قصة

شيئاً يناغم ما بعده

 

ظنوه يمزح معهم أو يسخر منهم، حين فتح فمه في وجوههم وأشار لهم أن يضعوا فيه ما طلب منهم حالاً ودون أي تأخير، إذ هو جاهزاً ولا ينقصه شيء سوى هذا الطلب، حينها سيتولى هو في الحال أمر ما سُلب ونُهب منهم.. لم يستمعوا له بادي الأمر أو لم يصدقوه، ربما لأنه هكذا دائماً في طبعه مزحة، أو ربما لأن ما طلبه كان بخساً رخيصاً لا يساوي حجم المغامرة التي وهب نفسه للقيام بها، والتي قد يدفع حتى رأسه ثمناً فيها، لكنهم أدركوا فيما بعد أنه جاد فيما قال، وأن في داخله شيئاً ملحاً جعله عازم على فعل ذلك حتى لو لم يلبوا له طلبه.

لذلك وقف من كان حاضراً لحظتها في طابور على عجل لوداعه لحظة مغادرته المكان.. وقفوا وكان “خيرالله” في آخر طابور مودعيه، ينتظر وينظر لسيده وهو يأخذ مطلبه الرخيص منهم، حين وضعه أحدهم له على راحة يده.. كان شيئاً صغيراً في حجمه وفي قيمته.

رآه كيف يحتفي بما أعطوه وكيف يفرده بسبابته اليمنى على كفه الأيسر.. كيف يقطع من أطرافه كل الزوائد ويقلبه وينقيه تحت نظراته الساخرة، قبل أن يباشر بلف حواشيه إلى الداخل.

” ماذا لو ذهب ولم يعد ” كتمها خيرالله في صدره ” ماذا لو مات.. ماذا لو أصابته رصاصة فأردته قتيلا..؟! ” في حين كان “السيد” يعي جيداً أن مَن ذاهب لقتالهم لن يسلموا له فيما يريد بسهولة.. لن يتخلوا عما سلبوه ونهبوه وصار الآن في حوزتهم، فدون ذلك لابد أن تسيل دماء ولابد أن تقع رؤوس على الأرض.. كانوا ستة مسلحين هكذا قال من فرّ من الرعاة مفزوعاً منهم ومن فعلهم.

رفع كفه وقربه منه، وصار يتفحص ما عليه أكثر.. كان شيئاً حقيراً ومجنوناً كجنون اللحظات القليلة القادمة التي تنتظره هناك على مسافة  ليست بعيدة من مكانه.. كان شيئاً يشبه ما سيأتي بعده أو شيئاً يناغم ما بعده فقرّبه منه وقرّبه أكثر من أنفه، ورفعه حتى لامس مقدمة أنفه وشم رائحته بهدوء، وعلى محياه الساخر رسم بسمة.

حاكته أصابعه ببراعة حين لفّت حوافه إلى الداخل، وأدارت جوانبه حتى استدار كله وتدحرج على سطح كفه.. كان حجمه كالثمرة الصغيرة، وكانت رائحته تفوح بخفة حتى سيّلت لعابه، وشعر بكل شيء فيه يتجه نحو تلك اللفلوفة الصغيرة.. كان متعطشاً لرؤيتها ولرائحتها ولحركتها ولإعدادها وحياكتها ولكل شيء فيها، فحاصرها بين ثلاثة أصابع ورفع بصره ليستعرض طابور مودعيه، فكان خيرالله يقف هناك في النهاية وينتظر ودمعة على جفنه تتردد، وعلى يساره تقف بندقية طويلة وعلى يمينه تقف فرساً حمراء غراء، في حين رفع هو هذه الصغيرة الملفوفة من على كفه وبين أصابعه الثلاثة وبهدوء دسها في مكاناً ما داخل فمه، ونفض كفه ورفع رأسه أكثر من أي وقت مضى.

دس تلك الصغيرة الملفوفة، وحسب ظنه أن ما هو مقبلاً عليه لا يحتاج إلى قطعة خبز كبيرة، بل يحتاج إلى شيئاً آخراً صغيراً ومختلفاً.. إلى شيئاً لا يستقر في البطن لا..لا.. بل في مكاناً آخر بعيداً كل البعد عن البطن.. إلى شيئاً لا يستقر مفعوله بل يتعلق مفعوله.. دسها ونظر إلى خيرالله الذي يرى في مغامرة سيده هذه درباً من الجنون، في حين يرى هو أن ما هو آت لا يحتاج إلا إلى مجنون.. دسها لتزيده.. لتوقظه.. لتوقده.. لتمتّعه أكثر ساعة لا يكون في الهواء سوى هوى البارود..دسها في فمه ووعدهم أنه لن يبصقها ما لم يعود ومعه كل شيء.. دس وريقة التبغ الملفوفة بعناية في مكانها المخصص لها منذ زمن، فسال ريقها في حنايا فمه حتى شعر كأن قرية نمل قد انتشرت تحت جلده، حينها رفع رأسه وجال ببصره، ربما ليلقي نظرة أخيرة على حياة المكان و من في المكان، وعلى أولائك الذين اصطفوا على عجل لوداعه فرداً فرداً حتى أستقر على خيرالله والفرس الحمراء والبندقية الطويلة، كانت فوهتها إلى أعلى وكانت دمعة من على جفن خيرالله قد اهتزت وسقطت.

سمنو: 4\6\2008

مقالات ذات علاقة

القرابين لا تعود.. وإن عادت ففي داخل توابيت نصف مقّفلة

المشرف العام

خَطّ أَحْمَر..!

أحمد يوسف عقيلة

الكلب(الحرًاس)*

عاشور حمد عثمان

اترك تعليق