواكب لصاحبه أحمد المهدي الكرغلي، الدكان الذي كان مخزناً للعلف ضيّقه التقسيم، ولكن الديكور وسّعه، اقترح محمد أن نأخذ صورة عيد تذكارية، دسّ كل واحد منّا يده في جيبه وأستخرج خمسة وسبعين قرشاً، أو أكثر أو أقل، ثم كان علينا ـ لكي يكون حاصل جمع ما لدينا كافياً للتصوير ـ أن ننتظر خروج الحاج إبراهيم من الدكان إلى الجامع، ليعقبه محمد إلى درج النقود ويخرج قبل أن يراه فيستبقيه في الدكان.

فور دخولنا كان هناك جدل بين كهل طويل أسمر؛ بدا كنجم سينمائي ـ الذي بادرنا بالدعوة إلى دخول حجرة الأستوديو ـ وبين شاب مصري اللهجة بدا أنه معاونه، ومن الدهليز الضيق الخفيف الإضاءة بين المكتب والأستوديو ـ ونحن نتبادل عملية تأمل وجوهنا في المرآة ـ كان بوسعنا سماع بقية ما دار بينهما من حديث، انتهى بصيحة الشاب:

ـ ننقنّك زبطتها صحيح يا سيّد، بس تزبيطة بالليبي، موش بالمصري.

ـ إزّاي يعني يا فندم ؟.

ـ طبعاً يا سيّد، زي العادة حتقول لي إزاي ياحضرة جناب سعادتك يا فندم، باهي. توّ غير عدّي صلي العصر وبعدين نتفاهمو.

بتلاطف دفعنا الكهل إلى حجرة التصوير، وحاول ببعض الكلمات أن يعتذر لنا عن الموقف، ثم راح وهو يعدّ أدواته يسألنا ـ رهن بقية غضبه ـ عن أسمائنا وعن دراستنا، وعن علاقتنا ببعض، وكان جلّ حديثه و وجههُ إلى محمد، وحين انحنى على الكاميرا عاد بارتياح تلك المرة يقول:

ـ الصداقة يا شباب هي أجمل شيء في الحياة، واللي أجمل منها هو الصورة التذكارية للأصدقاء، أما اللي أجمل من الاثنين، هو إنَّ الأصدقاء يكونوا في الصورة مبتسمين، خاصة والدنيا عيد.

وأزاح الكاميرا من أمام عينيه وأضاف:

ـ تي وين البسمة يا شباب ؟، ولاّ انقولولكم نكته ؟، آ انقول لكم نكته، فيه اثنين بوادي أول لهم مرة ايخشوا للمصوراتي، خش لوّل صوّر. لما طلع اسأله صاحبة. قال له ها ؟، واعره ولاّ ساهله… ها ها ها ها.. واحد. اثنين. ثلاث.

وأومض برق وهزم رعد صغيران من جوف الكاميرا.

ثلاثة أيام وكانت الصور بين أيدينا، واحدة لمحمد، وثانية لفتحي، والثالثة في يدي والرابعة في يد جدّتي في ركن صالة البيت العربي السماوية.

ـ هذا من ؟ اللي صايرله مصار الجدي اللي فاطس في السدّي ؟.

ـ هذا العبد لله، أبناخيّك.

ـ باهي وهذوم من هم اللي معاك ؟.

ـ هذا احميده، وهذا فتحي.

ـ احميده وفتوحة ؟!، هذا ما نك عارف عليهم.

ـ لا هذوم أصحابي يا حني.

ـ أصحابك وخلاص؟، ألمن احميدتك وفتيحيك ؟ امنين قبايل الله ؟.

فجاء صوت أخي جمال من عمق حجرة من الحجرات:

ـ محمد: محمد إبراهيم الوكواك برغثي ! برغثي!، وفتحي: فتحي حمد الجارح. مغربي إلعيت البرشة

ـ أممممم !! معا واسم المذرة وقيم السيف، تصورة سمحة، لكن مراك إلا أنت اللي سلكت حقها يا درويش.

وهذا ما كان من أمر الصورة في بيتنا.

أما في بيت فتحي فقد وجدت العائلة: سي حمد ومحمد وفتحي، حول عمتي يامنة في (الفراندة) حول شاهي الضحى، كنت قادماً على دراجتي، فدعتني عمتي يامنة للدخول إلى الفناء، واصفة الدراجة بالجميلة، ثم بسّطوا بطريقتهم فكرة أن أتناول معهم ” لمقطع “، و بادرت عمتي يامنة ـ وكأنما قرأت ما في خاطري ـ ففتحت الحديث عن الصورة:

ـ ما شا الله عليك صورة سمحة اتقول أيش، صورتكم اللي صورتوها يا اعويلة، تو ما عليكم إلا اديرو حويجة وحدة، اتكبّروها، و اتعلّق.. أنت ما ريتّش ياحاج ؟.

ـ لا. رد الحاج حمد.

فأضافت عمتي يامنة:

ـ النبي عدي يا افتوحة جيبها او ورّيها ألباتك، خليه ايعطي رايه فيها.

هم فتحي بالوقوف لكن الحاج حمد قال:

ـ غير هني العيل علي هالمقطع الطرفة اللي دايرته لنا، قعمز يا ولد، قعمز افطر او فطّر قرينك، تو موشي وقت تصاوير.

فجثم فتحي.

ذات يوم، بعد سنوات، فور مغادرة سيارة على ظهرها أثاث عيت الحاج إبراهيم، من البيت القديم إلى البيت الجديد، انحنيت على ورقة بيضاء على الأعتاب، التقطتها، ولوحت بها مودعاً، ثم حملتها معي إلى بيتنا واحتفظت بها، في أول ألبوم للصور من دكان الحاج إبراهيم، والد محمد، منذ ثلاثين سنة تقريباً، وهي النسخة التي ألهمتني تفاصيل هذه الحكاية التي تنتهي الآن، أرجو أن أكون قد أحسنت إعادة تصويرها لكم، وأنتم حافظوا على الصور التذكارية. صور الصداقة. في العيد. وابتسموا. وكل عام وأنتم بخير.

مقالات ذات علاقة

3 قصص قصيرة

رحاب شنيب

يوم من عمري

عزة رجب

نَقْشٌ

المشرف العام

اترك تعليق