النقد

شِعريّة الصّورة وتشكّلاتها في قصيدة “ظل مـآقي الرّيـــح” للشّاعرة/ أُميلة النيهوم.. مُقاربة بدئيّة

عمر بن ناصر حبيب

من أعمال التشكيلية خلود الزوي
من أعمال التشكيلية خلود الزوي

> مُفتتح:

في البدء لا بدّ لنا من الإقرار بحقيقة أنّ النّص كائن حي يتّسم بمُقوّمات ذاتيّة تُميّزه عن غيره، وأنّ الممارسة الإبداعيّة الفنّيّة الجديدة التي يستبطنها النّص، وتتكشّف من خلال محمولاته الرّمزيّة والعلاماتيّة، هي إبراز القيم الجماليّة والوجدانيّة من الحياة، التي تتمثّل الواقع في إطار دائرتيْ الزّمان والمكان، والوعي بضرورة إعادة صياغة الحياة برؤية أخرى، قوامها التخطّي والتّجاوز للأدوات التقليديّة السّائدة.

وهي عمق الممارسة الحداثويّة التي يعيشها النّاص المبدع، وينشد تجسيدها بأدواته المبتكرة؛ لسبر أغوار النّفس ومعرفتها، ومن ثمّ محاولة الارتقاء بالوجدان الجمعي إلى مستويات رفيعة من التلقّي والتذوّق الفني. فيكون من نتائجه أن يُحسن المتلقّي بقراءته وتأويله سدّ ما قد يبدو له من فراغات بينيّة؛ لتتسق مع بنية النّص.

وتأسيسًا على ذلك تأتي هذه المقاربة الهرمنوطيقيّة البدئيّة من نصّ: “ظل مآقي الرّيح”؛ بحثًا عن دلالات ما يحمله من إشارات، توحي بها شعريّة الصّورة وتشكُّلاتها، بقراءة مضمونيّة تهدف الولوج إلى النّص، وتتبّع صورِهِ المُتخلّقة؛ كشفًا عن دلالات إيحاءاتها الباطنة، وما تبعثه من رسائل نفسيّة جماليّة ثقافيّة، وما تُخفيه من معان.

> شعريّة العنوان:

إنّ رؤية الذّات المبدعة، وتشكّلها الجمالي والوجداني، النّابع من البناء الثقافي التّراكمي، كانت وراء ولادة هذا العنوان “ظل مآقي الرّيح” ليكون عتبة الخطو نحو النًص، وقد اجتهدت الشّاعرة برسم شعريّته، التي جاءت متساوقة مع وحدة البناء الشّعري للنّص، وارتبطت به بصورة وثيقة. فسيميائيّته قد أمدّتنا بجملةٍ من الإيحاءات الذّهنيّة والنفسيّة، فعرفنا عبر الإشارة صورةً للعين الباطنة (البصيرة) واتّساع مدركاتها للأشياء المتوارية، فاستعارت من الرّيح قوّة فعلها وسرعة حركتها، عندما تسافر بنا إلى مَواطن كانت مجهولة. فالمحمول الدّلالي للعنوان يوحي بدراميّة الحركة المُعبّرة عن نشاط البصيرة الوقّادة، في سفرها بنا عبر(المُخيّلة) كاشفة عن صخب المشاعر وتضاربها في أغوار النّفس، التي هي ذات الشّاعرة المتوقّدة عينها. وإذا اعتبرنا أنّ النّص كيان خلوي حي منفتح على مستويات الفضاء الدّلالي؛ فإنّ الرّيح لابد لها أن تكون النواة الرّمزيّة التي يحيط بها نسيج عتبته.

> شعريّة الشّكل:

لقد انتظمت الكلمات الشعريّة في هيئة بصريّة عموديّة، فجاء هيكل القصيد في شكل فنّي هندسي مرئي، تجاورت فيه الكلمات مع بعضها بعضًا في جُمل صغيرة، وقد نجد أحيانًا كلمة واحدة منفردةً بذاتها في فضاء مكاني محدّد. وهذا التنظيم الشكلي نزوع نحو نمط جمالي بصري، جاء متناغمًا مع إحساس الشّاعرة باللغة الصّوتيّة وجماليّة رسمها، ومدركاتها البصريّة، وإيحاءات دلالاتها الحاملة للمعنى، وهو بذلك انعكاس للمساحات الثقافيّة والجماليّة المُتخلّقة في الذّات المبدعة.

وإذا عرفنا “أنّ النّص لا يحقّق حضوره على المستوى الطّوبوغرافي المجرّد فحسب؛ وإنّما يكشف الدّلالات المضمرة، التي تقف خلف هذا المستوى المادّي”(شكر وهايل،2020، 27)؛ فإنّ محاولة الوقوف على معنى لهيأة هذا الانتظام العمودي، يحتاج إلى قراءة سيميولوجيّة في بُعديْها الأفقي والعمودي، تأخذ في اعتبارها الخطوط العمودية المُضمرة الطّاغية في تشكّل القصيد، والتي ربّما تعطي إحساسًا بالصّراحة والاعتزاز. وقد يوحي هذا الحيّز المكاني الصغير الذي يشغله، في هذا الفضاء المتّسع من بياض الورقة، إلي رحابة الفضاء الدّلالي الذي يعيشه هذا القصيد بمحمولاته المختلفة. 

> شعريّة المضمون:

إنّ ثيمة هذا النّص تمظهرت في مشاهد مجازيّة فنّيّة مبعثرة، ذات إيحاءات حركيّة لونيّة، استخدمت الشّاعرة فيها استعارات واسعة التمدّد، نسجت أبعادًا موغلة في الخيالات المركّبة، لصور بعيدة في غرائبيّتها، اتّسمت بشيء من الذّاتيّة المحضة، التي خرجت بها عن المعيّاريّة الفنّيّة المرجعيّة المتعارف عليها، إذ كيف للمتلقّي أن يفكّ رموز تلك العلائق بين “فعل القراءة، والأصابع، والمسافات الباكية” وبين “الغفوة الصّاحية، والواحات بلا ظلال، وفعل الاحتساء”… وغيرها؟ فالنّص مليء بمثل هذه العلائق المثيرة، والتّنامي الأفقي والعمودي في الأداء، الذي قد نجد لها مثيلًا واضحًا في قاموس شعر السورياليّين، و”عندئدٍ لابدّ من اللجوء إلى الأدوات البلاغيّة، كالاستعارة البعيدة، والتخيّلات التي لا يمكن أن تتحقّق إلّا في ذهن منتجها، أو متلقٍّ على درجة عالية من الثقافة والمعرفة “(جرادات، 2013، 572).

لقد عبّر هذا الاتّجاه عن حالة وجدانيّة مضطربة، تشكّلت صدىً لمشاعر الحنين والفقد التي أخذت مساحة واسعة من النّفس، انساقت الذّات معها، وراء مخاوفها وأحزانها وعواصفها وانكساراتها بقوّة اندفاع الرّيح وسرعتها، عبر شفافيّة البصيرة / المخيّلة التي انكشف لها حجب السّتار الدّاجي؛ لترى صورًا للحبيب المنزوي بعيدًا، وقد طوته المسافات القاسية المؤلمة، التي لا تدركها قوّة الفعل البشري، إذ استحال مع شوقه الجارف المماثل، إلى جسد واهن ضعيف وئيد الخطو (الدّلالة التجريديّة لفعل الأصابع) فقَدَ إمكانيّة الالتحام بمرأى حبيبته، فاستكان للذّة المخيّلة هو أيضًا؛ ليحظى بهمسها الذي يخطر مقتحمًا غفواته وخلوات صحوه.

ورغم تلك العذابات التي يعيشها، وقد حوّلته إلى بنية متآكلة لا ملامح لها (دلالة الصّورة التجريديّة ل.. واحات بلا ظلال تحتسيك)، وينطفئ ببطء نحو الهلاك؛ إلا أنّ تماهيه الرّومانسي معها، قد منحه فعلًا تعويضيًّا، أكسبه التلذّذ بأحزانه المتناسخة، وهو يرنو بشغف ذاكرته، إلى زمن جميل عاشاه معًا. إنها في الوقت ذاته تُمثّل حقيقة المشاعر المسقطة من الذات المترعة بالشوق (الذّات الشّاعرة). وقد استخدمت النّاصّة هذه التقنية الاسترجاعيّة؛ لتشعر المتلقّي بزخم مشاعر الفقْدِ والشّوق وقسوة البعاد.

وتتوالى الومضات السّريعة في بنية مشهديّة القصيد، عبر انزياحات المخيّلة نحو إنتاج / توالد مزيدٍ من الصّور الشّعريّة ذات الصّبغة التجريديّة، فيُناسقها الفعل (الرّسومي اللوني) بإيحاءات دلالاتها المُدركة حسّيًّا، ويُرتّبها في نسق مرئي حي متّسق بنيويًّا وموضوعيًّا، تتفاعل معه باصرة المتلقّي، فيعيد صياغة تلك الدّوال في ذهنه، معطيًا لها أبعادًا إثرائيّة جديدة في بحثه لبناء المعنى: “تكتب للأزرق لغة شعره المبهرة/ ترسم للماء ظِلّه الشّاسع/ تتفيّأ صمت المسافات الممتدّة…” إنّها فُسحة الأمل التي يتعلّق بها الغريق في أحزانه وإحباطاته وانكساراته توقًا إلى تجديد حياته. ففي شوقها إلى زمن كان عنوانه الحبّ والفرح والبوح الجميل عاشاه معًا، تعود بحبيبها عبر ومضة ما ورائيّة حالمة، تحت وطأة شعورها (النوستالجي) إلى تفاصيل تلك الأيّام التي عاشها معها فضاءً أزرق للقصيد، ودفقًا عاطفيًّا للغته،  فكان أن منح للأشياء والموجودات حقائق وجودها في بكارة خلقها، بعيدًا عن هذي الحياة المُترعة بالسّكون والصّمت والموات، مثل مقبرة مشرعة على ألوان من الفقد الموجع والخواء.

> شعريّة التجريد:

بوجه عام نستطيع القول إنّ الصّورة والإيقاع هما أساس بنية النًص الشّعري، ويتحقّق الإيقاع والموسيقا الدّاخليّة في النّص الحديث بالتكثيف اللغوي، ورصف الجمل الشّعريّة باختيار ما يناسبها من مفردات حيّة ذات تآلف واتّساق منسجم متوازن بينها، وتراكيب سليمة تحُول دون بروز اضطرابات سياقيّة داخليّة، قد تهدّد وحدة النّظام الدّاخلي للنّص المنتج.

وما يهمّنا في هذه المقاربة هي شعريّة تشكّل الصّورة في هذا النّص، والصّورة الشعريّة الحديثة العميقة بإيحاءاتها ودلالاتها، نراها تخييلًا لفظيًّا يتجاوز علاقات المشابهة بمشاهد الواقع، ويتعدّاها إلى ظلال لونيّة إبداعيّة، تقترن برؤية جديدة تُجسّد فكرة النّص، التي تُفضي في النّهاية إلى تعدّد القراءات والتأويلات وتباين المدلولات لدى المتلقّي، فتُعبّر بذلك عن حالة من الثراء التي يتألّق بها المنجز اللغوي الشّعري. وتتشكّل الصّورة الشعريّة – كما يراها عديد من النّقّاد – من مصادر عديدة منها: “المشهديّة اليوميّة- والتناصّيّة- والمشهديّة المُتخيَّلة- والمونتاج- والثنائيّات الضدّيّة -والرّمز والأسطورة-…“.

وبالنظر إلى النّص المستهدف بهذه المقاربة، نلاحظ أنّه في بعض من صوره المُركّبة، قد استند على مشهديّةٍ تَقاطَعَ فيها الحدث اليومي بالمُتخيّل “أصابع، ومسافات باكية/ همسًا-غفوة صاحية، وجناحي مخيّلتك/ واحات بلا ظلال، وتحتسيك/ … ترسم للماء ظلّه، وتتفيّأ صمت المسافات/ سكون مقبرة، ونحيب نوافذ/…”

كما نجد اتّكاء النّص على بعض “الثنائيّات الضدّيّة” وهي: “غفوة – صاحية، سكون – تتسمّع نحيب، تكتب لغة – ترسم ظله”. وقد أضفت عليه شيئًا من الحركة والحيويّة والإيقاعيّة الباطنة، التي أبعدته عن سكونيّة الرّتابة والجمود، وهي ما أشاد بها (جون كوهين) الذي سمّاها بالمنافرات، وذكر أن: “الشّعر يُولد من المنافرة، إذ لها المقدرة على إنشاء أنماط من الدّراما المتطوّرة في النّص، وهي أحد شروط تَخلّق الإيقاع في القصيد..”(كوهين، 2014). الأمر الذي أكّد انتقال الصّورة الشّعريّة من مستوى دلالي سطحي إلى مستوى أعمق من الدّلالات.

وهنا نرى أن اللغة الشّعريّة التي أنتجتها مبدعة النّص، بجملها “أصابع للمسافات الباكية/ همسًا لغفوة صاحية/ تراوغ جناحي مخيّلتك/ واحات بلا ظلال/ تحتسيك على مهل/…” وغيرها ممّا أوردناه سابقًا في النّص، وما جاء في آخر القصيد “نحيب نوافذ صمت مطعونة/… مزروعًا في خاصرة شامة حنطيّة/ تتوسّد وشمًا متآكلًا/ أورثه كهف منطفئ….“… “تحوّلت من مُنتَج رُسمتْ فيه الكلمات من سواد استقرّ في فضاء صفحة بيضاء، إلى أثر فنّي تجريدي اتّسم برسوميّة لوْنيّة ذات إيحاء بصري مَرئي، والقاسم المُشترك هنا ” شعريّة الصّورة ” ببُعديْها التخييلي والثقافي. أي أنّ القصيد بدَا للمُتلقّي كما لو كان مُقابلة فنيّة بين الصّورة الشعريّة المُتحرّكة، وشعريّة الصّورة السّاكنة، أتَتْ نمطًا من المُحاكاة بين الشعر والتّشكيل في طوْرِهِ التّجريدي، عبر وسيطيْ الخيال والفكر. فتناصّتْ بذلك مقاطع القصيد مع تمثيلات رُسوميّة بصريّة أو مرئيّة لِلَوْحة تجريديّة.


القصيدة: “ظل مآقي الريح“
أميلة النيهوم

قرأتُك
أصابعَ
للمسافات الباكية
وهمسا
لغفوة صاحية
تُراوغ
جناحي مخيلتك
واحات بلا ظل
تحتسيك
على مهل
تتعتق بشغفِ
زمانٍ آخر
تكتب للأزرق
لغة شعرهِ
المبهرة
ترسم للماء
ظله
الشاسع
تتفيأُ
صمت المسافات
الممتدة
في غيابات لُجّةِ
سكونِ
مقبرة مجهولة
تتسمّع
نحيب
نوافذ صمت
مطعونة
تتلمّس
حد النصل
المغدور
بثمالة
فقد موجع
مزروعا
في خاصرةِ
شامة حنطية
تتوسد
وشما متآكلا
أورثه
كهف منطفئ
لطقوس
شرود
مآقي
الريح
____________اسطنبول، 21 أكتوبر 2020


#السقيفة الليبية

1/ جرادات، رائد “2013”. بُنية الصّورة الفنّيّة في النّص الشّعري الحديث الحرّ.. نازك الملائكة أنموذجًا. دمشق: مجلّة جامعة دمشق، ج 2 ،1 “29” : 551 _ 583.

2/ كوهين، جان ”2014″، بُنية اللغة الشّعريّة، محمّد الولي ومحمّد العمري، ”المترجم”، الدّار البيضاء، توبقال للنشر.

3/ شكر، حارث وصايل، عارف ”2020“، مستويات الأداء الفنّي في شعر عدنان الصائغ.. الفضاء الدّلالي للصورة الشّعريّة أنموذجًا، عمّان: الجامعة الأردنيّة، مجلّة دراسات العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، 2 “47” :21 _ 35.

مقالات ذات علاقة

تماس مع (رملة الزقرار)

ناصر سالم المقرحي

قراءة نقدية في قصة الزنزانة

سعاد الورفلي

استنطاق المحسوس في حكاية مشط..!!

ناجي الحربي

اترك تعليق