الشاعر محمد الفيه صالح.
المقالة

صباحُ الفقـد (إنسانٌ جميعُ الطيبين يحبونه)

لم يكن الصباحُ بهيجاً كعادته في كل يوم. وحين سافرتُ في فضاء المعرفة والأخبار وعالم المعلومات.. لم أكن أعرفُ أني سأجد النعي ينتظرني هناك في سلة الأخبار الحزينة… يا الله كم هو قصير هذا العمر الذي يسافر بنا ويأخذنا إلى حيث يشاء، بينما نظن نحن أننا نخاتله، أو نسرق لحظاته، أو نسافر به إلى حيث نريد ونحب.

الشاعر محمد الفيه صالح.

رحل ابنُ ليبيا الحبيبة وعاشقُ طرابلس الوفي… ذاك النقّاشُ الذي تفنن في طرق وصناعة القطع النحاسية التي زرعت فيه دروس الصبر والتذوق والإبداع والنبوغ. منذ بواكير دراسته كان طالباً متفوقاً نال شرف الحصول على بعثة دراسية جامعية لاستكمال علومه في السياسة.. فتخرج من هناك… من جامعة قاهرة المعـز.. بتفوق أكاديمي… وتميز في المشاركة الأدبية والفكرية في العديد من النشاطات والملتقيات الثقافية.

لن أقول كيف أحببتُ إنسانية شخصيته الودودة من خلال نصه الشعري الرقيق.. فهو فعلاً إنسان جميعُ الطيبين يحبونه.. وجميع المبدعين يحبونه.. وجميع الوطنيين الخيرين الأوفياء يحبونه… كان أضمومة فرح وابتسامة قلب… وتواضع جم يكسبه احترام ومحبة الجميع.. وبذلك استحق أن يكون صديق الجميع وحبيبهم.

ذاك الحب والاحترام قادني إلى التطلع بأن أحظى بشرف الاستفادة من مناهل ثقافته الغزيرة، وأن يقرأني من خلال بعض كتاباتي المتواضعة لأتشرف بملاحظاته وتوجيهاته التي تمثل لي زاداً معرفياً وإضافة أعتز بها من قامة إبداعية مثله.. لذلك قررتُ أن أرسلُ إليه بعضَ إصداراتي مع رسالة شخصية مؤرخة في 1 سبتمبر 2016 قلتُ فيها: (… لكل ذلك… وأكثر… هو ما يوطن احتراماً وتقديراً ومحبةً لشخصك الكريم ولإبداعاتك الشعرية والأدبية التي كانت وستظل رافداً من الروافد التي نهلتُ منها، وتعلمتُ الكثير من أسلوبيتها وأدينُ لها بالفضل في الارتقاء بذائقتي الأدبية.

أحببتُ أن أسجل هذه الانطباعات التي لا غاية ترجى من وراءها سوى الاشادة بإبداعاتك ودعمها والثناء عليها باعتبارها إضافة قيمة تثري المشهد الأدبي في ليبيا، وتثبت أن بلادنا ولادة للنجباء المميزين في المجالات كافة. وأنت كما كنت متميزاً أثناء دراستك الثانوية التي نلتها بتفوق على مستوى ليبيا في بواكير العمر، لازلتَ متميزاً طوال مسيرتك الابداعية، فلك كل الشكر والتقدير على ما قدمته من إبداعات.. ونأمل المزيد والمزيد. لك مودتي ومحبتي… وكما يقول صديقنا المشترك الرائع الأستاذ/ محمود البوسيفي الذي كثيراً ما نتبادل معاً الحديث عنك… اللهم صل عالنبي…).

ومناسبة ذكر الأستاذ العزيز محمود البوسيفي هو أنه خلال زيارته إلى مدريد ضمن وفد إعلامي حظي الأستاذ البوسيفي باستقبال واستضافة خاصة في بيت الشاعر والسفير الراحل محمد الفقيه صالح، وقد بعث لي صورة لهما معا يشاكسني بها، حين كانت تغمرهما ابتسامات صادقة، وهما مجتمعان على مائدة الأكل في البيت العامر، وكم كانت تلك الاستضافة، بما تحمله من جانب انساني وشخصي ورسمي، التفاتة تقدير ومحبة من شاعرنا الراحل لأستاذنا القدير محمود البوسيفي في وقت ارتفعت فيه أصوات الإقصاء والتخوين.

وبعد أن كتبتُ تلك الرسالة سلمتُها مع الكتب إلى صديق مسافر إلى العاصمة الاسبانية فتولى مشكوراً توصيلها إلى مكتب العلاقات بالسفارة الليبية في مدريد. وفي يوم الثلاثاء الموافق 4 أكتوبر 2016 وتحديداً عند الساعة الثالثة ظهراً رنّ هاتفي وإذا بصوته الرقيق يتهادى عبر موجات الإرسال ليفاجأني:

(- ألو.. الأستاذ يونس
– نعم. تفضل
– أنا محمد الفقيه صالح)

وبعد الشكر على الاتصال والأسئلة المعتادة عن الصحة والأحوال والأخبار انطلق حديثه بكل عفوية وروح مفعمة بالأمل. ورغم ارتباك فرحي بمكالمته واهتمامه الشخصي بما أرسلته إليه، وتكرار كلمات وعبارات الامتنان له، إلا أنه كان قد اخترق جدارن القلب بالسؤال والحديث عن حي “العمروص” ورفاق دربه “محمود البوسيفي” و”نصرالدين القاضي” و”مصطفى بلعيد”.. واصفاً إياهم “بالكبيدة”.. راجياً مني إبلاغ نصري ومصطفى سلامه وتحياته وشوقه للالتقاء بهما… وقد فعلت… ونشرت ذلك على صفحتي في موقع التواصل الاجتماعي “الفيس بوك”.

جاءني صوته عبر الهاتف ذاك النهار موحياً بتمتعه بصحة جيدة رغم تداعيات الألم والالتزام بتعاليم العلاج الصارمة، وتحدث إليّ عن كتابي (النص الشعري عند سعدون السويح) بلهفة كبيرة لمعرفة طبيعة ذاك النص ودراسته وتقديره للدكتور السويح. أما عن كتابي (طرنيش في القلب) فقال لي عبارة ستظل شهادة أعتز بها (هذا كتاب في ميزان حسناتك أستاذ يونس).

وبعد تلك المكالمة بعدة أسابيع اتصل بي مرة ثانية راجياً مني التواصل مع الأستاذ سالم السعدون واستلام ديوانه الأخير (قصائد الظل) وكتابه (في الثقافة الليبية المعاصرة: ملامح ومتابعات) الصادرين حديثاً عن دار الرواد بطرابلس، ومباشرة إثر مكالمته بقليل اتصل بي الأستاذ سالم السعدون ليطلب مني الحضور لاستلام ما أوصاه به الفقيد الراحل. وفعلاً فعلتُ ذلك واستلمتُ الكتابين مع الشكر والامتنان لكليهما، وفي المساء عاود الراحل محمد الفقيه صالح الاتصال بي للتأكد من استلامي كتابيه وللحوار حول كتابي (ثورة فبراير في الأدب الليبي: قصص عزة كامل المقهور نموذجاً) حيث أورد لي مجموعة نقاط سأظل أهتدي بها ومديناً له بها على الدوام.

وما أن أنهيتُ كتابة مقالتي (هل للظل قصائد؟ قراءة في مجموعة الشاعر محمد الفقيه صالح) عن مجموعته الأخيرة (قصائد الظل) حتى أرسلتها للأستاذ الراحل محمد الفقيه صالح عبر بريده الالكتروني بالتنسيق مع ابنه مروان، وأفادني من فوره باستلامها، مع تأكيدي له بأنني لن أقوم بنشرها حتى يطالعها ويوافيني برأيه وملاحظاته.

وذات ليلة شتوية ينايرية لم يهزم ظلامها وبردها وصقيعها إلا صوته الدافيء الحنون حين أضاء أركان نفسي ومحيطي والكهرباء منقطعة عنا لساعات طوال. لم أحسُّ فيها بمرور الوقت أثناء حديثنا الذي دام لأكثر من ساعة متواصلة تضمنت التعبير عن إعجابه وفرحه وسروره بما تناولته في مقالتي حول ديوانه (قصائد الظل) مؤكداً على كل ما جاء فيها، ومثنياً على ما أوردته في خاتمتها حين كتبت (… عندما وجه إليه سؤال عن الوطن فرد عليهم رداً قاطعاً ببيت شعري استحضره من قصيدة عروضية كلاسيكية بعنوان (ليبيا موحدةٌ وتاجٌ واحدٌ) للشاعر الراحل أحمد قنابة: (ليبَيا طَرابلسُ وبرقةُ وأختُها *** صنوانٌ، قلبُ كليْهِمَا فَـزَانُ).

وفي الوقت الذي يوطن الشاعر محمد الفقيه صالح هذا البيت العروضي التقليدي في قصيدة التفعيلة الحداثوية فإنه يبعث رسالة واضحة مفادها تفتح روحه الشاعرة وفكره المستنير المؤمن بالميراث الشعري التقليدي ومناهجه الكلاسيكية، مع مواكبته للأشكال الحداثوية في الأجناس الابداعية كافة والتي من بينها النص الشعري تأكيداً على استمرارية الإبداع والإنتاج الأدبي والشعري والفكري بجميع أجناسه الفنية ومذاهبه التقليدية والمتجددة).

وحين سألته هل تأذن لي بنشرها، أجابني: بكل سرور. وعندما نشرت المقالة في شهر يناير 2017 على موقع ليبيا المستقبل واحلت رابطها إليه، اتصل بي مكرراً شكره والتواعد على اللقاء والحديث حول بعض تفاصيلها الخاصة وغيرها من المواضيع الأخرى. ولما أعلمتُه بما نشره الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي من ثناء وإشادة بنصه وخلقه.. قال لي بأنه ممتن له ولجميع الأصدقاء، وأنه يأمل تزويدي برقم هاتف الدكتور أحمد إبراهيم الفقيه، وفعلاً فعلتُ ذلك وأخبرت الروائي العالمي الدكتور أحمد ابراهيم الفقيه برغبته في التحدث إليه والتواصل معه، وكان ذلك أثناء الاستعدادات لدورة معرض القاهرة الدولي للكتاب والتي كان من المتوقع أن يشارك الشاعر الراحل محمد الفقيه صالح في إحدى ندواتها الفكرية ومناشطها عامة ولكنه للأسف لم يتمكن من السفر بسبب المرض… الذي تمكن منه مؤخراً رحمه الله.

(جميع الطيبين يحبونه)…

رحم الله الفقيد الشاعر والدبلوماسي الأستاذ محمد الفقيه صالح الذي لا يختلف عليه أحد من الطيبين والمبدعين والوطنيين الخيرين الأوفياء. فهل يسعى كلهم، أو بعضهم، أو واحدٌ منهم، لتنظيم تأبينية أو أمسية تحتفي بنصوصه الشعرية ومقالاته النقدية وتوثق سيرته العطرة في مشهدنا الأدبي والثقافي؟

هل مؤسساتنا الرسمية: وزارة الخارجية أو وزارة الثقافة أو جمعياتنا الأهلية أو نخبة الأدباء والكتاب في الداخل والخارج؟ هل فينا من يتبنى ذلك ويفعل؟

مقالات ذات علاقة

علاج الروح

محمد عقيلة العمامي

عبد الناصر في ذكرى رحيله.. العرب في اسوأ حال

ميلاد عمر المزوغي

عن العيد وعن “شمس على نوافذ مغلقة”

حسين التربي

اترك تعليق