النقد

صراخ الطابق السفلي في زمن السفلة

بوابة الوسط

حين أطالع رواية أحاول أثناء القراءة أن أتلصص على الثيمة التي تدور حولها، ولأن الرواية مرتبطة بالمعرفة وباكتشاف ثيمات إنسانية والغوص فيها عبر ما يمثله شخوصها من أرواح تنعكس فيها أسئلة هذه الثيمات، أو ما يسمى التأمل الروائي، وتلك المقاطع النثرية التي تتخلل السرد وتجعل الرواية تفكر.

“لم أكن أبحث عن الحب في هذه الأجواء الغائمة داخل مسارب المشانق التي تقام علنا حتى التقيت به بلا موعد ولا ترتيب. وضع عليَ بغتة من الحب بُردا. سبى فؤادي وأحسست أنني مرتبطة به منذ الأزل. كنت دائما أتخيل أن ألتقي بفارس أحلامي في أي مكان من هذه الدنى: في حديقة مثلا أو على الشاطئ أو في أحد الشوارع المزدحمة في سوق المدينة أو في منزل قريب أو صديقة، أما أن ألتقي به في هذا المكان المرعب فلم يدر في خيالي أبدا. كيف ينمو الحب داخل أروقة الجحيم؟ وكيف يحدث هذا تحت حبال المشانق وعويل الأشباح، وجوقة مصاصي الدماء؟ كيف يأتي هذا العشق متمردا على كل الأعراف الوجدانية والكونية ليصبح قصة العشق الحارق الذي يبحث عن مرفأ؟ وكيف ينمو زهرة وردية تحت حبل المشنقة وسط قفر الديار وعواصف الرمال الساخطة التي تلعن المباني والحكام والبشر في مدينة منحتها الآلهة لثعابين وأفاعي الصحراء الكبرى وأغلقت الأبواب دونها مدينة تسمى طرابلس“

عن صفحة د.فاطمة الحاجي على الفيسبوك

هكذا ولجتُ عوالم رواية فاطمة الحاجي “صراخ الطابق السفلي” مستنفرا حواسي في تلمس هذا الجسد السردي الذي تُخلِّقه ناقدة أدبية ومُحكّمة في لجنة جائزة البوكر العربية، ما يُحملها مسؤوليات إضافية تجاه تصديها للعمل الروائي، وحين فرغت من قراءتها كان السؤال الذي يدور في ذهني: هل ثيمة الرواية سياسية حول القمع والاستبداد بجميع مستوياته وجميع من يمثلون حلقاته؟ أم هي عن التهميش والفقر حين يلقي بأرق كينونة إنسانية (الأنثى) صيدا بين مخالب السلطة، بمعنى آخر؛ هل غاصت الرواية في مسألة شاقة تتعلق بعلاقة الجسد الإنساني بالسلطة حين تتم هندسته سياسيا وأيديولوجيا ليتحول كينونة مطيعة تهتف في الميادين ضد مستقبلها أو تستسلم في سرير النفوذ ضد كل قناعاتها؟ أم هي رواية عن الهوية؟ هوية أمة أو هوية فرد يبحث عن رائحة أجداده التي تجتاحها الشعارات الصادحة، وهوية الأنوثة حين تجد نفسها موضوعا مربكا لنوع من السبي الممنهج دون حروب ظاهرة؟. وكان علي أن أراجع بعض ما تفكرت فيه يوما ونشر في كتاب “النفق: تأملات في الجسد والسلطة والحداثة”. محاولاُ أن أرى تلك الأفكار وهي ترتدي أقنعة روائية وتتحرك داخل شوارع السرد وأزقته.

من جانب آخر، كان تلمس خيوط السيرة التي تنتشر داخل النسيج الروائي واردا: أين تتوقف الوقائع الحقيقية؟ وأين يبدأ خيال الرواية التي كان من الواضح أنها تكابد مفارقة كون خيال الواقع أكثر شطحا من مخيلة الروائية، ما يجعل إحدى شخصيات الرواية (سعاد) توجه رسالة في مقدمة الكتاب إلى الناشر تقول فيها: “أنا (سعاد) صوت من أصوات هذه الرواية قبل أن أرحل أردت أن أسطر شهادتي على ما عايشته وأزيح الستار عن أسرار لم تُكشف لأحد من قبل. أسرار تعود إلى فترة مجهولة من تاريخ ليبيا المتواري في ركن خفي من الوجود. أكشف مع غيري طاهر وعائشة وآدم وحازم ووالدي المجاهد وكريستسنا وغيرهم خفايا أحداث تحسبها أسطورية وهي في أغلبها واقعية. تقدم هذه الأصوات أحداثا، ولعلها تكون في أغلبها العلة الأولى لما يحدث الآن وما يدور في بلادي من صدام تراجيدي.“.

من هنا نفهم أن الرواية تؤرخ لِما لا يهتم به التاريخ الرسمي مشيرة إلى المكان ليبيا والزمن فترة مجهولة من تاريخها المتناسَى، ولكي نقرب الصورة أكثر نعود إلى استهلالها الذي يحدد بؤرة المكان والزمن حسب تفسيرنا للوقائع متخذة من الحب الذي يولد في قلب القسوة مدخلا للتعاطي مع الوقائع وما حولها ترويض قسوتها لمقاطع من شجن الحب التي تتخلل الواقع المرعب. هكذا تبدأ الرواية لندرك أن المكان حصريا طرابلس (معقل السلطة) وأن الزمن هو زمن الشنق في الجامعات الذي حدث في عقدي السبعينيات والثمانينيات.

كل الشخصيات في الرواية تبوح وتتحدث بضمير المتكلم لتحافظ على طزاجة السرد. نسمي تقليدا كل هؤلاء أبطال الرواية، لكن بطلي كقاريء كان صاحب تلكما الساقين اللتين ارتجفتا في المشنقة المنصوبة في الحرم الجامعي. كنت أتقدم في الرواية راغبا في أن أعرف شيئا عن صاحب هاتين الساقين، لكن الرواية تُحجِم عن ذلك، فيغدو في طقسها التطهري الكائنَ المنسي أو نبي الرواية الذي لا يجب أن تظهر ملامحه في السرد، أو هو النسيان الذي غمر ضحايا الاستبداد تتماهى معه الرواية كي تبعث سؤال النسيان كأحد استفهامتها، ويغدو النسيان في حضوره التقني جزءاً من مرسلات الرواية التي كان همها أن تتبع مصائر تلك الشخصيات، الجلادين والضحايا، وهم يتقاسمون جرعات الألم، كل بطريقته يسبح في بحيرة من الدماء: دم المقتولين دون ذنب سوى كونهم عبروا عن آرائهم، ودم المخطوفين إلى حرب لا غاية لها ولا هدف، ودم البكارات المسفوح في أقبية السلطة، وداخل هذا الفضاء المرعب تتشكل علاقات الحب المرتبكة.

كل قصص الحب تنتهي بحزن أو مأساة عدا قصة حب حازم وكريستينا ــ التي منطقيا كان من المفترض أن تكون مستحيلة ــ لكن النزوح بها إلى المنفى ينقذها ويجعلها تتنفس بعيداً عن هواء العلاقات الإنسانية الملوث، وبعيدا عن حبال المشانق التي ظلت تتدلى فوق نظرات الشغف الخائفة.

روايةٌ شهادة عن مرحلة قاسية مر بها مجتمعنا كانت الفتيات أكبر ضحاياها الصامتات حيث تتشكل أساليب أخرى للسبي والاغتصاب غير معهودة، عبر إدراج قطاع واسع من المجتمع في خانة الفقر التي توفر للسلطة ضعف الأجساد المقهورة اجتماعيا، أو عبر محاصرة الضحية بالتهم السياسية التي لا تستطيع المروق منها إلا عبر طريق واحد يمر بغرف أصحاب النفوذ.

وتذكرني هذه الأحداث بذاك الزمن المرعب الذي كان فيه الآباء يمنعون دخول بناتهم إلى الجامعة خوفا من كمائن السلطة، وتذكرني بصراخ الطابق السفلي في مقر الحاكم المؤله الذي تحدثت عنها فرائسه بعد أن أتاح موته فضاءً للبوح.

تبدأ الرواية بمشهد مقرب لساقين ترتجفان في حبل المشنقة، وتنتهي بساق واحدة تسير نحو التكريم بعد أن بُترت الساق الأخرى في حروب الصحراء، وبمشهد تراجيدي شاحب يلتقي فيه الجندي وهو يسير على عكاكيز بحبيبته الغابرة سعاد وهي على منصة التكريم تسلمه نياشين هزيمته مع نظرات شفقة على حلم وُلِد تحت أعواد المشانق ومات على منصة يرسم فوقها الضحية والجلاد لوحة سريالية للاحتفال بهزيمة الحب.

ساقان ترتجفان في المشنقة وساق وحيدة ترتجف أمام طقوس الاحتفال بالهزيمة، وما بينهما تشكل عالم من الرعب الذي تحيط به الهتافات والأناشيد والزغاريد الجارحة وأضواء الزينة في كل شارع يمر به موكب السفاح.

مقالات ذات علاقة

تسكع على أرصفة الذاكرة بحثًا عن الذات

رحاب شنيب

صادق ُ النيهوم.. ناقداً

عائشة إبراهيم

من الأدب الليبي

المشرف العام

اترك تعليق