من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي
سيرة

صخرة الماء.. ذاكرة مكان

من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي

أصدقائي الكرام:

أحاول أن أُسوّي وجهي الوحيد، وأُشرع في نشر مقتطفات من سيرتي (كتبت علاقتي في السّلم الموسيقي).

العتبة

كلّنا مشدودون إلى أمكنتنا،

ثمّة طاقةُ جاذبيةٍ ترتهننا إليها.

هي طاقةُ إغواءٍ،

جاذبيةُ إغراءٍ.

بين الإغواءِ والإغراءِ يُمارس المكان فتنته،

سيرةُ الفتنة هذه يُدوّنها تعلّقنا المرهف به،

وهي سيرةٌ عشقيةٌ تُشحذ جمرة القلب.

هي سيرةُ خطوةٍ خَطوْتُها تجاهَ مرجلِ حنينٍ يتأجّجُ في رأسي.

وسيرةُ مكانٍ مَنحني رُضاب ريحه الدّافقة في روحي.

وسيرةُ مكتبةِ والدي، عثرتُ فيها على حبر الرّوح وشمس قصيدةٍ أشرقتْ تكتبني.

وسيرةُ حياةٍ ثقافيةٍ تزخر بحيواتٍ أثمرتْ تجلِّياتها.

جميع هذه السّير

أضنَتْ سيرتي.

هاأنذا

أرتدي سيرة معرفتي.

(1)
حظوةُ خطوتي الأولى

كلّ يومٍ

أُرمّمُ جسدي

لأجل قصيدةٍ.

لستُ هنا لأختبر فيضي وأكتب أصداء سيرتي أو أُحرّرها من سريرةِ ذاكرةٍ سوف تقضمها أسنان النّسيان، وما الكتابة إلاّ خبرة فيوضٍ، ونفحاتُ وجدٍ تستعر تُغذّي الرّوح وتُشِيد بها مثل نزيفٍ هيّجته حدوسُ امرأةٍ، وهي التياعُ رحلةِ نفسٍ مضطرمةٍ في تنقّلاتها المتلوّعة داخل خرائطِ عناءِ الزّمان والمكان.

أسميتها: كتبتُ علاقتي في السُّلّم الموسيقي، لأُعلن عن حظوةِ خطوتي الأولى وهي تُسطّر شمسَ علاقاتها عـتـبةَ سيـرةٍ دلالتها هـذه الخطـوة الدّافـئة والحميـمة.

وأنا أحثُّ عطشي إلى ينابيعَ مُبتهجةٍ بكائناتي، سأتعلّق في سردي بنثيث الموسيقى نافضًا غبارًا يحجبني، ثملٌ بهذا المكان الضّاجّ بربيعه الماتعِ كألمٍ، وبضراوةِ عينٍ مُتمرّنةٍ أصفُ بصر خيالي، وأحترمُ ظلّ نهاراتٍ أرضعتني ثديَ وهجٍ تَبدّدَ تحته التّعب.

ستجدونني هنا أُلاعبُ النّايَ بأصابعِ الفتنةِ وأُوغلُ في غرفة داخلي بعيداً كأنّي منسوبٌ إلى زمنٍ جريءٍ ونظيفٍ أفهمُ ما يروق له.. لهذا سأمرُّ بينكم ببداهة طفلٍ.

كيف يمكن أنْ أُقاوم مكانًا يلتهبُ كمرجلٍ في داخلي؟!

يُنبئُ هذا السّؤالُ عن استسلامي لسطوةِ هذا المكان.

تمظهراتُ هذا المكان كانت قبل أكثر من أربعة عقودٍ من القرن العشرين اللّيبي، مضتْ مشرعة على الحياة وضاجّة بالنّور، هي الآن وصفٌ مسرودٌ كخيال.

صيّروك مكاناً

أُصيّرك كائناً

وأنفذُ عبر مسامك

إلى خيالي.

شعريًا، حاولتُ أنْ أدنو من بهجتي وأرصد سيرة هذا المكان في قصيدتي الطّويلة: (قبرُ سيرةٍ)، المنشورة ضمن كتابي: (أُحدّقُ من نعاسٍ)، وقصيدة أخرى (إسكافيّ الأمكنة)، لا تزال ضمن أرفف مكتبتي تحلم بناشرٍ يحتفي بالشّعر!!

في القصيدتين يتمشهدُ المكانُ، تقانةُ الالتقاطِ هنا تقانةٌ شعريةٌ يُحرّكها حنيني إلى تحضيره بعنفٍ أشبه ما يكون بالحضور الوحشي، القاسي، الذي يستأثر على شغاف القلب.

هذا الالتقاط هو في حقيقته التقاطٌ ذاتيٌّ، شخصيٌّ، بمعنى أنّه من وجهة نظر إنسانٍ مُحبٍّ لهذا المكان، غير أنّها وجهة نظر شاعر، وهذا ما يمنحها بعض الامتياز.

وأنا أوغلُ في المكان، أنّما أولغ من سُجُفِ ذاكرةٍ أنا شخصيًا بعض نسغها، ليس من أثر المكان بنيانه، إنّما ناسه أيضًا أثرٌ من آثاره التي إنْ خُرّبتْ، تَخربُ الرّوح.

صرتُ أنا المكان.

فعل الصيرورة هنا ينبغي أنْ يُعامل على أنّه تذويتٌ للمكان أيْ جعله ذاتًا، بمعنى أنسنته، وتلك صيرورةٌ مُثلى.

أودُّ أنْ أقوم بالقراءة التّالية مُتوّجًا بسطوعِ وضوحي، في القراءة أنا بصدد تأويل قول ابن عربي: «المكان الذي لا يُؤنّث لا يُعوّل عليه».

ليس وفق ما يروق لي، أو كما يروق لفهمي، بل إنّ هذه القولة تفضح نفسها، فاصحةً عن استعداد المكان إلى التّحوّل/ إلى الانتقال من حالة إلى أخرى/ وإلى تشظّي صورته، هيأته الأولى.

إنّه التّصاعد إلى «مكانةٍ»، لتكون قراءتي مشروع استشرافٍ لهذا السّمو: «المكان إذا لم يكن مكانةً لا يُعوّل عليه».

يقترح النّص إمكانية التّرحل في ارتجافةِ المكان، تمامًا مثلما تقترحُ ارتشافةُ المكانِ فهمَ نصّيته.

يسعدني أنْ أُبصر هذا الاقتراح بخيالٍ ساردٍ.

لا تكتمل كينونةُ المكانِ إلاّ برفعته.

قَصَدَ محيي الدّين بن عربي بمقولته هذه إضافة (ألق) تاء التّأنيث لمفردة المكان كي تمّحي عنه (الشّحوب الذّكوري)، حتى يتحوّل إلى شرفٍ ورفعةٍ، كأنّه هدفَ بذلك إلى شغف الحياة وهي تفيضُ بالإجلال.

لستُ هنا لأُقــوّل النّص ما لا يقوله، أو أُحمّله ما لا طاقة للدّلالة على حمله، إنّما قادني إلى ذلك شغفي بمكانٍ أتنفّسُ هواءهُ، سكن طفولتي، وسكنته، أُغرزُ خطواتي في رماله، وأنفضُ حذائي كأنّي بالوادي المقدّس، تقتربُ قصائدي من هيبته، كأنّ الزّمن فيه ينجلي عن أزمانٍ.

اسمه في مصادر شغــفي: صرمان، هكذا رسمها التِّجّاني في رحلته (وهو أوّل دخولٍ لهذا الاسم في ذاكرة الكتابة)، وكذا رُسم في «رحلة السّادات المحاجيب»، غير أنّ الرّحّالة حسن الــوزّان يرسمها في كتابه: «وصفُ أفريقـية» بالسّين (سَرمان)، إلاّ أنّني أميلُ إلى رأي التِّجّاني ورحلة المحاجيب لسبقهما للوزّان.

وردت كلمة (سُرمان) في لسانِ العرب بمعنى: الدّبّور الخبيث.

يذكر التّاريخ الشّفوي: أنّه انتشر بالمنطقة لوجود سبخٍ بها يقتاتُ من ملحها، وأنّ انتشاره في زمن انبجاس النّور أعاق تحرّك الجيش اللاّئذ بسماحة فتوحاته الإسلامية.

غير أنّي أذهبُ إلى أنّ أصل الاسم هو (صورمان)، وهو مُسمّى ضارعٌ في عروبتهِ، مُركّبٌ من (صور) التي تعني: الصّخرة، و(مان) وهي: الماء في الكنعانية العربية، وفي لغة قبيلة شمر بشبه الجزيرة العربية، والمُسمّى صورمان أي صخرة الماء، حُذفت «الواو» منعًا لالتقاء السّاكنين.

شعريًا هي الصّخرةُ التي تنزُّ ماءً.

ولعلّها كانت الصُّوى، (الصُّوة) في اللّيبية القديمة، العلامة التي تهتدي بها السّفن الفنيقية إلى ميناء صبراتة.

وفي الميراث الورقي وثائق دولة أولاد امحمد الفاسي ثمة مُسمّى لمنطقة ساحلية بـ: «رشادة الماء»، فكأنّه ترجمة محلية لــ: صورمان!!

يبدو أنّ الصّخرة «الدّزيرة» الرّابضة في شطّ عقبة، إنّما هي دلالة لهذا الاسم ورمزه المائيِّ/ الصّخريِّ.

ومن جميل اشتغالاتِ الذّاكرة الجمعية على هذا الاسم التجأ المعنى إلى رهافةٍ في كلمة «سِر في أمان»، يُحيلنا هذا المُسمّى إلى نشدان الأمن في زمن كثرتْ فيه الفتن والاضطرابات بين السّكان، حيث يعلن الاسم عن صفاءِ معناه.

هل صرمان مجرد نقطة عبور بين صبراتة غربًا وطرابلس شرقًا؟!

ألاَ يحتلُّ هذا المكان (المعبر) موقعًا في ذهن التّاريخ؟!

وقعتْ (صرمان) في قبضة تدميرين نسيجها الخراب:

– تدمير الزّمان..

وتدمير الإنسان!

مثلما توزّعت على امتداد قصائد الرّاحل: علي الفزّاني، فإنّها تنفرج كغيمةٍ شعريةٍ تتهاطل في ذروة إحساسي.

يمكن وصفُ صرمان بأنّها مدينة طرقية (نسبة للطّرق الصّوفية)، حيث انتشرتْ بها منذ قرونٍ مضتْ العديد من الطّرق، على سبيل المثال فإنّ أوّل ظهورٍ لها تمثّل في الطّريقة القادرية التي دخلتْ إليها عن طريق سندٍ موثوقٍ يتّصل بالشّيخ أبو مدين شعيب التّلمساني سنة 555 هجرية الذي سعى لنشرها في بلدان المغرب العربي وكان تلميذه الشّيخ غريب أوّل قادريٍّ بها.

يؤكّد تاريخ التصوّف الليبي أنّ الشّيخ أبو مدين التّلمساني كان قد أسّس أوّل زاوية قادرية بباب البحر بطرابلس عُرفت فيما بعد بالزّاوية الكبيرة.

وبعودة الشّيخ راشد بن يحيى المحجوبي إلى صرمان بعد تتلمذه على الشّيخ عبد السّلام الأسمر، بدأ التّاريخ الفعلي لانتشار الطّريقة الأسمرية العروسية بهذه المنطقة، ساعده على نشرها الشّيخ محمّد عبد النّبيّ الأصفر الذي يمتُّ له بصلة نسب، وقد أقام بصرمان وتزوّج منها ولا يزال أحفاده يقطنون هذه المدينة.

كذلك كان للطّريقة المدنية حضورها المثير داخل المنطقة، فكان ممّا عرفنا من رجالاتها في العقود الماضية الشّيخ محمّد بن أحمد المحجوب وابنه أبي القاسم، وقد توارث مشيخة هذه الطّريقة أبناؤه وأحفاده فيما بعد، أبرزهم الشّيخ الصّادق بن أبي القاسم.

(وقد حدّثني الباحث الأستاذ علي جهان عن علاقة مؤسّس الطّريقة المدنية ببعضٍ من فقهاء المحاجيب)، فلعلّ الشيخ محمّد بن أحمد من بينهم!

وفي عقد الثّمانينيات كان ظهور أوّل زاوية للطّريقة البرهانية بمنطقة الخرّوب بصرمان على يد الشّيخين: محمد التايب ومحمد امبيّة، وقد عايشت شخصيا رفض بعض المتصوّفة العروسيين للغلوّ الصّريح الذي مارسه منتسبوا هذه الطّريقة، وكان والدي من أبرز الرّافضين لهذا المسلك!

تُوّجتْ بعض الأمكنة في صرمان بأسماء أشخاصٍ في منازل التّميّز (أبو هلال، أبو الرّيش، زكري، عطّاف، عقبة، مخلوف).

المكان المديني مثقلٌ بحمولة اجتماعية واقتصادية وثقافية، هو لا ينبني بمعزل عن هذا العبء الذي هو من أعباء الحضارة والتّمدّن.

اجتماعيًا كان التّفاعل خاصية هذا المكان، مثلما تمظهر اقتصاديًا في حالات انجذاب أُسَرٍ إليه كرّست حياتها للكسب الشّريف، وكذا ثقافيًا تخضّبتْ كراريسُ الوجدان بحبرٍ في الرّوح يُلهب المشاعر في القصيدة.

ولأنّها أمكنةٌ ممسوحةٌ بمعرفةٍ راسخةٍ فإنّي لا شكّ سوف تستغرقني الرّوح الثّريّة لهذه المعرفة وأنا أفتح قوساً لأُبرِّر ترنّحي في الدّهشةِ: إنّها مدينةٌ ولودٌ أنجبتْ كثيرًا من رجالات العلم والتّصوّف والفقه والأدب والفنّ حتى أمسَوْا أعلامًا.

وهي تنهض من النّسيان إلى غيثِ جمرةٍ أشعلتْ أسرارًا في التّصوّف: الشّيخ غريب (كان حيًّا سنة 555ه)، سالم بن أبي زيد النّائلي (وكان معاصراً للشّيخ عبد الجليل الحُكيمي المتوفى سنة 685ه)، مساهل بن يوسف (وهو معاصر للحُكيمي أيضًا)، علي بن يعقوب، راشد بن يحيى (تلميذ الشّيخ عبد السّلام الأسمر)، سالم بن يحي بن أحمد المحجوب، أحمد بن جابر النّائلي، وعبد الظّاهر بن عمر النّائلي.

وفي علوم الدّين اهتدتْ شموسٌ إلى وسطية: محمد أبو القاسم الصّرماني، سالم أحمد الماقوري، عبد الله القرّاضي، وعبد الله الصّويعي.

وفي السّياسة تكلّلتْ جباهُ: مفتاح عريقيب، الطّاهر العقبي، وأحمد عون سوف.

وفي الجهاد فاضتْ للوطن أرواحُ: غـومة المحمودي، سوف المحمودي، عـبيدة بن زكري، ومحمد العاشق.

وفي الأدب نصبتِ المخيّلةُ شراكها في: علي الفزّاني، ومحمد المبروك الرّباعي.

وفي الفلسفة احتدمتِ التّأويلاتُ عند: المهدي امبيرش، وعبد المنعم المحجوب.

وفي اللّغة ترفّقَ المعنى بـــ: الطّاهر القرّاضي.

وفي التّاريخ توهّجتْ ذاكرةُ: الطّيب البهلول.

وفي الصّحافة رعفتْ أقلامُ: سالم بشير ضو، وعبد الرزّاق الدّاهش.

وفي الفنّ اصطخبَ الرّكحُ بفيوضِ: الطّاهر الجديع، رحومة الجديع، الهادي راشد، نوري ضو، ومحمد أحمد الشّيباني.

وفي الفنّ التّشكيلي أُضرمتِ الفرشاةُ بانتهاكاتِ: مصطفى الغنيمي، محمد الشّرشاري، حسن فرج، إبراهيم التّهامي، عمارة أبو خريص، وعبد الرّحمن سعيد.

وفي الخط العربي استيقظتْ فتنةُ الحبرِ في حواسِ أصابعَ: حسن التّبيني، عبد المجيد الطّرابلسي، المبروك الجليدي، ومحسن سالم.

لا أذكر في أيّ سنةٍ بالتّحديد حين شاهدتُ ذات ليلةٍ سهرةً مرئيةً لمسلسلٍ تاريخيٍّ يُمثّل فيه الفنّان اللّبنانيّ: راغب علامة دور قاضٍ امتثل أمام الخليفة الذي سأله عن مدينته، فقال: من سرمان، بلدة في أفريقية.

استيقظتْ ذاكرتي على حديثٍ أصابتني سهامه، لم انتبه لاسمه، وهو الأمر الذي جعلني أمام مشقّة أنْ أتّصل بهذا القاضي في بحثي بين كتب التّاريخ، وأنْ تلمع ترجمته كحقيقةٍ تُضمّد كُلومًا بين يديّ!

حدّثني الصّديق: يوسف محمد الشّيباني، وأنا أُنقِّبُ عن ذخائر في روحي، أنّه ألقى السّمع إلى برنامجٍ تاريخيّ أُذيع من الإذاعة التّونسية، حول شخصيّة تاريخيّة من سُرمان أُشتهرتْ في مجال الطّب!

وأتساءل: ألا نقف مبهورين أمام هذه الأسماء التي تُشكّل جزءً هامًّا من ذاكرتنا الثّقافية؟!

فرغم كثرة هذه الأسماء واختلاف مشاربها، إلاّ أنّ صرمان ظلّت تركن في الظلّ عقودًا طويلةً وهي التي بماس الحاجة إلى من يَدرس تاريخها وأعلامها ويُلقي الضّوء على جوانب من تاريخها الثّقافي الذي أشعل قناديله في ظلام الأمس الدّامس.

أسهم الإهمال البحثيّ وغضُّ الدّارسين أنظارهم عن التّعريف بمدننا وقرانا، في ضياع كثيرٍ من تاريخنا الثّقافي بضياع الوثائق والمخطوطات وموت الرّواة الثّقاة.

يقول الشّاعر الفذ علي الفزّاني:

«أتمنّى أنْ ترى صرمان

طفلاً عربيًّا

حاملاً تاج نغوم».

نعم.. أضع هذه الأمنية في أمنيتي كي ينهض أركيولوجيّ للحفر في التّاريخ القديم لهذه المدينة.

وهنا تعترضني جملة اعتراضية، وكأنّها من لزوم ما لا يلزم!

في مفتتح حقبة الثّمانينيات تعرّفتُ على الصّحفي المصري الأستاذ: سيّد الجبرتي أثناء تردّدي على مؤسّسة الصّحافة بطرابلس.

ذات سانحةٍ في لقاءٍ قصيرٍ معه على ناصية شارع الجمهورية أمام عمارة الصّحافة (المبنى القديم) سألني: من أيّ مدينة أنت؟

قلتُ: من صرمان.

قال بدهـشة كبيرة: هــذه المدينة تحتاج إلى دراسة، ثـمّة ظاهــرة أدبية تـتشكّل بها الآن.

وقال: أنّ بعض من اتّصل بنا في الصّحافة ينتسب إلى هذه المدينة، أتمنّى أنْ تُطلق أسماؤهم على الشّوارع تكريمًا لهم ولتتواصل معهم الأجيال الجديدة واللاّحقة، بجدٍّ الأمر بحاجة إلى دراسة هذه الظّاهرة.

دعوني أوّلاً أصوغُ مفردات هذا الاعتراف: ثمّة من هو عدوٌّ لذاكرته، الخريفُ يحتلُّ رأسه!

حين صرخ الشّاعر علي (الصّرماني) الفزّاني: «البلدوزر يُخرّب الذّاكرة»، أيقنتُ أنْ ليس المكان وحده مجردُ أطلالٍ، بل الذّاكرةُ أيضًا يمكن تطليلها أي جعلها طللاً!

بتوصيفي إيّاها بالطّللية، إنّما لتحوّلها إلى جمادٍ قابلٍ للخراب، للانمحاء.

ولا يخفى أنّ هذه الصّرخة أطلقها الفزّاني حين صعق لخراب جامع سيدي زكري! لم تكن لتُؤسِّس هيمنتها لو لم يكن الجامع محاطًا بموسيقى العراقة، وكنتُ قد استعملتها كعنوان لتحقيقٍ صحفيٍّ عن تاريخ النّسيان وهو يرصد حيرة الواقع في صرمان، نشر بمجلة (لا)، العدد (36)، ديسمبر 1993.

وحتى لا تجرفني الذّاكرة أو أُجرفها بنسياني، فإنّ جامع سيدي زكري أُقيم في موقعٍ يُسمّى: «بلد حمود» أو «منزل حمود»، عُرف في الوثائق القديمة بزاوية المحاجيب، بُني على الأرجح عام 742ه، على شكل معماري شبه مربّع، يتكوّن من:

أ – بيت الصّلاة ذو السّقف المُقبَّب المحمول على مجموعة من الأعمدة والأقواس الهلالية، وبمحرابه المُجوّف، ومنبره البسيط ذو الثّلاثة درجات، وهو في جهة الشّرق، به بابان من الجهة الغربية مفتوحان على الفناء. نُلاحظ أنّ الجدار الخارجي لبيت الصّلاة به دعاماتٌ تُخفّفُ من الوزن النّاجم بسبب ثقل القباب.

ب – الفناء أو الصّحن، في الجهة الغربية لبيت الصّلاة، وبه (دُكّانة/ وقيل: رُكّابة)، وعربيّتها: مصطبة، كان يجلس عليها الشّيخ أو الفقيه أثناء إلقاء دروسه.

ج – الرّواق، وهو على امتداد الجهة الجنوبية للفناء، به باب يُفضي إلى ممرٍ يُؤدّي إلى الضّريح.

د – الضّريح ذو القبّة.

ه – الخلوة أو الزّاوية، وهي في الجهة الغربية للمبنى.

و – السّقيفة، حيث المدخل الرّئيسي للمبنى، وهو على جهة الشّمال.

ز – دورة المياه.

ح – الميضأة.

ط – البئر.

فالصّحن فناءٌ مكشوفٌ تتوسّطه شُجيرةٌ، برز هذا النّمط داخل المساجد التّقليدية، تُفتح على جوانبه الخلوة، والضّريح المنخفض قليلاً عن أرضية الفناء، وسُلّم مُلاصقٌ لجدار بيت الصّلاة، يُؤدّي إلى السّطح لصعود المؤذّن وإقامة الأذان، إذْ لم تكن لهذا الجامع مئذنة، شأنه شأن المساجد الأولى في الإسلام، فلم تبتعد ملامحه المعمارية عن الأسلوب المعماري للمسجد النّبوي امتاز ببساطة مُخطّطه الذي احتوى على ثلاثة أروقةٍ وفناء كبير، ولا غرابة في ذلك، فقد انتشر هذا المخطّط المعماري للمسجد النّبوي في بعض من المدن الإسلامية، شرقًا وغربًا.

بعض أثرٍ من طفولتي نثر روحه في طريقي إلى هذا الجامع، بهرتني قبابه الشّبيهة بأثداء منحوتةٍ، وأروقته المتستّرة بسيرة الضّوءِ والظّلِّ، وفناؤه الضّاج بأطفالٍ كبروا أمام اللّوح بعيدين عن فِطرةِ اللّعب، وأقواسهُ بانحناءةٍ تُروّضُ الفراغَ، وأعمدته التي توزّعت بداخله تعتني بسموِّ السّقف، كنتُ، مسروقًا من وقتي، أُرافق والدي أقوده في طريقٍ صخريةٍ ومتعرّجةٍ أكلتها سيول الأمطار، وأشجار النّخيل والزّيتون تتماثل ظلاًّ يحرسُ العابرين، مارًّا برملةٍ تُفسحُ التّعب في الغوط البحري، سانية مالطة، (مبنى الضّمان الاجتماعي الآن)، وقد كانت من أملاك غومة المحمودي، (لعلّ الاسم تصحيف لكلمة لمطة، قبيلة صنهاجية نسبت لها الدّروع اللّمطية)، صاعدًا ربوةً تصطادُ الصّور لتضيء في العين الرّائيةِ حواسُّها الوفيرةُ، هنا يضوعُ جلالُ المكانِ، حيث الصِّيرةُ (سياجٌ حجريٌّ يُبنى على السّدود التّرابية) وروضة الشّيخ يحيى بن أحمد المحجوب والجامع المكنوز ببساطةٍ بهيّةٍ، كان والدي إمامًا وخطيبًا مكرّسًا للتّقوى، وفي شهر رمضان أكون برفقته أتذكّر كثيرا ما يُهدهدني النّوم أثناء صلاة التّراويح فأستأنسُ بالحلم متّكأً على فتنة الجدار، منذ ذلك الحين لبستُ أُلفةَ الحجر.

تقول الرّواية المحلّية وهي تُعالج وقائع حافلةٍ بالحياة: أنّه بُني في موضعٍ يختزلُ ذكرى اجتماع قادة جيش الفتح الإسلامي للتّشاور في فتح صبراتة.

من المثير معرفة مُؤسّس هذا الجامع الشّاخص كأيقونةٍ نادرةٍ في مُدوّنتنا التّاريخية، إنّه الشّيخ حامد بن محمد إسماعيل المحجوب الإدريسي الحسني، سليلُ أسرةٍ علميةٍ تنتمي إلى الدّوحة النّبوية الشّريفة، يرتفع نسبه إلى الأدارسة الحسنيّين، هاجرتْ أسرته من مدينة فاس مع مطلع القرن الثّامن الهجري لتستقرّ في المنستير، تونس (أفريقية)، حيث أسّستْ رباطًا وزاويةً.

وتكشفُ هذه المُدوّنة (مؤرّخة سنة 1048ه) مُجابهة أسرته لصلف الحملات الصّليبية التي كانت تسعى لتنصير منطقة الشّمال الأفريقي، فكان أنِ أستشهد أخوه علي المحجوب (الأصغر) في معركة المهدية.

وفي سنة 728ه على وجه التّقريب توجّه السّيّدان إبراهيم وحامد المحجوب (الشقيقان) في رحلةٍ علميةٍ إصلاحيةٍ إلى البلاد اللّيبية عبر جبل نفوسة ليستقرّ بهما المقام في سُويقة بني مكطود الواقعة غرب مدينة مصراتة فأسّسا بها زاوية عُرفت باسم (زاوية الغوط) وبوفاة الشيخ المؤسّس نُعتتْ بـــ (زاوية المحجوب).

مكث الشّيخ حامد في مصراتة قرابة السّنة، لينتقل إلى مدينة صرمان التي دخلها سنة 730ه ليستقبله أحفاد الشّيخ مساهل بن يوسف، حيث أسّس مسجدًا وزاويةً، وليتفرّغ لتدريس القرآن الكريم والعلوم الشّرعية متنقّلاً بين مناطق مصراتة وتاجوراء وطرابلس وجنزور التي أقام بها فترة من الزّمن وأسّس بها زاوية ظلّت قائمة حتى مطلع القرن الثاني عشر الهجري، لا نعرف على وجه الدّقة سنة وفاته، غير أنّها على الأرجح كانت قريبا من سنة 760ه.

وكان قد امتلك أراض كثيرة وشاسعة في تاجوراء وجنزور وصرمان هبة من بعض الولاة الحفصيين أو شراء من بيت مال طرابلس الغرب كما تنصّ الوثائق.

وعلى الرّغم من قدم هذا الجامع وعراقته إلاّ أنّ الباحثين غشيتْ أبصارهم عنه، فلم أجد أيّة إشارة له في البحوث والدّراسات المعمارية، مثل: «موسوعة الآثار الإسلامية في ليبيا» بجزئيْها الأوّل والثّاني، و«تاريخ معمار المسجد في ليبيا في العهدين العثماني والقرمانلي 1551- 1911» للباحث الدّكتور: علي مسعود البلوشي، حقيقةً أستغربُ ذلك كثيرًا، أيضًا لا أجد ذكرًا لمساجد أخرى قديمة بصرمان مثل: مخلوف وعبد الكبير الطّياري والمختار والفرّاح وبيت الله والعواشق!!

وفي غرّة عقد الثّمانينيات تفتّقتْ أخيلةٌ تقيّأها الصّدأ أزالتْ هذا الجامع على الرّغم من أنّ مبناه لا يزال بحالة جيّدة، لكنّ الحاجة إلى التّوسيع قضتْ بضرورة الهدم رغم أنّ الجامع اللاّئذ بجريرة هالكيه يمتلك أراضٍ فضاء تُحيط به كدلالات معصم، إلاّ أنّ إرادة الإزالة نافذة!!

وذات يومٍ وقف الشّاعر علي الفزّاني مصعوقاً يُكابد القبلي ويفترسهُ الخرابُ!!

هكذا كُوفئ الشّاعرُ بهذا الهلاكِ الشّاهقِ.

____________

نشر بموقع المستقل

مقالات ذات علاقة

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (24)

حواء القمودي

في الذاكرة (الإعلامي المرحوم فتحي العريبي)

المشرف العام

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (28)

حواء القمودي

اترك تعليق