المقالة

صداع نصفي .. فقر كلِّي

كل شيء له منطقة انتصاف، لغة المنتصف شغّالة لدينا نحن العرب منذ دهور سحيقة، ربما منذ منتصف السقيفة.

النصف مقياس يتواتر كذكريات عزيزة حتى أصبح خير الأمور الوسط.

يقال نصف ساعة ونصف الكأس ونصف المسافة ومنتصف الليل و .. و .. الخ .. لعبة النصف شملت حتى الصداع (صداع نصفي). والعمر (منتصف العمر)، لكل شيء نصفه، ومن أراد الزواج يقال بأنه سيكمل نصف دينه، والعودة من نصف الطريق الباطلة خير من اللاجدوى والضياع.

حالة النصف تبدو مسألة خطاب محموم بعدم اكتمال المعاني وربما استحالة تكوين جهة تامة لصعوبة الأزمنة كلها إزاء عقوبات المطبات بمنتصف الطرقات.

حتى (شاطر ومشطور) المدرسة نسميه (النصف) أعني (السندويتش). ومن أغنيات زمان (في وسط الطريق) للفنانة نجاة الصغيرة، وحتى الحكمة لديها نصف نعرفه جميعاً .. وأترك لكم تكملته للمساهمة بلعبة

(النصف) والمرأة يقال لها نصف الرجل الجميل وهي نصف المجتمع وربما لهذا تعاملها مؤسساتنا بغرائبية مفرطة فتكون علاوة المرأة (4) دينارات فقط، بمعنى أن نصف المجتمع الذي هو المرأة = (4) دينار لا غير وبالتالي فالمفروض أن يكون راتب الرجل المتزوج حديثاً (8) دينار لتستقيم دلالة النصف الرائع، وبالمناسبة الثمانية دينار للعرسان مبلغ ممتع جداً جزيلاً باستطاعته تأمين حياة خرافية وسعيدة وفرحانة وباذخة ومرفهة وفيها كل أصناف الفواكه والكماليات، وعلاوة الطفل = نصف علاوة المرأة / الزوجة.

تسمح لك المؤسسات الخدمية وغيرها بتركيب لغة النصف في كل الأمور، مثلاً راتبك الشهري لا يتجاوز نصف الشهر ليعلن نهايته وبداية مزاولة اغتصاب نصف الشهر الأخير لتأكل وتشرب وتذهب إلى نفس عملك العزيز الذي تتعلّم فيه فنون النصف لا غير.

يسمحون لك أن تقول خير الأمور الوسط وأنت تتذكّر أن ذلك يعني – بطريقة ما – صعوبة بلوغ المعاني الكلية.

صداعك نصفي، الخدمات المقدمة لك تجاهد لتشكل عادات نصف النصف أحياناً، الأسعار ترتفع كل نصف يوم، نافذة غرفتك التراثية لها نصف انغلاقة لأنها ابتلعت نصف برميل من مياه الأمطار التي تزور العرب بعد صلوات الاستسقاء وبكاء الأشجار وذهاب نصف المزروعات.

حذاؤك نصفه بني ونصفه الآخر أسود نتيجة استخدامه لمشاريع عديدة فأنت تدخل به الحمام وتدخل به قاعات التصفيق والأضواء حيث تعبِّر عن بهجتك بالمساعدات التي لا نصيب لك فيها سوى التصفيق والفرح الرمزي ثم تعود ثانية للبحث عن ثمن نصف دجاجة للعشاء.

حياتك كلها مجموعة (أنصاف) غير كاملة، وأنت لا تفكِّر بالأنصاف الغائبة لأنك تدرك مسبقاً أنها لن تكتمل لأنها ليست من خير الأمور.

يعيش العربي في (النصف) تماماً، تلك هي منطقته، محكوم عليه بالنصف، النصف الذي هو أيضاً له عدة (انتصافات). يعيش المواطن العربي في نصف زجاجة من ضيق الحال، صداعه نصفي ومزمن، معاشه نصفي، لكنه بالمقابل يسير بقوة باتجاه شيء وحيد كامل هو : الفقر المنطقي كنتيجة مباركة بفضل اشتغالات النصف ونصف النصف.

كل شيء نصف النصف، لكنها طريقة رائعة لبلوغ كمال الفقر.

لنردِّد جملتنا المحبوبة: الحمد لله على كل حال، واسمحوا لي أن أضيف : الحمد لله على كل نصف.

نلتقي في ثمن نصف الرغيف بسعره المرتقب.

___________________

عن موقع جيل ليبيا

24.09.2009

مقالات ذات علاقة

منبت الاٍرهاب

علي المقرحي

العنوان في النهاية

زياد العيساوي

الثقافة الليبية: عام الحزن

محمد الأصفر

اترك تعليق