الكاتب الصادق النيهوم
المقالة

شيوعية النيهوم

سالم القطعاني

الكاتب الصادق النيهوم
الكاتب الصادق النيهوم
تصوير: فتحي العريبي

للصادق النيهوم ثلاثة كتب فكرية جدلية, وقد كتب خلالها اليوتيوبا خاصته عن الجامع, باعتباره برلمان الجموع العربية الشرعي, ولا شرعية لسواه, في بديل ديمقراطي لا نيابة لأحد فيه, وليست تدعمه قوة رأس المال أو العمال, بل الجماعة, كل الجماعة يصبح مشاعا لها حق أقرار السلطة تحت سقت بيت الله, في فكرة مثل تلك يظهر النيهوم في ثوب شيوعي جديد.

لا تعني الشيوعية لديه سوى الجماعة وحدها بعد تصحيح أخطاء الترجمة “ﻟﻮ اﺗﺤﻴﺖ ﻟﻨﺎ ﻓﺮﺻﺔ ﺍﻟﺨﻼﺹ ﻣﻦ ﺃﺧﻄﺎﺀ ﺍﻟﻤﺘﺮﺟﻤﻴﻦ, ﻟﺮﺃﻳﻨﺎ ﺃﻥ ﻛﺎﺭﻝ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﻟﻴﺲ ﻣﻔﻜﺮﺍ “ﺷﻴﻮﻋﻴﺎ” ﺑﻞ “ﺟﻤﺎﻋﻲ” ﻻ ﺗﻌﻨﻲ ﻣﻮﺍﻃﻨﺎ ﻻ شيء ﻟﻪ ﺑﻞ ﺗﻌﻨﻲ ﻣﻮﺍﻃﻨﺎ ﻻ سلطة عليه” وأن كان  لا يتكلم لغة ماركس حرفيا فهو يفهمها أكثر من أي أحد ، فــ” ﺛﻘﺎﻓﺘﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻻ ﺗﻌﺮﻑ ﻛﺎﺭﻝ ﻣﺎﺭﻛﺲ, ﺗﻌﺮﻑ ﻣﺎ ﺳﻤﻌﺘﻪ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ أﻋﺪﺍﺋﻪ ﺍﻟﺮﺃﺳﻤﺎﻟيين ﻭﺣﺪﻫﻢ. ﻭﻫﻢ ﻃﺮﻑ ﻣﻨﺤﺎﺯ ﻓﻲ أﺻﻞ ﺍﻟﻘﻀﻴﺔ, ﻛﺎﻥ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﻳﺤﺮﺽ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺜﻮﺭﺓ ﺿﺪﻫﻢ, ﻭﻛﺎﻧﻮﺍ أﺻﺤﺎﺏ ﻣﺼﻠﺤﺔ ﻣﻠﺤﺔ ﻓﻲ ﺗﺸﻮﻳﻪ ﺃﻗﻮﻟﻪ, ﻭﻗﺪ ﺗﻮﻟﻮﺍ ﺗﻘﺪﻳﻤﻪ إﻟﻰ ﺛﻘﺎﻓﺘﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ, ﻣﻮﺻﻮﻣﺎ ﺑﺜﻼﺙ ﺗﻬﻢ, ﻛﻞ ﺗﻬﻤﺔ ﻣﻨﻬﺎ ﻣﺨﺘﻠﻔﺔ ﻋﻤﺪﺍ, لإﺩﺍﻧﺘﻪ أﻣﺎﻡ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺑﺎﻟﺬﺍﺕ “.

وعلى منحى أن العرب لم يفهموا ماركس , يسعى النيهوم إلى الكف عن العداء له, والبحث عن وفاق  بين ما يقوله ماركس وما يقوله الشرع الجماعي “أﻥ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﻳﻨﺎﺩﻱ ﺑإﻟﻐﺎﺀ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺔ ﺍﻟﺪينية, ﻭﻳﻌﺘﺒﺮ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﻣﺠﺮﺩ أﻓﻴﻮﻥ, ﻭﻫﻲ ﺗﻬﻤﺔ ﺗﺘﺠﺎﻫﻞ, أﻥ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻳﻌﻨﻴﻬﺎ ﻣﺎﺭﻛﺲ, ﻫﻲ ﺍﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺕ ﺍﻟﻤﺴﻴﺤﻴﺔ ﻭﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ, ﻭﺃﻥ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻔﻜﺮﺓ ﻟﻴﺴﺖ ﻣﺎﺭﻛﺴﻴﺔ أﺻﻼ , ﺑﻞ إﺳﻼﻣﻴﺔ, ﺳﺠﻠﻬﺎ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻣﻨﺬ ﺃﺭﺑﻌﺔ ﻋﺸﺮ ﻗﺮﻧﺎ, ﻓﻲ ﺁﻳﺎﺕ ﻣﻨﻬﺎ, ﻗﻮﻟﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ ﻓﻲ ﺍﻵﻳﺔ 5 ﻣﻦ ﺳﻮﺭﺓ ﺍﻟﺠﻤﻌﺔ ‏(ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺣﻤﻠﻮﺍ ﺍﻟﺘﻮﺭﺍﺓ, ﺛﻢ ﻟﻢ ﻳﺤﻤﻠﻮﻫﺎ, ﻛﻤﺜﻞ ﺍﻟﺤﻤﺎﺭ ﻳﺤﻤﻞ أﺳﻔﺎﺭﺍ‏) ﻭﻫﻲ ﺻﻮﺭﺓ أﻛﺜﺮ ﻭﺿﻮﺣﺎ– ﻣﻦ أﻗﻮﺍﻝ ﻣﺎﺭﻛﺲ ﺃﻥ ﺍﻟﺪﻳﻦ ﺃﻓﻴﻮﻥ ﺍﻟﺸﻌﻮﺏ.”

ويظهر الجانب التسامحي هذا, انتصارا لمعسكر الشرق في حينها, الذي بدأ يتهاوى على وقع هزيمة الاتحاد السوفيتي, وسقوط الماركسية, وسقوط الحلم العمالي, من هنا تولد الجماعة ويقلب الحلم من جديد, في وطن غير صناعي, لا يملك عمال ولا قوة رأس المال, من هنا أيضا يظهر التماشي والتناغم مع “الفكر الشيوعي” الذي يطالب بعدم وجود جيش مستديم, وهي نفس الفكرة التي تبناها النظام الليبي السابق, بدعوى الشعب المسلح, هذا هو الشرع الجماعي, الذي يطالب بتأميم الإنتاج, وتحريم الربا, وإلغاء الطبقية, هذا هو الإعلان الشيوعي الذي ظهر قبل 1400 سنة, ولكنه غيب, وظهرت بديلا عنه ثقافة مزورة.

على طول الرقعة الجغرافية, ومن مكة إلى هنا، على المثقف العربي أن يعيد البحث في هذه الشورى, ذاك أنه لا يعيش في ثقافة رأسمالية تستبعد الكنيسة والإقطاع, ولا في ثقافة عمالية ينوب فيها العمال عن الجماعة, ويستبعد رأس المال والإقطاع والكنيسة معا، أنه لا يستطيع أن يستبعد الدين الذي ترتبط لغته بلغة القرآن، ولا أن يشرع بالنيابة في شرع لا يؤمن بها, أن عليه أن يعيد قراءة الإسلام من جديد, بعد أن ينفض عنه ما علق به من إضافات العصور, ويثوره في وجه الكهان والمستبدين, استنادا لما يحمله الدين من طاقة روحية بإمكانها أن تكون دافعا للكفاح من ﺃﺟﻞ ﺍلعدل والحرية, فيضم النيهوم إلى يساريته, يسارية إسلامية تحاول أن تعيد إلى الإسلام وجهه الجميل, وهي المهمة التي تصدى فيها بنقد الفكر الديني الكلاسيكي، في كل من كتبه الثلاث, من”محنة ثقافة مزورة”, إلى “الإسلام في الأسر” ، ثم “إسلام ضد الإسلام”.

أمام هذا التصور, الذي ليس جديدا, فقد سبقه “مصطفي السباعي”, بحوالي الثلاث عقود, حين أصدر كتابه “اشتراكية الإسلام”, للتوكيد على التوأمة بين الماركسية والإسلام, مستشهد بالتفاعل الاجتماعي والحضاري الذي شهدته الحضارة الإسلامية, وأنتجت على أثره حركات شيوعية كحركة القرامطة, لا تزعم الشيوعية المحدثة في الإسلام على القول صراحة بأن الإسلام شيوعي, بل دوما من حيث الجوهر لا القشر, مادامت الشيوعية كما الدين تنشد المثالية ومجتمع يسوده العدل الطبقي.

أنها موضة فكرية شغلت هموم كثير من المفكرين الإسلاميين, من مثل “علي شريعتي”, هو دأب أعتاد عليه رواد هذه الثقافة, فالكل يبحث عن أصل من الماضي, يقلب الخلاص من مقبرة التراث, لأن الكل مولع بالماضي, حيث يغرف الجميع ما طاب, وفق كل فكر وما يرغب.

وشيوعية الجماعة إحدى تلك الهموم, الموعودة بالعدل بعد فك أسرها من الإقطاع والأصولية, وينفظ النيهوم عن نفسه غبار التساؤل, حول ظهور أي قوى تحتزب الجامع, كما احتزبت الماركسية داخل حزب لينيني, وداخل حزب بعثي, وداخل كل فكر اختزالي.

ونحن ننغلق خلف مضيق جبل طارق, ونخاف على هويتنا, وتراثنا, وأصالتنا, نطل على العالم, في صورة مشوهة, فلا هي ماضي ولا حاضر, وليس بإمكاننا أن نعطي العالم الجديد تلوينا جديدا, كما فعل غيرنا في الشرق الآسيوي, فنسعى إلى البحث عن فكرة خلاصية, بعد أن يرتدي الدين, ثوب الشيوعية.

مقالات ذات علاقة

الفاعل “ضمير” غائب

سالم العوكلي

لماذا نكتب؟

المشرف العام

21 نوفمبر سبعينية ليبيا

عبدالرحمن شلقم

اترك تعليق