قصة

شيء في صدري

من أعمال التشكيلي مرعي التليسي

جلستُ بالقرب منها أحتسي قهوتي، أسمع صوت الموج يهدر ثم يتكسّر بهدوء على الشاطئ كأنه يرشدني كيف تكون النهايات بعد القوة والعنفوان.

 أخذتُ أتأمّلُها، لم ينل الزمن من مُحيّاها رغم تجاوزها الأربعين. وجهها الملائكي مازال يحتفظ بالكثير من فتنته وجاذبيته التي جعلتني أسيرها كُلَّ تلك السنين. قالت وعلاماتُ الاستفهام على وجهها:

– لماذا أخرجت العصفور من القفص اليوم؟ ربما لا يستطيعُ العيش خارجه….. تصرفاتُكَ أصبحت غريبة.

قلتُ في هدوءٍ كأنِّي أحدّثُ نفسي:

– شيءٌّ في صدري.

ركّزت نظراتِها في وجهي وكأنها تتأكدُ من سلامة عقلي. عقّبتُ متجاهلاً نظرتها:

– منتجعٌ جميل.

– مقبولٌ، اعتقدتُ أنَّه أرقى من هذا بكثير.

لم أردّ… تعوّدتُ أنْ أبتلعَ تعاليها، وأتلقّى قبولها الفاتر لعطائي في صمت. وضعتُ يدي على صدري كأنِّي أخبئ ما ترعرع فيه منذ وقتٍ غير يسير، صرتُ أخافُ من تَضخّمه كُلّما لامستني إحدى حوافها المدببة وخدشتني بقسوة.

أتذكّر بسخرية حنقي وأنا أواجه اعتراض أمّي واستنكارها حماستي ولهفتي الدائمة لإرضائها.

– يا بُنَّي….. الدلالُ مفسدةٌ.

– اجمعي حاجياتك…سنرجع إلى البيت الآن.

رأيتُ في عينيها نظرةً غريبةً لا أعرفُ إِنْ كانت اِعتراضاً أو غضباً أو دهشة.. طوال الطريق لم أنبس بكلمة ولم تتوقف تلك الصور عن الهطول في ذاكرتي.

القاعةُ الجميلة، بطاقاتُ الدعوة الأنيقة، العشاء الفاخر، الهدايا، تصميم الديكور والإضاءة، كنتُ على وشك السقوط إعياءً كي يكون حفلُ حصولِها على الدكتوراة في المستوى الذي يُرضيها.

بدّدتُ كلَّ المال الذي املكه تلك الفترة عن طيب خاطر، بعد أنْ رأيتَها مبهورةً كطفلةٍ بحفل زميلتها في فندق الريتز الفخم.

سمِعتُها تتحدثُ في الهاتف بعد يوم واحد من الحفل:

– وجدنا قاعة فندق الريتز وكُلَّ القاعات الفخمة محجوزة لفترة طويلة فاضطررنا لحجز هذه القاعة.

شعرتُ لحظتها بمخاض…. وولادة شيء في صدري!!

منذ ذلك اليوم وهو ينمو ويكبر دون أنْ أتحكمَ به، كنتُ مذعوراً من إصراره على التمدّد والاتجاه في خط واحد لا يتغير، حتى صرتُ أخافُ عليها منه!!

فتحتُ لها البيت وغادرت مسرعا. أحاولُ التحكم في ذلك المارد الذي يمزق ضلوعي محاولاً الخروج.

اتجهتُ إلى بيت أمي. صوتُ دُعائِها لي بالصلاح، وتمتماتها وهي تكـرُّ حباتِ مسبحتها أدخل الطمأنينة والهدوء إلى قلبي …. شعرتُ بسكونٍ يخدر أطرافي كمن توقف بعد سباقِ ركضٍ طويل، واستسلمتُ لنومٍ عميق.

 صحوتُ عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، حملقت في هاتفي النقال غير مصدق …..  يااااه عشرة اتصالات فائتة منها؟؟ لم تعتد أنْ تسالَ عني أو تهتمَ بي…. ربّما أدركَتْ أنّ ما تراكمَ في صدري منحني القدرةَ لأخرجَ من القفص.

مقالات ذات علاقة

رجل أبيض.. شعر أبيض.. سيارة بيضاء…

جميلة الميهوب

بــلا رأس

غازي القبلاوي

سالم وسليمان

نورهان الطشاني

اترك تعليق