قصة

شُطِّي بُطِّي

مط (منصور) ذراعيه بتكاسل وهو يغالب النعاس الذي علق بأهدابه فالتصقت ببعضها البعض، فقد انتصفت الظهيرة وحرقت أشعة الشمس أطراف السماء.

اعتاد (منصور) أن يقيم الليل ساهراً أمام التلفاز تتبادل يداه جهاز التحكم عن بعد، يضغط على أزراره ويتجول به بين المسلسلات العربية والأفلام الأجنبية دون أن يكمل أياً منها… يمضي نهاره غارقاً في نومه بين مخدات الكنبة المواجهة لجهاز التلفاز.

التشكيلية الفلسطينية _ كنان الربيعي
التشكيلية الفلسطينية _ كنان الربيعي

تنهض (رقية) باكراً، تلمح (منصور) وهو يتثأب وينزلق نحو النوم… تغلق عليه الباب، ثم تفتح ماكينة الخياطة “السنجر” ذات الطاولة الخشبية اللامعة وتنكب عليها… تمضي نهارها وهي تحرك جسدها بقوة… تضغط بقدميها على الدواسة، فتنزل الإبرة كقطرات الشلال على القماش وتملأه بالثقوب لتعاود الصعود من جديد، بينما تتحكم بيدها اليسرى في سرعة الدولاب الذي يدفع حركته السريعة قدماها، وبيدها اليمنى تحرك القماش وتوجهه تحت وخزات الأبرة، وتنحني برقبتها قريبا من الآلة الحديدية لتقطع بأسنانها الخيوط بعد أن تبللها بلعابها. يمر نهارها سريعا وهي تخيط وتطرز وتقص وترتق، تستقبل زبوناتها بابتسامة مضيئة وهي تردد.. “معليش بالشوية منصور راجلي راقد..” لترتفع حواجب النساء المرسومة على جباههن باشكال مختلفة وتتقوس” العفو راقد لتوا؟”…” ماهو ساهر الليل كله” وغالبا ماترد عليها الزبونة بمكر ” شنو ساهر يخدم؟” فلا تجيب.

وبين الفينة والاخرى، تقوم رقية بمهام اخرى… تنظف البيت وتكوي ملابس (منصور) وتجهز له الغذاء… بل وتخرج لتشتري مستلزمات البيت والاكل والخبز الطازج… (منصور) لا يأكل اطباق اليوم السابق ولا الخبز ” البايت”.

“قداش جاتك زبونة اليوم”… “قداش لمدتي فلوس”… يسأل.. والنوم مازال يتراقص بين ثنايا جفونه وشعره كأشواك الهندي وهو يتحرك في الشقة مرتديا سروال البيجاما وفانيلا داخلية بيضاء.

يشرب قهوته بتؤده فالزمن لا يعني له شيئاً سوى استفاقته من سبات عميق وانزلاقه للنوم من جديد…

يحرك أصابعه بين ثنايا الفساتين المكدسة على آله الخياطة، فتنتابه رغبة في ضم (رقية)… لكن الكسل سرعان ما يخدر أوصاله.. يرمي بثقله على الكنبة امام التلفاز ويبدأ في جولة جديدة من القفز بين القنوات… تستمر (رقية) في انكبابها وكأنها تحتضن آلة الخياطة … يمر الوقت سريعا وطلبات الزبائن لا تنتهي والمواعيد تركل بعضها بعضا… يبتسم (منصور) لها من مكانه لا يبارحه، كلما جهزت ثوبا يتمتم “قداش صوت هالماكينة مزعج… لكن معليش نتحملوه”.

تعلمت (رقية) صنعة الخياطة من أمها التي كانت تعرف “بالسارتا” في حي زاوية الدهماني. كبرت على وقع أقدام أمها على دواسة الماكينة، وعلى دخول وخروج النسوة، وعلى أصواتهن المغنجة وهن يصفن لامها تفاصيل الاثواب التي يريدونها… ثم تطور الأمر فأحضرن المجلات الانيقة ذات الصور الملونة الجميلة لنساء شبه عاريات يرتدين أثواب زاهية وطويلة… تفننت أمها في تفصيل وخياطة “القمجة” وهي بلوزة ترتديها النسوة في الاعراس تحت الرداء، كانت تطرزها أمها بخيوط التل وبالفضة، واليوم تطرزها رقية بحبيبات الخرز والعدس واللؤلؤ والكرستال. وكلما كانت القمجة تموج بالتطريز اليدوي وبالأحجار الكريمة كلما كانت ثمينة… تفننت السارتا في القمايج لدرجة أصبحت فيها صانعة ومصممة لموضتها وخطوطها و”قصتها”، واطلق عليها سارتة القمايج…

كانت وظيفة (رقية) جمع الإبر والدبابيس و”مطاسات” الخيوط و”السبانيوليتا” والاستيك والعدس وحبيبات الزينة.. كما تعلمت لاحقاً مسح الماكينة وتزييتها وتشحيمها، وتلبيس “مطاسة” الخيط في “المكارة”، ولضم الإبر ورشقها في “المخيدة”…كانت تُلبس سبابتها “الخوصة” الفضية المقاومة لوخزات الإبر و”الطوبليات” وتحركها كأنها في مسرح للعرائس… لكنها تعلقت كثيرا بالأزرار الملونة ذات الاحجام والأشكال والأنواع المختلفة… تمسح عليها براحة سبابتها ثم ترصها إلى جانب بعضها البعض أو تكدسها ثم تضربها بقفى يدها فتتناثر على أرضية الحجرة لتجمعها من جديد. تصنع منها أشكالا وبيوتا بل شخوصا وملامح.. لكن نوعا معينا من الأزرار كان يشد إنتباهها وتعبث به أصابعها هو المسمى بــ ” الشُطِّي بُطِّي”. لفت نظرها الاسم فكانت تردده وهي تضحك، ثم فهمت لاحقا المغزى وهو إن هذه الأزرار المعدنية المستديرة ذات الثقوب، “تشبط” إحداها في الاخرى بواسطة نتوء حديدي يبرز من إحداها ويدخل في ثقب الاخرى لتصبح قطعة واحدة مستديرة. تستعمل أمها هذا النوع من الأزرار لإغلاق فتحة رقبة “القمجة” الخلفية فتبدو بدون أزرار.. وكلما أرادت إخفاء الأزرار على أي ثوب استخدمت الشُطِّي بُطِّي…

تباع أزرار الشُطِّي بُطِّي وهي منفصلة عن بعضها و ملتصقة على ورق مقوى أزرق اللون، تنزع عنه عند الاستعمال لتنطبق الواحدة على الأخرى بتكة خفيفة وبدقة متناهية فلا يمكن أن تخطىء إحداها الأخرى اذ لابد وان ينغلق الشُطِّي على البُطِّي ليصبح زراً واحداً ولا ينفك عن بعضه البعض إلا بفعل فاعل!

التقطت أذني (رقية) زبونات أمها يتهامسن ويتغنجن ويتضاحكن وهن يتحدثن عن أزرار الشُطِّي بُطِّي … لتقع في أذنها يوما جملة “أنا واياه زي الشُطِّي بُطِّي”… فتتخيل بعدها تلك الأزرار من الرجال والنساء يتلاصقون كالشُطِّي بُطِّي.

جاء (منصور) يخطب “بنت السارتة” التي يداها من ذهب خالص كما يصفونها … أنصب كامل الإهتمام والوصف على يديها، فيما تصنع وما تقبض بهما من أوراق نقدية… لم يصف أحد وجهها أو قوامها.. سوى أنها “صاحبة صنعة مقوّمة” .. “يدياتها ذهب”..”القمجة الواحدة تطيح عَدَة فلوس”… كان (منصور)عاملاً في أحد الحقول النفطية، لا ينزل إلى طرابلس إلا كل شهرين.. يعيش في عالم من الرجال، وسط البرك السوداء والشحم ورائحة إحتراق الغازات… نسي المرأة وتضاريسها، يتبادل مع زملائه بعض المجلات المصورة لأجساد أنثوية دون أن يلمس احداهن..

اقترنت به…وحمل لها بسعادة ماكينة أمها التي انحنى ظهرها وشح بصرها من التطريز ولضم الإبر…زيّتها وشحّمها لها ووضعها بالقرب من النافذة، وفتح باب بيته على مصرعيه لكي تستقبل (رقية) زبونات أمها ثم زبوناتها بينما هو في الداخل يتمدد على الكنبة ويشاهد التلفاز…اقتنى الفيديو، ثم الصحن والجهاز اللاقط ، ثم إشترك في الباقات التلفزيونية من رياضة وأفلام، يمدد ظهره وهو يتأوه ولا يحرك سوى عينيه، وهي كما هي تحني ظهرها طوال اليوم وتحرك أطرافها وتستخدم فمها لبل الخيوط بلعابها وقطعها بأسنانها..وفي آخر النهار بعد أن تتخدر أطرافها تضع أكداس الأوراق النقدية المندية بعرق جبينها على “شكماجة” حجرة النوم دون أن تعدها، فينهض (منصور) من مكانه بخفة، يتجه نحو الشكماجة يعدها ويرتبها، يفرق ما بين العشرات والخمسات و” الرقاق”. يترك “الرقاق” في مكانها لـ(رقية) لكي تشتري بها الخبز، ويعطيها متى طلبت ما يكفي لمستلزمات البيت.

تخيط (رقية) القمايج والأثواب والعبايات وفساتين الأفراح وتطرزها وتصلح من بعضها… حتى انحنى قوامها ووضعت على أرنبتها نظارة طبية تكبر تحتها عيناها وتتسع… تقف على زبوناتها تقيس قوامهن، وتنزل إلى الأرض لتضبط القياس.. لم يلمس قوامها ثوباً ثميناً، في حين لمست يداها أثمن الأقمشة وأغلاها… تعاملها برفق وعناية، وبعد أن تحيل القماش إلى ثوب تسلم ما تبقى منه لأصحابه… بينما (منصور) يتقلب عوده الطري على المخدات يشتهي ما يذاع من أكلات ويثقف نفسه عن الاكل الطبي والسعرات الحرارية…

“ماعاش نبي القلي… ولا السمن… نقصي طماطم الحكة والنشويات… اشري خبزة شعير….”.

تعبت (رقية)… ليس من صنعتها ولكن منه… من شكله ومظهره، لم تعد تطيق لقائها به كل صباح. أشعث الشعر زائغ العينين بسروال البيجاما والفانيلا البيضاء، “وفي المي والملح” .. “ماكينتي خير منه” .. “هو والكنبة سوا سوا” .. “والله ماهي حكاية خدمة وفلوس… طاح القدر خلاص”..تنتر بيديها فستانها القطني متمتمة” فديت” … تتعمد أن تردد هذه الجمل وتسمع صوتها لنفسها بينما أصابعها تتحرك كالآلة… تربت على ماكينتها تزيتها، ولا تطيق أن تربت عليه، تشعر وكأنما نمت على جسده قشور سمك من كثر احتكاكه بمخدات الكنبة..

ذات صباح بينما كان في طريقه المعتاد الى الكنبة تعثر في حقيبة… التفت فوجد (رقية) تقف عند ماكينتها تنزع خيوطها وتضب مقصاتها في جرابها وتجمع الأزرار، وقف يراقبها، لم تلتفت إليه، دخل إلى جحره ونام، وحين لسعته شمس الظهيرة استيقظ وخرج وهو يرتدي بنطال بيجامته المخطط فلم يجد (رقية) في مكانها المعتاد منحنية خلف ماكينتها، دخل الى حجرة النوم يبحث عنها فلم يجد إلا النقود “الرقاق” على “الشكماجة” …خرج مسرعاً بقدميه الحافيتين وهو يحك عينيه وكأنه يثبتهما في محجريهما… إتجه نحو النافذة وأمعن النظر، لم يعد للماكينة من أثر، إلا أزرار الشُطِّي بُطِّي المعدنية تتلألأ على أرضية الغرفة، متناثرة و متفرقة عن بعضها البعض.

طرابلس: 24. 8. 2013

مقالات ذات علاقة

الجروة الضالة ..

زكري العزابي

يوم عادي

رشاد علوه

حنين

المشرف العام

اترك تعليق