قصة

شِفاه..

من أعمال التشكيلية خلود الزوي
من أعمال التشكيلية خلود الزوي

كلما هاجمها الضحك تهرول نحو تلك الشجرة المعمرة، تكتب بسبابتها على جذعها العريض (هههه.. هههه..)، وتضحك داخل أنفاسها وهي تدعك وجهها باستمتاع في سطحه الخشن، تفرغ فيه ضحكها الذي يثير قلق أمها، فضحكها يستفز أخاها الميت، ويثير شكوك وفضول المحيطين ويزعزع أمنهم، إذ كيف تبتسم لوحدها!؟ بل أحيانا تلد الشِفَاه على وجنتيها ضحكة مجنّحة!

تستغرب كيف لجارتهم هذه الزغرودة المجلجلة! تُلقي برأسها من شرفتها وتطلق لسانها يقفز من حلقها بعيدا، وتلوّح به مولولا في الفرح والحزن! أما هي فلا يمكنها مطّ لسانها أبعد من لقمتها، تحاول انتزاعه من قاعه، تغرس إبهاميها تحت جانبيه وتحاول تحريره أنملة، لكنها تفشل في كل مرة، أمها أفضل حالا، فقد زغردت مرتين، الأولى عندما ودّعت أخاها إلى الجبهة، والثانية عندما استقبلت جثمانه ـ عدا ذلك فالصوت رفاهية لا تليق بنا ونحن المشغولون بين المحاور والمقابر، هكذا أفهموها ــ فكيف تطمع بإطلاق لسانها إذا كان صوت الضحك محظورا؟! وأجهزة التنصت مخبأة حتى في ثلاجة الموتى!!

صارت تهرب منهم إلى الشجرة، تحفر بضحكتها المبحوحة المخنوقة على الجذع العريض (هههه.. هههه) حتى يتشقق ظفرها، وتنتفخ رئتاها، كانت غرفتها ملاصقة للمطبخ، الذي يقود بابه الخارجي إلى الفناء الخلفي حيث شجرة الخروب بأوراقها العطشى، وأصابعها المقلوبة، تتسلل من الممر دائم العتمة، تشيّع بصرها لذاك العش البعيد أعلى الغصن وساكِنِه المغرّد، تبسم له بغبطة، يرفع صوته، تومىء له برأسها معتذرة عن الغناء، تتسلى بأصابع الخروب تشكّلها، فتبدو مدلاة كأجساد مشنوقة، تبتسم وتعود تغرس وجهها في الجذع المتشقق، ترسم عليه (هههه.. هههه..) تكتم في شقوقه الصوت المحظور وخيفةً، ثم تعود إلى غرفتها متباطئة مرتخية، تعانق وسادتها وتبكي بعبرة تزفر نصفها وتبلع نصفها حتى تحتقن وتثخن رئتاها، تنهض متحفزة وبعدائية تقفل باب غرفتها، إنها أمام المرآة، تنزع ملابسها قطعة قطعة، ترميها بعشوائية قطعة قطعة، تتبعها بنظراتها منتشيه وهي ترتفع لتسقط أرضا قطعة قطعة، تتأمل الجسد العاري في المرآة قطعة قطعة، تتحسس تضاريسه المشوهة، تسعل.. وتسعل.. وتسعل، تتنفس، وبأحمر شفاه فاقع، وفوق العاري تضع علامات وأسماء، ومسارب، وإيماءات غير مفهومة! تلقتْ أذنها خشخشة من النافذة، التفتتْ متوجسة ولكن لا أحد، عادتْ إلى المشوّه تعبثُ فيه بأحمر الشفاه، اشتدّ السعال، ارتفع الصفير، اشتد الطرق على الباب، غطتْ الجسد المشوّه بثوب فضفاض، تنفستْ، فتحتْ الباب بابتسامة خوفٍ بدّدتْ قلق أمها، استلقتْ في فراشها، شبكتْ يديها تحت رأسها، وسرحتْ في السقف، ثم أرختْ أهدابها، هنيهات وتململتْ برأسها وابتسمتْ، سحبتْ يديها بسرعة وغطتْ وجهها، داهمها الضحك المتدرن، هرولتْ نحو الجذع، رسمتْ عليه (هههه.. هههه.. هههه).. حتى امتلأ الجذع برسم ضحكاتها السعلى، دعكتْ وجهها وتنفستْ فيه تقاوم السعال، وعادتْ متثاقلة إلى غرفتها مثل كل مرة.

اليوم، عندما باغثها ما يضحكها وجرجرتْ خطواتها إلى جذع الخروبة، تفاجأتْ برسمها قد ملأ الجذع شفاها مفتوحة، لم يمنعها الإجهاد الظاهر من الابتسام للجذع الموسوم بضحكاتها وللصديق المغرد مزهوا بالطيران، تحاول التحلحز والتقدم، لكنها خائرة، تقاوم الاحتقان بالسعال، تسعل وتسعل.. تلتفتْ وراءها وهي تنسحب قافلة نحو غرفتها بتباطؤ شديد وتسحب قبضَ هواء، كان صوته يأتيها من النافذة التي اعتلى قضبانها يصطفق بجناحيه قلقا، يراها تسقط على فراشها، تمدّ يدها تحاول الوصول إلى القلم الأحمر، كتبتْ على لحاف الفراش (بربكم. أخبروه إني …..)، شخصتْ عيناها نحو النافذة واشتد السعال، واشتد هزّهم لها يسألونها بهستيرية: نخبرُ مَن؟ نخبر مَن؟ انطقي أيتها الخرساء..

تمسكوا بالسؤال ولم يكمل أحدهم جملتها المبتورة (بربكم. أخبروه إني …..)

مايو/2020

مقالات ذات علاقة

طيّار

مفتاح العلواني

يحيا “ارجوبه”

عطية الأوجلي

الحفرة

علي فنير

اترك تعليق